الغرياني: هيئة الرئاسة وسلطة طرابلس وراء خطوات مجلس الدولة الأحادية

حذّر الناشط السياسي عبد الله الغرياني، من خطورة ما وصفه بـ “الاعتداء السياسي” على المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، معتبراً أن الزج بها في أتون الانقسام السياسي القائم يُعد مؤشراً بالغ الخطورة، خاصة في ظل حساسية الدور المنوط بها وحاجة الليبيين الماسة إلى مؤسسة انتخابية مستقلة وموثوقة.
وقال الغرياني، في حديث لقناة “ليبيا الحدث”، رصدته “صحيفة الساعة 24″ إن ما أقدمت عليه بعض الأجسام السياسية يعكس فقدانها للاهتمام الحقيقي بمطالب الشارع الليبي، الذي خرج مراراً مطالباً بإجراء الانتخابات، سواء الرئاسية أو البرلمانية المتزامنة، مشيراً إلى أن هذه الخطوات لا تخدم المسار الديمقراطي بقدر ما تعمّق حالة الانقسام و”المناكفات” السياسية.
وانتقد الغرياني قيام مجلس الدولة الاستشاري، باتخاذ خطوات منفردة تتعلق بالمفوضية، موضحاً أن اتفاق بوزنيقة ينص على أن أي ترشيحات أو تعديلات يجب أن تُحال إلى مجلس النواب للنظر فيها واعتمادها، مع إضافة الأسماء التي يُرشحها هو بدوره، إلا أن ما حدث هو تحرك أحادي من الأعلى للدولة، سبقه تحرك مشابه من مجلس النواب، وهو ما فاقم حالة الانسداد السياسي.
وأكد أن تبرير بعض الأطراف، بأن هذه الخطوات تأتي في إطار خدمة المقترح الأممي أو المسار الذي ترعاه البعثة الأممية، لا يبرر المساس بالمفوضية أو زعزعة الثقة بها، محذراً من أن امتداد الانقسام السياسي إلى داخل المفوضية يُعد أمراً بالغ الخطورة ولا يجب القبول به.
وشدد الغرياني على أن دفاعه ليس عن أشخاص، بل عن مؤسسة أدت عملاً منظماً ومهنياً، مستشهداً بما قامت به المفوضية في نوفمبر 2021 من استعدادات فنية وتنظيمية، بدءاً من تسجيل الناخبين وتوزيع البطاقات، وصولاً إلى الإقبال الواسع للمواطنين، وهو ما عكس مستوى الثقة المتبادلة بين المفوضية والشارع الليبي.
وفي رده على سؤال حول دوافع الأعلى للدولة للإقدام على هذه الخطوة في هذا التوقيت، أشار الغرياني إلى أنه لا يمكن تجاهل بيان المفوضية الأخير، الذي أكدت فيه جاهزيتها لإجراء انتخابات في شهر أبريل المقبل، مع تحديد ثلاثة عوائق رئيسية تتمثل في التوافق السياسي، والتمويل، والتأمين، موضحاً أنه في حال معالجة هذه الإشكاليات يمكن التوجه فعلياً إلى انتخابات رئاسية أو برلمانية متزامنة.
كما ربط الغرياني هذه التطورات بسياق سياسي أوسع، من بينها ما وصفه بـ “الانقلاب” داخل المجلس الأعلى للدولة، والأحداث التي رافقت انتخاب رئاسته، إضافة إلى تشكيل ما سُمي بـ “هيئة الرئاسات” التي تضم ” الرئاسي، الأعلى للدولة، والحكومة” في طرابلس، في محاولة لتوحيد الخطاب السياسي.
