اخبار مميزةليبيا

العبود: ضعف المحاسبة وتضخم الإنفاق عمّقا أزمة الاقتصاد الليبي

أكد أحمد العبود، الأكاديمي والباحث في العلاقات الدولية، أن القرار الأخير المتعلق بفرض الضرائب والذي كان محل الجدل لم يصدر عن مجلس النواب في جلسة رسمية مكتملة النصاب، وإنما خرج عن لجنة الاقتصاد بالمجلس، وتم تمريره عبر وكيل وزارة الاقتصاد في حكومة الدبيبة سهيل بوشيحة.

وأوضح العبود في حديث لقناة “العربية الحدث” رصدته “الساعة 24″، أن لجنة الاقتصاد تُعد إحدى لجان مجلس النواب وتمثله من الناحية الإجرائية، غير أن ما حدث – بحسب تعبيره – لم يكن تصويتًا عامًا داخل قاعة المجلس، بل إجراءً صدر عن لجنة برلمانية دون عرضه على جلسة مكتملة النصاب. واستدرك قائلاً إن مثل هذه القرارات، بالنظر إلى صيغتها وتأثيرها المباشر، لا بد أن تمر عبر جلسة رسمية لمجلس النواب بحضور النصاب القانوني، وأن تخضع لتصويت واضح وصريح.

وأضاف أن الرسالة التي خرجت من إحدى لجان المجلس لا تكفي لاعتماد قرار بهذه الأهمية، لاسيما أن القرارات ذات الطابع الاقتصادي والمالي تتطلب، إلى جانب التصويت، عرضها على لجان علمية ونوعية متخصصة، فضلاً عن الاستعانة برأي خبراء في الاقتصاد والمالية العامة، لبحث انعكاساتها على الاقتصاد الليبي، والإنفاق العام، والسياسة الضريبية.

وشدد العبود على أن القرار، بحكم ارتباطه بالمالية العامة للدولة وتأثيره على الحياة المعيشية للمواطن، كان يستوجب مسارًا إجرائيًا متكاملاً يبدأ بجلسة مكتملة النصاب داخل مجلس النواب، ثم المرور عبر لجان علمية متخصصة في الاقتصاد والمالية العامة، قبل تعميمه واعتماده بصورة نهائية. واعتبر أن تجاهل هذه الخطوات أفقد القرار سلامته الإجرائية، وجعله محل طعن من الناحية القانونية.

وفي معرض رده على سؤال حول ما إذا كان مجلس النواب سيتحرك لمنع القرار أو التراجع عنه، أشار العبود إلى أنه تم بالفعل تداول عريضة موقعة من أكثر من 107 نواب يطالبون بعقد جلسة رسمية للمجلس لدراسة القرار، والوقوف على ما إذا كان يصب في مصلحة المواطن أم لا.

وتوقع العبود أن يعقد مجلس النواب خلال الأيام المقبلة جلسة لمناقشة تفاصيل القرار، وبحث تأثيراته على الشرائح التي فُرضت عليها الضرائب، فضلاً عن تقييم تداعياته على الاقتصاد الليبي الذي يعاني أساسًا من تحديات كبيرة.

وأضاف أحمد العبود أن الاقتصاد الليبي، على مدار الخمسة عشر عامًا الماضية، يُدار بعقلية “إدارة الأزمة” لا بمنهجية استراتيجية حقيقية تحافظ على قوة الدينار، أو ترسّخ سياسة نقدية واضحة تضمن التوازن بين عناصر المعادلة الاقتصادية والمالية للدولة.

وقال: إن الميزانيات منذ عام 2011 وحتى اليوم – باستثناء ميزانية عام 2012 – لم تمر عبر السلطة التشريعية ولم تعتمد من مجلس النواب، وهو ما يجعلها، من وجهة نظره، فاقدة للأساس القانوني والتشريعي الذي يمنحها المشروعية والرقابة.

