اخبار مميزةليبيا

المسماري يحذر من تأثير الضغوط السياسية على نزاهة الأحكام القضائية

قال أستاذ القانون في الجامعات الليبية، راقي المسماري، إن النظام القضائي في البلاد يواجه منذ سنوات تحديات كبيرة نتيجة التدخلات السياسية المتكررة، مؤكدًا أن الأزمة بدأت بشكل واضح مع الحكم المثير للجدل الصادر عن الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا خلال عامي 2014 و2015، والذي قضى بحل مجلس النواب والمؤتمر الوطني العام دون تحديد الجهة التي تتولى السلطة التشريعية بعد انتهاء ولايات المجلسين.

وأشار المسماري، في حديث لتلفزيون “المسار”، رصدته “الساعة24″، إلى أن هذا الحكم كان منقوصًا من الناحية الدستورية وأسهم في خلق فراغ دستوري خطير، أدى إلى انزلاق المشهد السياسي نحو ساحة القضاء، معتبرًا أن السياسة في تلك المرحلة “ذهبت بسلاحها”، ما شكّل بداية ما وصفه بـ “الانقسام السياسي” الذي انعكس سلبًا على استقلال القضاء والمشهد القضائي ككل.

وأضاف أن الدائرة الدستورية أغلقت أبوابها عقب إصدار الحكم ومنعت أي طعون أو إعادة نظر، قبل أن تُعلّق أعمالها بقرار من الجمعية العمومية، ما ترك البلاد دون سلطة قضائية دستورية واضحة، مؤكدًا أن الطعون التي قُدمت لاحقًا، رغم مظهرها القانوني، كانت في جوهرها سياسية وتناولت قوانين صُممت لمعالجة أحداث سياسية بعينها.

وبين المسماري، أن مجلس النواب، أصدر في العام 2023 القانون رقم (5) بشأن إنشاء المحكمة الدستورية العليا، وهو قانون يحدّ من صلاحيات الدائرة الدستورية السابقة، مؤكدًا أن تطبيقه كان يجب أن يتم بشكل فوري ومباشر لضمان وحدة واستقلال القضاء ومنع أي تجاوز للاختصاص أو إعادة نظر في القوانين بعد صدورها.

ورأى أن القضاء الدستوري الليبي، رغم عراقة تاريخه، عانى من انقطاع دام 42 عامًا منذ إلغاء مرسوم عام 1953، ما أثر على تراكم الخبرة القانونية والممارسة القضائية في مجال الطعون الدستورية، مشيرًا إلى أن هذا الانقطاع انعكس على قدرة القضاء على التعامل مع الطعون المعقدة، خاصة تلك ذات البعد السياسي، نظرًا لارتباطها بالقوانين الصادرة عن السلطة التشريعية.

وبينّ المسماري، أن رؤساء المحاكم شددوا في بياناتهم على ضرورة الحفاظ على وحدة القضاء وضمان تنفيذ الأحكام القضائية وملاحقة المخالفين، مطالبين بوقف حالة الاحتدام السياسي والقضائي إلى حين إقرار دستور جديد ينظم عمل السلطات، مؤكدًا أنه لا يمكن لأي جهة، سواء كانت الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا أو المحكمة الدستورية، أن تُعترف بسلطتها دون وجود دستور واضح ينظم عمل القضاء.

وأشار إلى أن الدائرة الدستورية أغلقت أبوابها بعد حكم عام 2014 لما يقارب أربع سنوات، ثم فُتحت لفترة وجيزة قبل أن تعود للإغلاق لمدة عامين، معتبرًا أن هذا السلوك يعكس حالة اعتياد على الإغلاق نتيجة الانقطاع الطويل للقضاء الدستوري وغياب الدستور والتراكم القانوني.

ولفت المسماري، إلى أن القضاء الليبي يقوم على مبدأ وحدة القضاء وتدرج المحاكم على درجتين باعتباره الركيزة الأساسية لحل النزاعات بين المواطنين والدولة أو بين الدولة والأجانب، مؤكدًا أن اختصاص الدائرة الدستورية يجب أن يظل محصورًا في المسائل الدستورية فقط، حفاظًا على استقرار الجهاز القضائي ومنع ازدواجية القرارات.

وأوضح أن بعض الأحكام الأخيرة تأثرت برغبات سياسية وضغوط وتهديدات خارجية، ما دفع بعض المسؤولين القضائيين إلى اتخاذ مواقف غير محايدة، مشددًا على أنه في حالات تضارب المصالح يتعين على القضاة التنحي عن نظر القضايا التي تمس مصالحهم الشخصية لضمان نزاهة الأحكام.

وأشار إلى أن الانتخابات البرلمانية الليبية شهدت ضعفًا كبيرًا في التمثيل الشعبي، حيث لم تتجاوز نسبة المشاركة 17% بسبب غياب الأمن والخوف من المشاركة، ما انعكس سلبًا على شرعية السلطة المنتخبة وساهم في تعقيد العلاقة بين القضاء والسياسة، إذ تحولت بعض الطعون الدستورية في ظاهرها إلى أدوات لتصفية حسابات سياسية في باطنها.

وتطرق المسماري، إلى تجربة مجلس النواب في بنغازي وطبرق، موضحًا أن بنغازي كانت تضم نخبة من الأكاديميين والحقوقيين النشطين، وكان من الممكن أن يؤدي مجلس النواب دورًا مختلفًا لو استقر فيها، إلا أن نقله إلى طبرق بسبب الأوضاع الأمنية شكّل خطأً في إدارة العملية التشريعية، بحسب وصفه.

وأشار إلى الاحتجاجات والبيانات الصادرة عن رؤساء المحاكم وأعضاء النيابات العامة في عدد من المدن الليبية، والتي حذرت من المساس بوحدة المجلس الأعلى للقضاء، مؤكدة ضرورة استمرار المجلس الحالي لضمان إدارة النزاعات القضائية بكفاءة واستقرار.

كما أشار إلى إعلان رئيس السلطة القضائية، المستشار مفتاح القوي، التزامه بعدم تجاوز ما يصدر عن الدائرة الدستورية أو المحكمة الدستورية، والتأكيد على الفصل بين الموقف السياسي والإجراء القضائي.

واختتم المسماري، تصريحاته بالتأكيد على ضرورة استمرار الدولة في احتكار حل النزاعات، وضمان عمل جميع أنواع القضاء – الشرعي، المدني، الجنائي، والإداري – بحيادية وفعالية، مؤكدًا أن حماية وحدة القضاء واستقلاله تمثل ضرورة وطنية لضمان استقرار الدولة إلى حين إقرار دستور جديد ينظم عمل القضاء الدستوري في ليبيا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى