التهامي: الميليشيات أصبحت أقرب لمؤسسات وليس مجرد كيانات عسكرية
أكد الأكاديمي والكاتب الصحفي، أحمد التهامي، أن المجموعات المسلحة في العاصمة طرابلس لم تعد مجرد كيانات أمنية، بل تحولت إلى مؤسسات متعددة المصالح والمهام، تمارس نفوذاً سياسيًا واقتصاديًا واسع النطاق. موضحاً أن هذه الميليشيات تتحكم في شركات ومؤسسات ووزارات، وقد يصل بعض الأعضاء المنتسبين إليها إلى مناصب وزارية مباشرة.
وقال التهامي في تصريحات لقناة «ليبيا الحدث»، رصدتها «الساعة 24»: “عندما تصبح الميليشيا مسؤولة عن وزارة، تصبح الوزارة تلقائيًا تابعة لها، وقد يتولى أحد أعضائها قيادة الوزارة نفسها”، مشيرا إلى أن هذه المجموعات تعتمد على القوة المالية لضمان استمرارها، بما في ذلك مهاجمة وزارة المالية أو تهديد رؤساء الحكومات لتأمين التمويل اللازم لتجنيد عناصر جديدة والحفاظ على نفوذها.
وأضاف أن هذه المجموعات، عند تعرضها لأزمات مالية، تلجأ مباشرة إلى الضغط على وزارة المالية، وإذا تعذر ذلك تلجأ إلى إغلاق الطرق أو تهديد رؤساء الحكومات، مستشهدًا بما حدث عام 2019 عندما تركت بعض التشكيلات المسلحة جبهات القتال في طرابلس وتوجهت لابتزاز رئيس الحكومة آنذاك للمطالبة بالأموال.
وبيّن التهامي، أن هذه التشكيلات لم تعد مجرد ميليشيات، بل باتت أقرب إلى أحزاب أو مؤسسات تسعى للبقاء عبر توفير الموارد المالية لتجنيد عناصر جديدة، والسيطرة على مؤسسات تتيح لها التعيين وممارسة النفوذ.
وأشار إلى أن رئيس الحكومة الحالي عبد الحميد الدبيبة، بحسب وصفه، كان ظاهرة جرى الإعداد لها من قبل مجموعات سياسية معينة ليكون واجهة تتلقى غضب الشارع، بينما تبقى القوى الحقيقية خلف الكواليس، مؤكدًا في الوقت نفسه أن الدبيبة قلّص نفوذ بعض هذه المجموعات واصفًا ما جرى بأنه تصفية لبعض القيادات المسلحة.
وأكد التهامي، أن الحكومة في طرابلس ليست مجرد ميليشيا واحدة، بل مؤسسة أمنية ومالية غير نظامية، موضحًا أن مسألة تصنيف المجموعات المسلحة إلى “مشرعنة” وغير “مشرعنة”، لا تحمل معنى حقيقيًا على الأرض، إذ إن إصدار قرار أو ورقة رسمية بضم تشكيل ما لوزارة معينة لا يعني انتهاء نفوذه، طالما أن قراره مرتبط بمصادر تمويله وسلاحه الذي يحتفظ به.
ولفت إلى التجربة التي نُفذت في بنغازي، واعتمدت على وجود قوة عسكرية منظمة فرضت واقعًا جديدًا، وهو ما أجبر بقية التشكيلات إما على الاندماج في الجيش أو الاختفاء الكامل من المشهد، ما أفضى إلى هرمية واضحة ورأس واحد للسلطة العسكرية، وهو ما لا يتوافر في طرابلس، حيث لا تزال الورقة الرسمية عاجزة عن إنهاء الميليشيات.
وأكد التهامي، أن الجيش الوطني هو القوة المسلحة الأكبر والأكثر تنظيمًا والقادرة على إدارة الدولة، داعيًا في الوقت نفسه إلى عدم تبني خطاب عدائي حاد تجاه المجموعات المسلحة، باعتبار أن عناصرها ليبيون أدوا أدوارًا مختلفة في مراحل سابقة، خصوصًا خلال فترة الثورة.
ودعا التهامي، إلى طرح حل سياسي واقعي ينهي ظاهرة الميليشيات مقابل ضمانات وامتيازات تتيح لأفرادها العودة إلى الحياة السياسية والمدنية، سواء عبر مناصب سياسية أو دبلوماسية، مؤكدًا أن الأهم هو فتح أفق يسمح لهم بالمشاركة بعيدًا عن السلاح وتسليمه بشكل كامل.
