بوخزام: مشروع القوات المسلحة قادر على استعادة الدولة من النفوذ الخارجي

قال الباحث السياسي سالم بوخزام، إن ليبيا، منذ صدور قراري مجلس الأمن رقم 1970 و1973، تحولت إلى دولة خاضعة للاحتلال وتفتقد لاستقلال إرادتها السياسية بالكامل، مشيرًا إلى أن البلاد أصبحت عبارة عن تقسيمات، كلٌّ منها يذهب نحو دولة معينة، خاصة الدول الكبرى، وذات النفوذ التي باتت تستقطب التيارات المتعددة داخل الدولة لخدمة مصالحها.
وأوضح بوخزام، في تصريحات لقناة “ليبيا الحدث”، رصدتها صحيفة الساعة 24، أن الدول الكبرى صاحبة النفوذ هي المتحكمة فيما وصفه بـ “المشروع الليبي”، مؤكدًا أن مصالح الشعب الليبي لم تتحقق، وهو ما يفسر استمرار الأزمات الاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية، والإعلامية.
وأضاف أن هذه الدول باتت تتحكم في مصير الشعب الليبي، الذي يتعرض في كل مرحلة لمزيد من الانقسام وإعادة التقسيم، لافتًا إلى أن المشهد السياسي الحالي تهيمن عليه كيانات مثل المجلس الرئاسي، وحكومة الدبيبة، ومجلسي الدولة، والنواب، إضافة إلى الحكومة الليبية، معتبرًا أن هذه الأجسام أسهمت بدورها في تعميق الانقسام، حيث أصبح المواطن يتبع أحد هذه الأطراف.
وأشار إلى أن هذه الانقسامات امتدت لتشمل “الفسيفساء” الليبية، مضافًا إليها مجتمع القبائل، ومؤسسات المجتمع المدني، والأحزاب السياسية، والمرأة، حيث يسير كل طرف في اتجاه مختلف، وهو ما يتجلى في كثرة البيانات الصادرة بين الحين والآخر، والتي تعبر عن مواقف متباعدة ولا تتعامل مع جوهر الأزمة.
وأكد بوخزام، أن الواقع الحالي يعكس حالة خطيرة، إذ إن الشعب الليبي بات مقسمًا ومجزأً ومهيأً لمزيد من التفكك، إلى حد أنه لم يعد موجودًا ككتلة واحدة، مشددًا على أن الأجسام السياسية القائمة تحرم الليبيين من حقهم في الكلمة، وفي الإدلاء بأصواتهم، ولا يظهر صوتهم إلا من خلال تحركات الشارع المتقطعة والبيانات الصادرة عن بعض التنظيمات الشعبية.
ورأى أن الشعب الليبي أصبح معزولًا تمامًا عن الحراك السياسي والتعبير الحر، معتبرًا أن ما وصلت إليه البلاد من تعقيد لا يمكن تفسيره إلا بإقصاء الجماهير عن القرار، في وقت تتدفق فيه الأموال الليبية إلى الخارج، وتُدار من قبل بعض المؤسسات دون أي اعتبار للإرادة الشعبية.
وحذر بوخزام، من أن الاستمرار في هذا المسار سيقود البلاد إلى صندوق النقد الدولي، موضحًا أن الأمم المتحدة تبدو ظاهريًا محايدة، لكنها في الواقع غير ذلك، وتسهم – بحسب تعبيره – في دفع ليبيا نحو مزيد من الإفقار وإظهارها كدولة محتاجة.
ونوه بأن استمرار النزيف المالي سيقود إلى مراحل أشد قسوة قد تدفع الشعب في نهاية المطاف إلى التحرك للمطالبة بإنهاء الأسباب السياسية التي أوصلته إلى هذا الوضع المتأزم.
واعتبر بوخزام، أن المتحكم الأساسي في المشهد الليبي هم أقطاب الصراع في العالم، معتبرًا أن هذا الواقع بات أمرًا لا يمكن إنكاره، مشيرًا إلى أن المنطقة الغربية لا تزال خاضعة لسيطرة الميليشيات والتشكيلات المسلحة، في ظل غياب فعلي لوزير دفاع أو رئيس أركان أو مؤسسة عسكرية قادرة على فرض القرار وتنفيذ التعليمات.
ولفت إلى أن القيادات العسكرية التي تبنت خطابًا وطنيًا، على غرار الراحل محمد الحداد، لم تكن قادرة في الواقع على تنفيذ قرارات تصب في مصلحة الشعب الليبي، بسبب تفوق الميليشيات والتشكيلات المسلحة التي فرضت هيمنتها، وأصبحت الطرف الأقوى على الأرض.
