محقق في حوادث الطيران يكشف التسلسل الفني وملابسات سقوط طائرة الحداد

أكد المحقق المعتمد في حوادث الطيران الكابتن عادل القاضي، أن التحقيقات الجوية لا تقوم على الفرضيات أو التخمين، بل تعتمد حصراً على الوقائع المثبتة والنتائج الفنية النهائية، مع التحليل العميق للمعطيات التقنية بعيداً عما يُتداول عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مشدداً على أن أي تصريحات غير موثقة، بما فيها تصريحات المسؤولين، لا تُؤخذ بعين الاعتبار دون دعم معلوماتي دقيق.
وأوضح القاضي، في مداخلة على قناة “ليبيا الأحرار”، رصدته صحيفة الساعة 24، أن ما يُنشر في الفضاء الإلكتروني غالباً اجتهادات شخصية مبالغ فيها أو غير دقيقة، ولا يخدم فهم أسباب الحادث.
وأضاف أن العمر الافتراضي للطائرات التجارية يتراوح بين 35 و40 عاماً، لكن استمرار الخدمة يعتمد على عدد ساعات الطيران ودورات الإقلاع والهبوط وصيانة الطائرة الدورية، مشيراً إلى أن الطائرات الكبيرة قد تواجه تحديات مثل الصدأ والتآكل ومشكلات في الأسلاك الكهربائية، وتخضع هذه النقاط لفحص دقيق خلال العمرات الثقيلة التي تُجرى كل ست أو سبع سنوات حسب الطراز.
وحول حادث سقوط طائرة الحداد ومرافقيه، أشار القاضي، إلى أن الطائرة كانت على ارتفاع نحو 32 ألف قدم عندما أبلغت برج المراقبة عند الساعة 8:31 صباحاً عبر نداء الاستغاثة Pan-Pan”” نتيجة عطل كهربائي عام.
وشرح القاضي أن هذا النداء تحذيري يشير إلى وجود مشكلة تحت السيطرة، دون الوصول إلى حالة الطوارئ القصوى، موضحاً أن الأنظمة الكهربائية والطائرات الحديثة مصممة وفق أنظمة متعددة الاعتمادية (Redundancy Systems) تتيح استمرار العمل عند تعطل أحد الأنظمة، بما يشمل الأجهزة الملاحية والاتصال.
وعن إعلان حالة الطوارئ، أشار القاضي، إلى أن النداء الذي صدر من الطائرة كان ناتجاً عن تعطل أنظمة في جهة معينة، في حين استمرت أنظمة أخرى بالعمل اعتماداً على مصادر طاقة مختلفة.
وبيّن أن مستوى الخطر يتم رفعه تدريجياً كلما زاد عدد الأنظمة المتعطلة، وهو ما يفسر بقاء الحالة في إطار نداء الاستغاثة، دون الانتقال إلى نداء الاستغاثة القصوى، طالما أن الطائرة لا تزال قادرة على الملاحة وتملك أجهزة فعّالة.
وأضاف أن تصميم الطائرات الحديثة يعتمد على مبدأ الفصل بين الأنظمة، حيث تكون أجهزة جهة الكابتن، خاصة في الجهة اليسرى، موصولة بما يُعرف بـ “Emergency Buses”، و”Hot Battery Buses”، وهي مصادر طاقة طوارئ يصعب جداً أن تنقطع، وقد صُممت وفق أعلى معايير السلامة لضمان استمرار التحكم بالطائرة في الحالات الحرجة.
وأشار الكابتن عادل القاضي، إلى أن الأعطال الكهربائية تمثل أخطر المشكلات، خصوصاً ظهور الدخان الكهربائي أو حدوث ماس كهربائي قد يتطور إلى حريق، وهو عادة يحتاج نحو 18 دقيقة للوصول إلى مرحلة صعوبة السيطرة، مستحضراً حادثة طائرة TWA 800 التي تسبب ماس كهربائي في انفجارها.
وأكد القاضي أن فرضية تعطل كامل النظام الكهربائي في وقت واحد تبقى ضعيفة نظرياً. موضحاً أن فقدان الطائرة من قبل الرادار غالباً يعود لتعطل جهاز الإرسال والاستقبال (Transponder) وليس اختفاء الطائرة، مشدداً على أن دور المحققين يتلخص في تتبع انتقال الأعطال وتحديد نقطة البداية بدقة. وأضاف أن إعلان نداء الاستغاثةPan-Pan” ” يختلف عن رمز “7700” للطوارئ القصوى، الذي يشير إلى خطر حقيقي ويستدعي تدخل المراقبة الجوية.
وبخصوص التسلسل الزمني للأحداث، بيّن القاضي، أن عودة الطائرة بعد الإقلاع بسبب عطل فني أمر شائع، وأن فقدان الظهور على الرادار مع ضعف الاتصال يشير إلى تطور الأعطال جزئياً، مؤكداً أن تحليل بيانات جهاز تسجيل معلومات الرحلة عبر “مسجل بيانات الطيران الرقمي” يشكل محور التحقيق لتحديد سرعة الطائرة، معدل الهبوط، التسارع العمودي، وضغط الهواء، بما يساعد على تحديد مكان وزمان بداية الخلل بدقة. وأكد أن أي تسجيلات بصرية تخضع للتحليل وربطها بالبيانات الفنية ضمن التحقيق الشامل.
وأوضح القاضي، أن الوميض المرصود في الفيديو المتداول عند الساعة 8:44 مساءً لا يمكن تفسيره دون الرجوع إلى البيانات الفنية للطائرة، وأن تحليل الصندوقين الأسودين يستغرق عادة 20 يوماً إلى شهر، وقد يمتد لأشهر، حيث يقوم مسجل الصوت في قمرة القيادة، بتسجيل جميع المحادثات، بينما يرصد مسجل بيانات الطيران الرقمي، مئات المؤشرات الفنية للطائرة. وأضاف أن الصندوقين مصممان لتحمل درجات حرارة تصل إلى ألف درجة مئوية لمدة ساعة، مع تشفير البيانات وضمان حفظها.
وشدد القاضي، على أن التحقيق الفني لا يهدف لإسناد اتهامات، بل لتحديد الأسباب التقنية ومنع تكرار الحوادث، وأن محقق الطيران مختص فني غالباً طيار أو مهندس، بينما يمكن للقضاء الاستعانة بالتقارير لاحقاً في الدعاوى القانونية.
وأكد القاضي، أن عمر الطائرة والدولة المشغلة يؤثران على السلامة، مشيراً إلى أن الرقابة الصارمة والصيانة الدقيقة في دول مثل ألمانيا والولايات المتحدة تجعل الطائرات المستعملة أكثر أماناً، على عكس بعض الدول التي قد تواجه الطائرات فيها مشاكل متكررة بسبب نقص الصيانة، وأن وجود جهة إشرافية يضمن التزام الشركات بالمعايير الدقيقة ويحافظ على سلامة الطائرة حتى بعد سنوات التشغيل الطويلة.
وأضاف القاضي، أن التقرير الفني للحادثة سيوضح لاحقاً ما إذا كانت هناك أي أعطال مرتبطة بعمر الطائرة أو بيئة تشغيلها، بما في ذلك مشكلات كهربائية أو صيانة، مؤكداً أن أي تحليل يجب أن يستند حصراً إلى بيانات الصندوقين الأسودين ومسجل بيانات الطيران الرقمي.









