اخبار مميزةليبيا

الحاجي: ما جرى بشأن المفوضية مسمار جديد في نعش التوافق الوطني

اعتبر المحلل السياسي، إسلام الحاجي، أن الإجراءات الأخيرة التي اتخذت بشأن مفوضية الانتخابات تمثل مسمارًا جديدًا في نعش التوافق الوطني، معربًا عن تشاؤمه إزاء ما تشهده الساحة السياسية الليبية، ومؤكدًا أن ما يجري لا يعكس أي نية صادقة لدى المجلسين للذهاب إلى انتخابات حقيقية.

وقال الحاجي، في تصريحات على قناة “الوسط”، رصدتها “الساعة24″، إن المتابع للأحداث في ليبيا لا يمكنه أن يستنتج وجود رغبة جادة لدى كل من مجلس النواب والأعلى للدولة، لافتًا إلى أن المشهد يوحي وكأن المجلسين متفاهمان ضمنيًا على أن يعمل كل طرف بطريقته لتعطيل المسار، حيث يعلن مجلس النواب عن لجان مشتركة وإجراءات تتعلق بالمفوضية، في حين تبقى النتائج على حالها.

وأوضح أن المفوضية الوطنية العليا للانتخابات هي هيئة فنية مؤسسية تحتاج إلى دعم كامل حتى تتمكن من أداء دورها، مذكرًا بأنها سبق أن كانت على وشك إدارة انتخابات مفصلية، سواء البلدية أو العامة، لا سيما انتخابات عام 2021 التي كانت البلاد قريبة جدًا من إجرائها عبر المفوضية الحالية.

وأشار الحاجي، إلى أن سبب إيقاف انتخابات 2021 لم يكن خللًا في المفوضية، بل جاء نتيجة قرارات دولية معروفة، مؤكدًا أن الأزمة لم تكن بسبب أخطاء جميع الأطراف فقط، بل نتيجة الضغوط التي مورست آنذاك، بما في ذلك ما تعلق بالقوانين الانتخابية التي صدرت عن مجلس النواب، ومواقف قيادات سياسية كانت جزءًا من المشهد في تلك المرحلة.

وشدد الحاجي، على أن الخلل الحقيقي لا يكمن في المفوضية ذاتها، ولا في تحميلها مسؤولية أزمة الانتخابات، بل في الأطراف التي خضعت لضغوط داخلية وخارجية، وكانت متحكمة في المسار السياسي خلال تلك الفترة، معتبرًا أن محاولة حصر أزمة ليبيا أو تعطيل الانتخابات في المفوضية الحالية تمثل تشخيصًا خاطئًا للمشكلة.

وأضاف أن المسار الصحيح كان يجب أن يبدأ منذ وقت مبكر، عقب تعيين البعثة الأممية، عبر استكمال الشواغر داخل المفوضية، والذهاب بالتوازي إلى إطار قانوني ودستوري واضح للقوانين الانتخابية، إلى جانب توحيد المؤسسات، وإعادة تشكيل حكومة تقود البلاد نحو الانتخابات ضمن جدول زمني محدد.

وأكد الحاجي، أن مرور الوقت، ووصول البلاد إلى الوضع الحالي، يعكس بوضوح غياب الجدية لدى الأطراف الليبية فيما تطرحه من التزامات، سواء أمام البعثة الأممية أو في تعاملها مع الضغوط المفترضة، مشيرًا إلى أن التذرع المستمر باتفاق الصخيرات، لم يعد مقنعًا في ظل استمرار تعطيل الاستحقاق الانتخابي.

ورأى أن الأطراف التي تتحدث عن الانتخابات لا يمكن اعتبارها صادقة في نواياها، مؤكدًا أن الوقائع على الأرض تثبت عكس ذلك، وأن الأزمة أعمق من خلاف قانوني أو إجرائي، بل هي أزمة إرادة سياسية بالأساس.

واعتبر الحاجي، أن إعلان البعثة الأممية استمرارها في العمل مع مجلس مفوضية الانتخابات الحالي برئاسة السايح، يعكس توجّهًا واضحًا نحو كسب الوقت وإدارة الأزمة، وليس الذهاب إلى حل فعلي أو تحقيق توافق حقيقي يقود إلى الانتخابات، مؤكدًا أن تعطيل الاستحقاق الانتخابي أصبح، في ظل الوضع القائم، أقل كلفة دوليًا من تنظيم انتخابات ضعيفة الشرعية.