وأوضح أن غياب اعتماد الميزانيات من السلطة التشريعية حرمها من الخضوع للرقابة المؤسسية، الأمر الذي فتح الباب أمام ما وصفه بـ”العوج القانوني والتشريعي”، والذي يقف خلفه – بحسب تعبيره – الفساد، باعتباره المعضلة الرئيسية التي واجهت الحكومات المتعاقبة دون محاسبة أو مساءلة حقيقية بشأن الإنفاق العام.

وتابع: رئيس حكومة الوحدة المؤقتة، عبد الحميد الدبيبة، يتحدث عن إنفاق يقدّر بـ70 مليار، غير أن العبود دعا إلى استحضار رقم أكبر وصفه بالمخيف، وهو نحو 800 مليار صُرفت خلال ثلاث أو أربع سنوات من عمر الحكومة، متسائلًا عن آليات المحاسبة.

وأشار في السياق ذاته إلى أن ديوان المحاسبة لم يشر بوضوح إلى حجم الفساد في هذه الحكومة، معتبرًا أن هذه المسائل الثلاث: غياب الاعتماد التشريعي، وضخامة الإنفاق، وضعف المحاسبة، تمثل قضايا رئيسية في فهم المشهد.

وانتقل العبود للحديث عن ملفات أخرى، من بينها الإنفاق العام، وما سماه “العصابة” التي تدير الاعتمادات داخل مصرف ليبيا المركزي، إضافة إلى ملف مبادلة الوقود الذي وصفه بـ “الكارثة” واعتبره من أكبر ملفات الفساد المرتبطة بحكومة الدبيبة.

وفيما يتعلق بالإنفاق الموازي، أقرّ بوجوده، لكنه أشار إلى أنه تم باتفاق داخل إطار مصرف ليبيا المركزي، لافتًا إلى أن هناك عقودًا مرت عبر هذا المسار، وأن الإشكاليات الناتجة عنها وضعت الاقتصاد الليبي في وضع مكشوف بالكامل، حيث تفاقم التضخم، وبرز العجز، وغاب التكامل بين السياسة المالية والسياسة النقدية، في ظل ما وصفه بالهدر الممنهج للمال العام.

كما شدد على أن المصرف المركزي لم يتمكن من إيجاد آليات رقابية فعالة على حركة الأموال، وذلك في ظل استمرار حالة الانقسام بين المؤسسات السيادية والمؤسسات السياسية، الأمر الذي أفرز واقعًا يتسم بإنفاق مزدوج بلا مساءلة، وقرارات لا يُعرف مصدرها النهائي.

وأكد أن ليبيا تفتقر إلى إدارة شفافة للموارد، كما تفتقر إلى حوكمة حقيقية في التعاطي مع القطاع المصرفي، مضيفًا أن الارتجالية، وغياب السياسات الواضحة، وانعدام الرؤية المستقبلية في إدارة الاقتصاد، خصوصًا في ظل الاعتماد على مورد أحادي هو النفط، كلها عوامل دفعت المصرف المركزي والحكومات المتعاقبة إلى إنتاج هذا الواقع غير المسبوق في تاريخ الدولة الليبية.

وذكّر العبود بأنه جرى الاتفاق في لندن خلال أعوام 2015 و2016 و2017 على آليات لتوزيع الموارد المالية، كما أشار إلى أن المصرف المركزي عرف الانقسام في سنوات سابقة، وشهد وقف المقاصة على مصارف المنطقة الشرقية والجنوبية، قبل أن تُطرح مسألة التوحيد في السنوات الأخيرة.

وختم بالإشارة إلى وجود منظومة فساد حتى داخل الإطار المرتبط بالمصرف المركزي، معتبرًا أن هذا التشابك في المصالح والتداخل في الصلاحيات أسهم في تكريس المشهد الاقتصادي الليبي بصورته الحالية، حيث تغيب المساءلة وتتعقد مسارات القرار الاقتصادي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى