المسماري: نشوء مفوضيتين للانتخابات قد يُغرق ليبيا في فوضى مؤسسية

وصف أستاذ القانون العام، راقي المسماري، المشهد السياسي في ليبيا بأنه “مرتبك ومعقّد”، مشيراً إلى أن الجسمين السياسيين، مجلس النواب والأعلى للدولة، اللذين يُفترض أن يقودا الحلول الوطنية، أخفقا حتى الآن في دفع العملية السياسية التوافقية نحو الأمام.
وأوضح المسماري، في تصريحات لقناة “ليبيا الأحرار”، رصدتها “الساعة 24″، أن الآمال لا تزال معلّقة على المجلسين، ليس فقط من قبل الداخل الليبي، وإنما أيضاً من قبل البعثة الأممية، ومجلس الأمن، وعدد من الأطراف الدولية، وذلك استناداً إلى ما تبقى من شرعيتهما، سواء كانت شرعية انتخابية أو شرعية اتفاقية. وبيّن في هذا السياق أن الشرعية الانتخابية للمجلسين “تآكلت بشكل واضح”، في حين لم يتبقَ لهما سوى شرعية اتفاقية تستند إلى قرارات مجلس الأمن.
وأشار إلى أن عجز المجلسين عن تحقيق أي اختراق سياسي يتجلى بوضوح في ملف المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، لافتاً إلى أن مجلس الدولة اتجه، بحسب ما أُحيل إليه من لجنة المناصب السيادية، لحسم موقفه بشأن اختيار أعضاء المفوضية الذين رشحهم أو زكاهم مجلس النواب.
وفي المقابل، لفت المسماري إلى أن مجلس النواب كان قد صوّت، قبل أيام، لصالح خيار “الاستكمال لا الإحلال”، بما يعني الإبقاء على رئيس مجلس إدارة المفوضية، عماد السايح، وأعضائها الحاليين، مع استكمال العضويات الشاغرة فقط، دون الذهاب إلى تعيين مجلس جديد بالكامل.
غير أن المسماري حذّر من أن إصرار اللجنة النيابية المختصة بالمناصب السيادية على هذا الموقف، في ظل غياب التوافق مع مجلس الدولة، قد يدفع الأخير إلى اتخاذ قرار مضاد، معرباً عن خشيته من أن يؤدي هذا المسار إلى “قضاء المجلسين على نفسيهما” عبر تشتيت الملف وتعميق الانقسام، وهو ما قد يعزز، في نهاية المطاف، من موقف البعثة الأممية في حال استمرار الخلاف بين الطرفين.
وأوضح أن جوهر الخلاف يتمحور حول خيارين لا ثالث لهما: إما الاستكمال، أو الإحلال والتعيين، معتبراً أن استمرار التباين بين المجلسين حول هذا الملف من شأنه إضعاف دورهما السياسي وتقليص قدرتهما على التأثير في المسار الانتخابي.
وفي هذا الإطار، قال المسماري إنه يتفهم، من الناحية الموضوعية، التوجه الذي تتبناه البعثة الأممية، وكذلك موقف عدد من أعضاء مجلس الدولة، إضافة إلى ما طُرح خلال الجلسة الأخيرة لمجلس النواب، خاصة في ضوء التصويت لصالح خيار الاستكمال. مبدياً ميلاً واضحاً لهذا الخيار، مؤكداً أن هناك أسباباً موضوعية تدعم الإبقاء على عماد السايح، من بينها الخبرة المتراكمة لديه ولدى عدد من الأعضاء الحاليين، مشدداً على أنه لم يلمس أي تحيز سياسي في أداء السايح في المرحلة الماضية.
وتطرق المسماري إلى مسألة “القوة القاهرة” التي حالت دون إجراء الانتخابات، موضحاً أن رئيس المفوضية لم يكن ملزماً بتفسيرها، لافتاً إلى أن السفير الأميركي السابق لدى ليبيا، ريتشارد نورلاند، كان قد صرّح صراحة بأن ترشح سيف الإسلام القذافي “كان بمثابة قنبلة انفجرت داخل الغرفة”، الأمر الذي أسهم في تعقيد المشهد السياسي وتأزيم العملية الانتخابية، ودفع باتجاه المطالبة بإيقافها.
كما حذّر من أن الذهاب إلى خيار الإحلال والتعيين قد يفتح الباب مجدداً أمام إعادة تشكيل جميع المناصب السيادية، وفق ما نص عليه اتفاق بوزنيقة، بما في ذلك المؤسسات الرقابية والمالية، وهو ما قد يؤدي إلى تعميق حالة عدم الاستقرار السياسي والمؤسسي في البلاد.
وأضاف قائلاً: “طالما أن هذه المؤسسات مستقرة في الوقت الراهن، فمن الأفضل البناء على هذا الاستقرار، والمضي قدماً في استكمال مجلس المفوضية برئاسة عماد السايح”.
وأكد أستاذ القانون العام أن مجلسي النواب والدولة ما زالا يشكلان الركيزة الأساسية التي يعوّل عليها المجتمع الدولي في حل الأزمة الليبية، مشيراً إلى أن الإطار التشريعي للعملية الانتخابية، بما في ذلك قوانين لجنة “6+6″، قد بُني أساساً على دور المجلسين وتحت إشراف البعثة الأممية.
