الديباني: تعارض المسارين الأممي والأمريكي يعقّد المشهد الليبي

أكد القانوني والباحث في الشأن السياسي، عبد الله الديباني، أن الأزمة الليبية تشهد تعارضًا واضحًا بين مسارين أساسيين للحل، يتمثلان في المسار الأممي، والمسار الأمريكي، معتبرًا أن التطورات الجارية على الأرض تشير إلى ترجيح كفة المسار الأمريكي خلال المرحلة الحالية.
وأوضح الديباني في حديث لقناة “الوسط”، رصدتها صحيفة الساعة24، أن المبادرة الأمريكية التي يقودها مستشار الرئيس الأمريكي، مسعد بولس، قطعت شوطًا مهمًا في الجانب الاقتصادي، قبل الانتقال إلى ملفات أمنية تتعلق بتشكيل قوة مشتركة، وتوحيد المؤسسة العسكرية بصورة شاملة ومنظمة، وصولًا إلى بحث مسألة التعديل الوزاري أو إعادة تشكيل الحكومة. مشيراً إلى أن التعديل الوزاري المرتقب لن يكون تعديلًا محدودًا، بل سيُحدث تغييرًا جذريًا في شكل الحكومة الحالية، من خلال استبدال أسماء قائمة، وملء حقائب شاغرة، وإدخال أسماء جديدة على وزارات قائمة، بما يعكس تحولًا كبيرًا في المشهد التنفيذي.
وفي المقابل، لفت الديباني، إلى أن المسار الأممي يواجه عراقيل حقيقية بسبب الخلاف المستمر بين مجلسي النواب والأعلى للدولة حول المناصب السيادية، وعلى رأسها مجلس إدارة المفوضية العليا للانتخابات. موضحاً أن الخلاف يتمحور حول إعادة تشكيل المفوضية، حيث يرى مجلس النواب أن يكون رئيسها من برقة، وأن يتكون مجلس إدارتها من رئيس وستة أعضاء، وفق التقسيم المعتمد.
وبيّن أن الخلاف تعمق بشأن المقاعد الشاغرة في مجلس إدارة المفوضية، مشيرًا إلى أن هذه الخلافات أدت إلى بقاء مقاعد معينة مشغولة من طرف واحد، خصوصًا من إقليم برقة.
وانتقد الديباني، خطوة مجلس الدولة بتسمية رئيس وعضوين لمجلس المفوضية، معتبرًا أن هذا الإجراء يخالف القانون رقم (8) لسنة 2013 المنظم للمفوضية الوطنية العليا للانتخابات، والذي ينص صراحة على أن يتكون مجلس الإدارة من رئيس وستة أعضاء، واصفًا القرار بأنه باطل لمخالفته نصًا قانونيًا واضحًا.
واعتبر الديباني، أن الانحراف الذي أصاب المسار الأممي ساهم بشكل مباشر في حالة العرقلة والجمود التي تلت الجلسة الافتتاحية الأولى للحوار المهيكل، مؤكدًا أن البعثة الأممية تمتلك تصورات وخططًا بديلة، من بينها إمكانية تجميد دور مجلسي النواب والدولة في حال استمرار تعنتهما، واستبدالهما بالحوار المهيكل كمسار بديل.
وأوضح أن البعثة أعلنت رسميًا أن الحوار المهيكل يضم مختلف الأطياف والمكونات الليبية من جميع المناطق، مع قابلية زيادة عدد المشاركين، ما يجعل من الصعب التنبؤ بمآلاته في هذه المرحلة المبكرة.
وأشار إلى أن الجلستين الأولى والثانية من الحوار كانتا افتتاحيتين، في حين بدأت اللجان المتخصصة في ملفات الاقتصاد والأمن والحوكمة والمصالح الوطنية وحقوق الإنسان عقد اجتماعاتها الأولية، مؤكدًا أن الحكم على نجاح الحوار المهيكل أو فشله لا يمكن أن يتم إلا بعد انعقاد الجلسات القادمة ومناقشة القضايا الجوهرية بشكل معمق.
ورأى الديباني، أن التباطؤ في استكمال مراحل خارطة الطريق، والحوار المهيكل لا يعود بالأساس إلى خشية الأطراف الليبية من إعادة توزيع السلطة أو الشرعية، بل يرتبط بشكل رئيسي بالصراع الدولي، وتضارب المصالح الخارجية المؤثرة في الملف الليبي.
وأوضح أن غالبية الأطراف السياسية الليبية لديها مصلحة في الذهاب إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية، مشيرًا إلى أن بعض القيادات السياسية كانت مرشحة بالفعل للانتخابات الرئاسية عام 2021 وصدر بشأنها قرارات رسمية من المفوضية العليا للانتخابات، ما ينفي فرضية رفض هذه الأطراف لمبدأ الانتخابات بحد ذاته.
وأشار إلى أن الصراع الدولي الحالي أفرز تحالفات وتوازنات جديدة على المستوى العالمي، وهو ما انعكس بشكل مباشر على عدم التوافق بشأن الخارطة السياسية الليبية، مؤكدًا أن ليبيا ليست بمنأى عن التحولات السياسية والانقسامات الدولية التي يشهدها العالم، والتي تلقي بظلالها على مسار الحل السياسي.
ولفت الديباني، إلى أن الأطراف السياسية، بما فيها مجلسي النواب والدولة، تدرك أنها لا تستطيع الاستمرار في السلطة إلى ما لا نهاية، خاصة بعد بقائها لسنوات طويلة دون تقديم حلول حقيقية للأزمة، موضحًا أن هذه الأطراف تسعى إلى الخروج من المشهد السياسي بطريقة تحفظ لها مكاسبها وتجنبها المساءلة أو المطالبة بالمحاسبة.
وبينّ إلى أن القوى السياسية والعسكرية المؤثرة على الأرض، بما في ذلك القيادات التي أعلنت أو يُنظر إليها كمرشحة رئاسية، أعلنت في مناسبات عدة دعمها لإجراء الانتخابات، مشيرًا إلى أن التظاهرات التي خرجت في شرق البلاد طالبت في مجملها بالانتخابات الرئاسية، رغم تباين الشعارات والمطالب التفصيلية التي رُفعت خلالها.
وأكد الديباني، أن تحميل الأطراف الليبية وحدها مسؤولية عرقلة المسار السياسي لا يعكس الصورة الكاملة، مشددًا على أن التدخلات الدولية، وعدم توافق الدول المتدخلة، إضافة إلى الانقسامات داخل مجلس الأمن، تلعب دورًا أساسيًا في تعميق الأزمة وإطالة أمدها، بما يساهم في إبقاء الوضع الليبي على حاله دون تحقيق اختراق حقيقي في مسار الحل.