وأشار إلى أنه منذ عام 2015، وخلال مؤتمر أوسلو، خلصت لجان من الخبراء والأساتذة الأكاديميين إلى استحالة قيام دولة في ظل وجود تشكيلات مسلحة، مؤكدًا أن استمرار هذه التشكيلات في الغرب الليبي يجعلها تفرض نفوذها، وتبتز الحكومات المتعاقبة، وتستنزف أموال الشعب الليبي، وبالتالي يستحيل بناء دولة حقيقية ما دامت هذه المجموعات قائمة.
ورأى بوخزام، أن بقاء الوضع على ما هو عليه يخدم بشكل مباشر مصلحة الدول الغربية، لافتًا إلى أن العديد من القرارات، لا سيما الإجراءات التنفيذية التي اتخذتها حكومة الدبيبة، تحظى بدعم غربي واضح، معتبرًا أن هذه الحكومة أثبتت عبر أكثر من تجربة أنها مطيعة ومنفذة للتعليمات الخارجية.
وأضاف أن الاحتجاجات والمظاهرات والبيانات ورفض المدن الليبية لحكومة الدبيبة لم تؤدِ إلى إنهائها، لأنها تستند إلى دعم أقطاب الصراع المؤثرين في ليبيا، وهو ما يمنحها القدرة على الاستمرار رغم الرفض الشعبي الواسع، معتبرًا أن هذا الاستمرار يتعارض مع مصلحة الشعب الليبي.
وشدد على أن غالبية الشعب الليبي، باستثناء المستفيدين من بقاء الحكومة، باتت ترى أن حكومة الوحدة تعمل ضد مصالحها، مشيرًا إلى أن الأدلة على ذلك كثيرة ومتراكمة ولا تحتاج إلى سرد أمثلة إضافية.
وحسب بوخزام، فإن استمرار هذا الوضع، في حال لم يتحرك الشعب الليبي في موقف موحد رغم انقساماته، لن يؤثر في حكومة الدبيبة، التي تواصل التماسك بفضل خيار الدعم الغربي، في ظل انسداد سياسي متواصل، وتعقيد المشهد واستمرار الأزمة.
وقال إن الدعم الدولي في الغرب الليبي لا يقتصر على الحكومة فقط، بل يشمل أيضًا المنظومة غير الحكومية، موضحًا أن الحكومة تستجيب لأي تعليمات وآراء تخدم المصالح الخارجية، وهو ما يجعلها، بحسب وصفه، أداة طيعة لتنفيذ تلك التوجهات.
وأوضح أن الدول الداعمة تدرك تمامًا طبيعة التشكيلات المسلحة وحقيقة تكوينها، ورغم أن الإعلان العلني عن التمسك بهذه الميليشيات لا يكون مقبولًا أخلاقيًا، فإنها تواصل دعمها بشكل غير مباشر عبر التسليح والتمويل وتبادل المواقع، مشيرًا إلى أنه في حال سقوط أي تشكيل مسلح يتم تعويضه بأخر، وهو ما حدث بالفعل في الفترة الأخيرة في الغرب الليبي بصورة واضحة.
وفي المقابل، لفت بوخزام، إلىأن المنطقة الشرقية تمثل، من وجهة نظره، المشروع العسكري الوطني الوحيد القادر على انتشال ليبيا وتحريرها، موضحًا أن القوات المسلحة موجودة بثبات وعزيمة قوية في الشرق، ولها حضور حقيقي أيضًا في الجنوب، وهو ما يلمسه المواطنون ويشعرون به على أرض الواقع.
وأشار إلى أن هذا المشروع يحظى بحواضن شعبية واسعة في الشرق والجنوب، حيث تقف قطاعات كبيرة من الشعب مع القوات المسلحة وتؤيد مشروعها، معتبرًا أن هذا المشروع واضح وجلي ويؤكد على هدف قيام الدولة الليبية.
وتابع بوخزام: حتى في طرابلس، هناك أعداد كبيرة من السكان باتت تنادي بمشروع القوات المسلحة، مؤكّدًا أن كثيرين سيكونون داعمين لها في حال دخولها إلى العاصمة، وانتشارها في المنطقة الغربية، سواء بشكل سلمي أو بغيره، مقابل قلة قليلة فقط ما زالت تؤيد سياسة الميليشيات وما وصفه بإفساد المشهد السياسي الليبي.
ورأى بوخزام، أن القوات المسلحة تسير بخطوات ثابتة نحو تحقيق الأمن والاستقرار وبناء دولة حقيقية تصدر قرارات، مشيرًا إلى أن هذه القرارات قد لا تكون مثالية بنسبة كاملة، لكنها قريبة من تحقيق مكاسب حقيقية على طريق قيام الدولة الليبية، خاصة في ظل إدراك الليبيين حجم المعاناة التي سببتها التشكيلات المسلحة.
