الديباني: أزمة القضاء في ليبيا نتيجة غياب الدستور وتغليب المصالح السياسية

أكد المستشار القانوني، عبد الله الديباني، أن ما تشهده ليبيا من صراع حول السلطة القضائية، لا يمكن فصله عن أزمة أعمق تتعلق بغياب دستور دائم، وتغليب الأهداف السياسية على أسس بناء الدولة، مشيرًا إلى أن المشهد الحالي يعكس حالة من التعدد والازدواج في مراكز القرار، حيث أصبح كل طرف يتصرف وكأنه سلطة قائمة بذاتها.
وأوضح الديباني، في تصريحات لقناة “ليبيا الحدث”، رصدتها “الساعة 24″، أن ليبيا تعيش واقعًا عبثيًا تتنازع فيه السلطات تحت شعارات متناقضة، مؤكدًا أن القرارات المتخذة في ملف القضاء لا تهدف إلى تحقيق استقرار قانوني أو تنظيم مؤسسي، بل تخدم مصالح سياسية آنية، ما أدى إلى ضرب مبدأ الاستقرار القضائي وتهديد الثقة في المؤسسة القضائية.
وأشار إلى أن مجلس النواب، بات مطالبًا باتخاذ خطوات تصعيدية منظمة في إطار صلاحياته، لافتًا إلى أن الأزمة المتعلقة بتعيين رئيس المحكمة العليا كشفت حجم الخلل في المنظومة القضائية، رغم أن أعضاء الهيئات القضائية يعرفون بعضهم بعضًا ويتمتعون بتاريخ مهني وخبرة طويلة، ما يجعل الصراع الحالي غير مبرر من الناحية القانونية.
وأكد الديباني، أن الإشكالية لا تكمن في وجود قوانين أو قرارات بحد ذاتها، بل في توظيفها سياسيًا وإعادة فتح ملفات قانونية سبق أن رتبت أوضاعًا مستقرة للمواطنين، معتبرًا أن المساس بهذه الأوضاع يمثل انتكاسة خطيرة لمفهوم الأمن القانوني ويقوض أسس العدالة.
وانتقد الديباني، الدور الذي لعبته الدائرة الدستورية منذ عام 2014، موضحًا أنها خضعت لتجاذبات سياسية وارتبطت بلجنة فبراير وأطراف سياسية معروفة، ما انعكس على قراراتها وأفقدها الحياد وأسهم في تعميق الانقسام داخل السلطة القضائية بدل أن تكون عامل توحيد.
وشدد الديباني، على أن ما يجري اليوم يعكس استمرار نفس الأطراف التي عطلت مشروع الدستور في السابق، وهي ذاتها التي تعمل حاليًا على عرقلة القضاء ومنع قيام مؤسسات دولة موحدة، مؤكدًا أن الخلل الجوهري يتمثل في غياب دستور دائم ينظم العلاقة بين السلطات ويضع حدًا للتأويلات والصراعات.
وأكد الديباني، أن استمرار العبث بالسلطة القضائية سيبقي ليبيا في دوامة من المناكفات السياسية، محذرًا من أن استهداف القضاء ودفعه إلى قلب الصراع السياسي سيؤدي إلى إضعاف الدولة وتعطيل الاستقرار، ما لم يتم التوجه الجاد نحو إقرار دستور وبناء مؤسسات قائمة على الشرعية والقانون.
وأشار الديباني، إلى أن التغييرات الأخيرة التي أقدم عليها مجلس النواب، لمنح نفسه الحق في تعيين رئيس المجلس الأعلى للقضاء تثير إشكاليات قانونية وإجرائية عميقة، مؤكّدًا أن الاختيار السليم لرئيس المحكمة العليا يجب أن يتم عبر الجمعية العمومية للمحكمة وفق قواعد مهنية، وأن دور مجلس النواب، يقتصر على المصادقة الإجرائية فقط، وفقًا للتاريخ القضائي في ليبيا.
وبينّ أن الإجراء الأخير لم يصدر عن الجهة المخوّلة قانونيًا، وأن الأحكام الصادرة بين 2015 و2023 بعيدة عن المضمون القانوني الصحيح، مؤكدًا أن المشكلة تكمن في الشكل والإجراء، إذ يجب احترام اختصاص القضاء وإجراءات التعيين وفق القواعد التاريخية.
وأكد الديباني، أن استقرار الأحكام القضائية يُعد مبدأ أساسيًا، وأن أي تعديل أو تحوير في هذه الأحكام، مثل ما حدث مع قانون العفو العام لعام 2015، قد يؤدي إلى زعزعة استقرار النظام القانوني والإجرائي.
ولفت الديباني، إلى أن رئيس المحكمة العليا الحالي، المستشار عبد الله أبورزيزة شغل منصبه منذ النظام السابق، قبل تأسيس المجلس الأعلى للقضاء، وكان يُعين من قبل المؤتمر الشعبي العام، مشددًا على أن الأساس التاريخي لتعيين رؤساء الهيئات القضائية كان يعتمد على اختيار الجمعية العمومية وموافقة الجهة التشريعية دون تدخل شخصي أو سياسي.
وأضاف أن التأسيس الحديث للمجلس الأعلى للقضاء بعد الثورة، وضع رئيس المحكمة العليا في منصب رئيس المجلس الأعلى للقضاء ونائبه ورئيس إدارة التفتيش القضائي، مؤكدًا أن هذا التأسيس لم يشوبه أي إشكال قانوني.
ورأى الديباني، أن المشكلة الحالية تكمن في محاولة مجلس النواب، تعديل أو تجاوز هذه الآلية، مع وجود تدخل مباشر لرئيس المجلس الأعلى للقضاء، وهو ما يتنافى مع المبادئ القانونية الأساسية، إذ أن الأحكام القضائية تنظم وفق أسس واضحة ولا تُستخدم لتحقيق مصالح شخصية.
وأشار الديباني، إلى أن صدور قانون يمنح مجلس النواب صلاحيات إضافية يثير شبهات جدية حول احترام الإجراءات القانونية والتقاليد القضائية، موضحًا أن الوضع الحالي يضع المؤسسة القضائية في مواجهة تحديات كبيرة على الصعيد القانوني والإجرائي.
ورأى الديباني، أن القرارات الأخيرة المتعلقة بتعيين رئيس المجلس الأعلى للقضاء تأتي في سياق تحركات سياسية تهدد استقلالية القضاء وتخلق حالة من التضارب بين المؤسسات، مشيرًا إلى أن خطوات مجلس النواب، لتغيير نظام التعيين تمثل تدخلًا غير مسبوق في عمل السلطة القضائية، بما قد يؤدي إلى زعزعة استقرار الأحكام القضائية القائمة منذ سنوات.
وأوضح أن الأحكام القضائية السابقة تتمتع بحجية قوية ويجب الحفاظ على استقرارها، مؤكدًا أن أي محاولة لإلغاء أو تعديل هذه القوانين تحت ذرائع تنظيمية تهدف في جوهرها إلى أهداف سياسية. وأشار إلى أن قانون العفو العام الصادر في 2015 مثال على القوانين التي تم إعادة النظر فيها، وإعادة تفسيرها يؤثر على الأوضاع القانونية والإجرائية المستندة إليها.
وتطرق الديباني، إلى الوضع التاريخي لتعيين رؤساء المحاكم العليا في ليبيا، مؤكدًا أن أي تعديل على هذا الترتيب يجب أن يحترم الأطر القانونية دون تجاوز السلطة القضائية، محذرًا من أن بعض الأحكام الأخيرة الصادرة عن الدائرة الدستورية تخفي وراءها قناعات سياسية وتهدد السلطة التشريعية ومخرجات انتخابات مجلس النواب عام 2014.