وفي سياق آخر، وصف التهامي، المجموعات المسلحة بأنها كائنات مستقلة يتأثر ميزان قوتها بالمال والعلاقات السياسية وليس فقط بالأسلحة، محذرًا من أن أي تصعيد داخلي قد يقود إلى انهيار التوازنات السياسية والعسكرية في العاصمة.
وأوضح أن هذه الميليشيات تتصف بعدم الثبات في قوتها، حيث يمكن لمجموعة في لحظة معينة مهاجمة وزارة أو شركة للحصول على الأموال، لتصبح فجأة أقوى وتكتسب نفوذاً أكبر، ما يجعلها في حالة صراع دائم لا يمكن إيقافه، وأن تغيّر ميزان القوى داخلها كان السبب وراء اغتيال شخصية مثل “غنيوة الككلي”، الذي قُتل نتيجة صراع على السيطرة المالية داخل الميليشيات.
وأشار التهامي، إلى أن تدخلات شخصيات مثل عبد الحميد الدبيبة تأتي في إطار محاولة إدارة هذا الصراع، من خلال تحريك ميليشيات مستقلة ضد أخرى، بهدف تعديل ميزان القوى دون صدام مباشر، مؤكداً أن هذا النهج يسعى لتقديم ضمانات لهذه المجموعات للعودة لاحقًا إلى الحياة السياسية بعد تسليم السلاح، مع الحفاظ على مصالحهم وامتيازاتهم.
ودعا التهامي، إلى اعتماد خطاب تأميني يتيح للمجموعات المسلحة التفكير في مستقبلها ضمن مؤسسات الدولة، مثل الانضمام إلى الجيش أو الحصول على عضوية في مجلس النواب، بدل استمرار الفوضى المسلحة.
وبينّ أن العديد من أعضاء هذه المجموعات ليس لديهم أيديولوجيات محددة، بل استُغلتهم الظروف ليصبحوا جزءًا من النزاعات المسلحة، نتيجة الحاجة إلى الأموال وليس بدوافع أيديولوجية.
وشدد التهامي، على أهمية إدارة الصراعات المسلحة بطريقة ذكية، مشددًا على أن الحصار والإجراءات الإدارية يمكن أن تكون أدوات فعالة لتقديم تنازلات دون الحاجة إلى مواجهة مسلحة مباشرة، داعيًا إلى تبني سياسات تُعزز دمج هذه المجموعات ضمن مؤسسات الدولة وإنهاء سيطرتها على المشهد المسلح في طرابلس.
كما تناول التهامي، المسار السياسي والانتخابات في ليبيا، موضحًا أن هناك قوة معينة لا تعترف بنتائج الانتخابات ولا تخدم مصالحها، وأن أي انتخابات عامة تشكل تهديدًا لمراكز نفوذها، بما في ذلك جماعات الإخوان، حزب الوطن وبعض التيارات الإسلامية والمجموعات الاقتصادية، التي تمارس السيطرة على التراب الليبي جزئيًا عبر إدارة التمويل والشركات والمواقع الاستراتيجية.
وأضاف أن هذه الأطراف تعتمد على استراتيجية “الزمن”، بالانتظار لتغير المزاج الدولي لدعم مصالحها، مستخدمة اللعب على التناقضات الدولية لضمان استمرار سيطرتها على طرابلس.
وفيما يتعلق بدور دار الإفتاء، أوضح التهامي، أن التيار الديني يشكل جزءًا محدودًا من اللعبة السياسية، وأن محاولات “تدّين” الصراع السياسي ظهرت منذ 2011 لكنها بقيت ضمن أقليات صغيرة محدودة، معتبرًا أن الاشتباكات على النفوذ المالي والجغرافي بين هذه الأطراف ساهمت في تعقيد المشهد أكثر من تهدئته.
وفي الختام، عرج التهامي، على ملف المهاجرين، موضحًا أن استخدامه كورقة لتخويف الرأي العام مبالغ فيه، وأن جذوره لا توجد في بيانات رسمية للحكومة، بل تتعلق بتصرفات شخصية وسياسات محددة داخل الحكومة، مؤكداً أن بعض الأطراف تفكر في منح جنسية ليبية لمهاجرين من خارج البلاد دون اعتبار للجنسيات أو الخلفيات الدينية، وهو ما يعكس العقلية الاستراتيجية لهذه القوى.
وقال التهامي: “المشهد في طرابلس اليوم يمثل حالة فوضى منظمة، حيث تتصارع ميليشيات وأحزاب وأقليات اقتصادية وسياسية على المال والنفوذ والجغرافيا، بينما يبقى الجيش الوطني القوة الأكبر القادرة على إدارة الدولة وتحقيق الاستقرار”.