واعتبر أن المؤشرات المتوفرة تُظهر أن السلطة القائمة في طرابلس، ممثلة في الحكومة والمجلس الرئاسي، تضطلع بدور مباشر أو غير مباشر في توجيه هذه الخطوة، موضحًا أن الإجراءات المتخذة، حتى وإن بدت سليمة من الناحية الشكلية، تظل منقوصة سياسيًا ما لم تستند إلى توافق صريح بين مجلسي النواب والدولة، كما تنص عليه الاتفاقات السياسية المعتمدة.
ورأى الغرياني، أن تجاوز مبدأ التوافق أو محاولة فرض أمر واقع بالقوة السياسية من شأنه تعميق الانقسام القائم، وإضعاف فرص الوصول إلى انتخابات حقيقية تعكس إرادة الليبيين وتضع حدًا للمرحلة الانتقالية.
وأضاف أن النفوذ الفعلي داخل مجلس الدولة بات – بحسب تقديره، خاضعًا لتأثير السلطة التنفيذية في طرابلس، مشيرًا إلى دور رئيس حكومة الوحدة عبد الحميد الدبيبة وبعض أطراف المجلس الرئاسي في توجيه أداء المجلس والتحكم في مخرجاته السياسية.
وأوضح أن ما جرى خلال جلسة انتخاب رئاسة مجلس الدولة بفندق المهاري في طرابلس، والتي وُصفت بـ “انقلاب كريتا”، يعكس حجم التدخلات المباشرة لضمان نتائج محددة، بما في ذلك استخدام أدوات ضغط سياسية مثل الرشاوى السياسية وإهداء السيارات، معتبراً أن ذلك جاء في سياق فرض خطاب سياسي موحد في طرابلس، يمنع صدور مواقف مخالفة لتوجهات الحكومة القائمة.
وأكد أن القرار السياسي في غرب ليبيا يصدر عمليًا من دائرة ضيقة داخل هيئة الرئاسة، التي جاءت في إطار تفاهم واحد مع الحكومة، وسعت إلى بسط نفوذها على اختيار المسؤولين والمؤسسات السيادية.
واعتبر الغرياني أن ما جرى “انقلاب ناعم”، قائم على استخدام الامتيازات والتأثير غير المباشر لتوجيه قرارات مجلس الدولة، من شأنه تعميق الانقسام السياسي وتهديد مستقبل العملية الانتخابية في البلاد.
وتطرق الغرياني إلى دور المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، واصفاً إياها بالهيئة المدعومة داخلياً ودولياً، مضيفاً أن أي محاولة للتأثير على عملها يجب أن تتم عبر التوافق الكامل، بعيداً عن الانقسامات والصراعات بين الأطراف السياسية.
وتابع: التظاهرات الشعبية المستمرة خلال الأسابيع الماضية، والتي طالبت بإجراء الانتخابات الرئاسية، كانت جزءاً من الضغط الشعبي لدعم استقلالية المفوضية وضمان إجراء الانتخابات في موعدها.
كما شدد الغرياني، على أنه لا يمكن تجاهل البيان الأخير للمفوضية الوطنية العليا للانتخابات، الذي جاء ردّاً على الإحالة التي قام بها رئيس مجلس النواب المستشار عقيلة صالح، مؤكداً استعداد المفوضية لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المتزامنة في شهر أبريل، شريطة حل ثلاث إشكاليات رئيسية: التوافق، الترتيبات الإجرائية، وضمان الأمن.
وقال إن المفوضية الوطنية العليا للانتخابات لا تزال تواصل إدارة العملية الانتخابية، بما في ذلك المرحلة الثالثة من انتخابات المجالس البلدية، مؤكدًا أن خطوة الأعلى للدولة تمثل تهديدًا مباشرًا لاستقرار المشهد السياسي والانتخابي في البلاد.
وفي ختام مداخلته أكد الغرياني أن موقفه لا يتعارض مع قدرة رئيس المفوضية عماد السائح على الدفاع عن نفسه وموقعه، لكنه شدد على أن القرار الأخير يشكل خطورة بالغة على العملية السياسية المستقبلية.