واعتبر أن التكليف الحالي لرئيس المحكمة العليا من قبل مجلس النواب، يمثل حالة غير مسبوقة، وأن تنفيذ هذا القرار محدود جغرافيًا، مع وجود دعم واسع من المحاكم الاستئنافية والنيابات العامة، ما يعكس استمرار التمسك بالمجلس الأعلى للقضاء واستقلاليته.
ولفت الديباني، إلى وجود تداخل واضح بين البعد القضائي والسياسي، مشددًا على ضرورة ألا تتحول الرقابة الدستورية إلى أداة لتحقيق أهداف سياسية بعيدة عن القانون والتنمية، داعيًا إلى الحفاظ على استقلالية القضاء ووحدة المؤسسات الليبية.
وأشار إلى أن نظام القضاء الليبي يحتاج إلى محكمة عليا مختصة بالرقابة الدستورية، إلى جانب المحاكم التأديبية والمدنية والإدارية، لضمان تطبيق القانون بشكل متوازن بعيدًا عن أي أهداف سياسية أو شخصية، مطالبًا بالتحرك نحو استقرار المؤسسات القضائية والسياسية.
وتابع: المؤسسة القضائية تشهد “صحوة كبيرة” داخل أوساط الهيئات القضائية، في ظل رفض واسع للقرارات الأخيرة المتعلقة بالمجلس الأعلى للقضاء، محذرًا من تداعيات خطيرة قد تصل إلى تقسيم المؤسسة القضائية وعرقلة المسار الانتخابي.
وأوضح أن المجلس الأعلى للقضاء يتكون أساسًا من الهيئات القضائية بمختلف درجاتها، وأن هذه الهيئات عبّرت بوضوح عن رفضها للقرارات الصادرة، موضحًا أن هذا الرفض ينبع من إدراك قانوني ومهني لمخاطر هذه الخطوات وليس من مصالح شخصية.
ونوه إلى أن جوهر الإشكالية يكمن في إلغاء قرار مجلس النواب، المتعلق بتعيين رئيس المجلس الأعلى للقضاء، مقابل إبقاء رئيس المحكمة العليا في موقع رئاسة المجلس الأعلى للقضاء، وهو ما يخلق حالة من الارتباك المؤسسي ويطرح تساؤلات حول المرجعية القانونية الفاصلة.
وشدد الديباني، على أن فكرة “الهيئة القضائية” ليست مصلحية أو مرتبطة بأشخاص، بل هي كيان مهني يضم قضاة ومستشارين من مختلف الدرجات، وأن الاعتراضات الحالية تعكس حرصًا على عدم جرّ المؤسسة القضائية إلى صراع يهدد وحدتها واستقلالها.
وحذر من أن فرض واقع جديد بالقوة أو عبر قرارات متنازع عليها قد يؤدي إلى انقسام فعلي داخل المحاكم، خاصة في محاكم الاستئناف بمناطق مثل بنغازي وطبرق والبيضاء وغيرها، ما سينعكس على سير القضايا ويخلق فوضى قضائية وعدم مساواة في تطبيق العدالة.
وبين أن الحكم محل الجدل يُنظر إليه باعتباره مرفوضًا، لأنه يفتح الباب أمام إنشاء “جسم قضائي موازٍ”، ما قد يؤدي إلى شلل كامل في عمل المجلس الأعلى للقضاء ويدفع البلاد نحو أزمة مؤسسية أعمق.
وأردف الديباني: أن أخطر ما في هذه التطورات هو تأثيرها المباشر على العملية الانتخابية، إذ أن القضاء يشرف على النزاعات الانتخابية والطعون، وأي انقسام داخله يقوض الأساس القانوني لأي انتخابات مقبلة، ما يمثل تهديدًا مباشرًا لمستقبل الدولة الليبية واستقرارها السياسي.