وأضاف أن التعويل على المجلسين يبقى ضرورة لا مفر منها، سواء من حيث الشرعية المنصوص عليها في الاتفاقات السياسية المعتمدة دولياً، أو من حيث كونهما جسمين منتخبين، معرباً عن استغرابه من أي تصوّر يفضي إلى ترك البلاد تحت إدارة أممية خالصة دون دور وطني فاعل.
وأشار المسماري إلى أن الأخطر من مجرد تشخيص أسباب فشل العملية الانتخابية هو الحديث عن احتمال توجه البعثة الأممية إلى ما وصفه بـ “ترميم” مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، على غرار ما حدث سابقًا مع مجلس إدارة المصرف المركزي. ورأى أن هذا السيناريو قد يصبح الأقرب في حال استمرار الخلافات السياسية بين المجلسين.
وحذر المسماري مما وصفه بـ “السيناريو المخيف”، والمتمثل في نشوء مفوضيتين منفصلتين للانتخابات، إحداهما في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة المكلفة من مجلس النواب، والأخرى في المناطق الواقعة تحت سلطة حكومة الوحدة الوطنية، مؤكداً أن هذا التطور قد يُدخل البلاد في حالة فوضى مؤسسية غير مسبوقة.
وأوضح أن الوضع في طرابلس “محسوم” حالياً، مشيراً إلى أن خطوة مجلس الدولة لتشكيل مجلس إدارة جديد للمفوضية ستجعل رئيس المفوضية الحالي، عماد السايح، غير قادر على الاستمرار في منصبه، ما قد يدفعه إلى التوجه شرقاً، وهو ما وصفه المسماري بـ “السيناريوهات العبثية” معرباً عن أمله في ألا تتحقق.
وشدد المسماري على أن ليبيا تمر بحالة من العبث السياسي المتسلسل، الذي يولد بدوره مزيداً من العبث، ويدخل البلاد فيما سماه “نفقاً مظلماً”، مؤكداً أن الخروج من هذه الأزمة لا يتم إلا عبر توافق حقيقي بين مجلسي النواب والدولة، وبعقل وطني واعٍ وحكيم.
وأضاف أن المجلسين، رغم الانتقادات الموجهة لهما، يظلان فعلياً ممثلين لأطراف الواقع في ليبيا، حيث يعكس مجلس النواب وجهة نظر قطاعات واسعة في الشرق والجنوب، لاسيما فيما يتعلق بدور القوات المسلحة، وحفظ الأمن، وتعزيز الاستقرار، ومشروعات الإعمار، في حين يمثل مجلس الدولة وجهة نظر التشكيلات المسلحة في طرابلس وحكومة الدبيبة، ما يجعلهما – وفق قوله – “ممثلين حقيقيين لواقع الانقسام القائم”.
وفي رده على تساؤلات حول دوافع توقيع المجلسين على التفاهمات الأخيرة، أوضح المسماري أن ذلك جاء بعد إحاطة المبعوثة الأممية هانا تيتيه، التي أكدت ضرورة تعديل مجلس إدارة المفوضية أولاً، ثم إعادة صياغة القوانين الانتخابية. وأكد أنه يؤيد إعادة الصياغة فقط في الجوانب الإجرائية والشكلية، وليس في القواعد الموضوعية، والتي اعتبرها ثمرة توافق واسع حققته لجنة “6+6” بعد 13 اجتماعاً.
وأشار إلى أن القواعد الموضوعية للانتخابات لا يجوز المساس بها، في حين يمكن مناقشة الجوانب الإجرائية، موضحاً أن توقيع المجلسين على هذه التفاهمات جاء تحت ضغط دولي واسع، بعد صدور بيانات دعم للخطة الأممية من الولايات المتحدة وعدد من دول مجلس الأمن، إضافة إلى دول إقليمية لها حضور مباشر في الملف الليبي.
ولفت المسماري إلى أن المجلسين سعيا إلى التماهي مع توجهات المجتمع الدولي وإظهار الالتزام السياسي، غير أن التنفيذ تأخر بسبب الخلافات الداخلية، وكذلك ضعف كتلة التوافق داخل مجلس الدولة، حيث صرح بعض الأعضاء بعدم قانونية قيام المجلس باختيار مجلس إدارة المفوضية.
وانتقد المسماري أداء البعثة الأممية، معتبراً أنها أخطأت عندما لم تمارس ضغطاً كافياً لتنفيذ القوانين الانتخابية فور إقرارها من لجنة «6+6»، مشيراً إلى أن العائق الحقيقي كان في نصوص القوانين نفسها، التي اشترطت تشكيل حكومة موحدة لمدة ثمانية أشهر (240 يوماً) للإشراف على الانتخابات، وهو ما لم يتحقق.
كما أوضح أن حكومة الدبيبة لا يمكن أن تشرف على الانتخابات في ظل ترشح رئيسها، معتبراً أن ذلك يمثل إشكالاً أخلاقياً قبل أن يكون قانونياً، وأضاف أن مسألة الترشح رغم فقدان الحقوق المدنية تُعد مخالفة صريحة، إذ يحرم الحكم الغيابي النهائي صاحبه من هذه الحقوق حتى ولو لم يكن الحكم حضورياً. واختتم المسماري بالقول إن استمرار تجاهل هذه الإشكالات القانونية والأخلاقية هو ما أدى إلى تعقيد المشهد الانتخابي وأسهم بشكل مباشر في فشل استحقاق عام 2021، مؤكداً أن معالجة هذه الإشكالات تعد خطوة أساسية لتجاوز الجمود السياسي الحالي وضمان إجراء انتخابات نزيهة وشفافة.