وبينّ أن الوضع القائم في الغرب الليبي سيئ وسلبي ويتعارض مع مصلحة الشعب الليبي، معتبرًا أن استمراره يخدم بالأساس الدول الكبرى التي تسعى إلى بقاء هذا الواقع دون تغيير.
وأفاد بأن القوات المسلحة الليبية تمثل جسمًا جادًا ومنحازًا بوضوح إلى الشعب الليبي، وهو أمر تدركه الأطراف الدولية كما يدركه الليبيون أنفسهم، واعتبر أن استمرار هذا الجسم بالإرادة والتصميم كفيل بتحقيق الانتصار، لأن طبيعة الصراع، بحسب تعبيره، تقوم على المقاومة والثبات وتحمل التضحيات حتى الوصول إلى الهدف.
وأوضح أن التشكيلات المسلحة التي تقوم على الباطل، وتمارس انتزاع الأموال وإهدارها وتسهم في إفقار الشعب الليبي، لا يمكن أن تنتصر، معتبرًا أن النصر في نهاية المطاف لا بد أن يكون للقوات المسلحة، وهو ما تعلمه الدول الأجنبية والدول الكبرى جيدًا، كما تعلم أن الشعب الليبي، رغم تهميشه سياسيًا، يثبت يومًا بعد آخر رفضه للتقسيم وتمسكه بوحدة ليبيا، مع إمكانية قبوله بصيغ إدارية مختلفة، لكنه لا يقبل مطلقًا بتسليم البلاد أو تفكيكها.
وأشار إلى أن الطبيعة الاجتماعية للشعب الليبي، القائمة على روابط المصاهرة والنسب والعلاقات الممتدة شرقًا وغربًا وفي مختلف المدن، تشكل عنصر قوة حقيقي قد لا يدركه الخارج، مؤكدًا أن هذه السمة تعزز تماسك المجتمع واستمراره، وأن خمسة عشر عامًا من الأزمات لا تعني هزيمة الشعوب أو انهيارها.
وأضاف أن القوات المسلحة، بعد أن تجاوز عدد أفرادها مئة ألف، أصبحت أكثر تسليحًا وثقة، وباتت تؤدي في الشرق الليبي دورًا منضبطًا يشبه الدور الحكومي، إلى جانب تحركاتها وعلاقاتها مع دول عدة، من بينها باكستان وروسيا والصين، في إطار صراع دولي أوسع، لافتًا إلى أن بعض الدول، ومنها تركيا، رغم كونها دولة إسلامية وعضوًا في حلف الناتو، نفذت ضربات أثرت على الشعب الليبي.
وشدد بوخزام، على أن المطلوب من الشعب الليبي هو التماسك والاستمرار في المقاومة وعدم الانكفاء أمام ما وصفه بالمراحل العابرة في تاريخ البلاد، معربًا عن ثقته في عودة ليبيا، ومؤكدًا أن قادة القوات المسلحة، وعلى رأسهم المشير خليفة حفتر، متمسكون بالأرض الليبية ووحدة الإقليم، ولا يمكن أن يقبلوا بالتسليم أو التفريط، وهو ما يفسر، بحسب قوله، التفاف قطاعات واسعة من الليبيين حولهم.
وفي سياق تقييمه لفشل حل الأزمة الليبية، اعتبر بوخزام، أن ما يجري يمثل الرغبة الدولية في إدارة الفوضى بدل إنهائها، من خلال فهم آليات الحل والتحرك خارج إطار الحل الحقيقي، مشيرًا إلى أن الشعب الليبي يدرك سبل المعالجة، إلا أن القيادات السياسية الوطنية، وأساتذة الجامعات، ومراكز البحث العلمي الحرة، لم تُشرك في مسار الحل رغم قدرتها على تقديم بدائل واقعية.
وكشف في هذا الإطار عن ورقة بعنوان “المؤتمر التأسيسي” جرى إعدادها في سبع صفحات ونصف، وقادرة، بحسب تعبيره، على تقديم حل ليبي واضح يمكن شرحه للشعب خلال ساعة واحدة، مؤكدًا ثقته بأن الليبيين سيتفاعلون معها ويعتبرونها حلًا حقيقيًا، لافتًا إلى أن هذه الورقة صاغتها جامعات ليبية من بينها بنغازي ومصراتة وطرابلس وسبها، على أيدي أكاديميين لم ينخرطوا في الصراع أو الدماء، واعتمدوا فقط على البحث العلمي والقلم.