ورأى الحاجي، أن حديث البعثة عن السعي لمزيد من التوافق بين الأطراف يعني بقاء البلاد في حالة تفاوض مفتوح، وهو ما يجعل تعطيل الانتخابات خيارًا مريحًا مقارنة بتحمل تبعات نتائج انتخابية في بيئة منقسمة سياسيًا ومؤسسيًا، متسائلًا عن الجهة التي ستتحمل كلفة نتائج الانتخابات في ظل هذا الواقع.

وأشار إلى أن أعضاء المجالس السياسية يبيعون الوهم للمواطنين، بينما تدور الخلافات في إطار صراعات شكلية لا تمس جوهر الأزمة، مؤكدًا أن ما يجري ليس خلافًا قانونيًا حقيقيًا بقدر ما هو صراع سياسي على السيطرة والتحكم في مفاتيح اللعبة الانتخابية والشرعية.

وشدد على أن الأزمة الليبية، لا يمكن اختزالها في إشكاليات قانونية أو دستورية، معتبرًا أن المادة 15 من الاتفاق السياسي واضحة وصريحة ولا تحتمل التأويل، وتنص على ضرورة التوافق بين مجلسي النواب والدولة حول المناصب السيادية، غير أن الواقع يعكس صراعًا على تقاسم النفوذ والمكاسب، لا على بناء دولة.

ووصف الحاجي، ليبيا بأنها دولة فاشلة بكل المقاييس، مشيرًا إلى انقسام المؤسسة العسكرية، والمؤسسة التشريعية، والانقسام الجغرافي، إضافة إلى استمرار الخلافات داخل المؤسسات المالية الكبرى، مؤكدًا أن الحديث عن دولة موحدة أو نظام قانوني متكامل لا يستند إلى واقع فعلي، في ظل انقسام سياسي وأمني وعسكري مزدوج.

وبينّ أن الأمم المتحدة، في هذا السياق، لا تفعل سوى إدارة الأزمة، لافتًا إلى أن مجلس الدولة كان يدرك مسبقًا أن خطواته الأخيرة ستكون مرفوضة، ومع ذلك أقدم عليها ضمن تفاهمات ضمنية مع مجلس النواب، تقوم على خلق إشكالات مرحلية ثم تجاوزها لضمان استمرار الوضع القائم، بما يتماشى مع الإرادة الدولية.

وتابع: القوى الدولية النافذة، وعلى رأسها واشنطن ومصر، تفضل إطالة أمد المرحلة الحالية بانتظار التوافق على تشكيل حكومة تحظى بقبولها، معتبرًا أن المجلسين حصلا على وقت إضافي للاستمرار في الخلاف، منذ تجاوز البعثة الأممية للإطار الزمني الذي حددته هانا تيتيه في الإحاطة ما قبل الأخيرة، وانتقالها من طرح حلول واضحة إلى القفز نحو مسارات حوار مهيكلة دون نتائج ملموسة.

واستطرد الحاجي: أن جميع المؤشرات تدل على غياب أي نية، سواء لدى المجتمع الدولي أو الأطراف المحلية، للذهاب إلى انتخابات، واصفًا ما يجري بأنه مسمار جديد يُدق في نعش الانتخابات، مشيرًا إلى أن إمكانية إجراء انتخابات حقيقية تظل مشروطة فقط بتوحيد المؤسسات، والاتفاق على قوانين انتخابية تحظى بإجماع الأطراف، وتشكيل حكومة مصغرة هدفها الوحيد قيادة البلاد نحو الاستحقاق الانتخابي.

وفي ختام حديثه، حمّل الحاجي، المسؤولية السياسية للجميع، بما في ذلك مجلس النواب، والأعلى للدولة، والبعثة الأممية، بل وحتى الرأي العام الذي يواصل تصديق الوعود، محذرًا من أن استمرار هذا المسار قد يقود البلاد إلى مرحلة انهيار اقتصادي خطير، قد تفقد معه الدولة ما تبقى من مقوماتها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى