اخبار مميزةليبيا

الجويني: دول جنوب المتوسط تتحمل كلفة السياسات الأوروبية للهجرة

قال المحلل السياسي، بشير الجويني، إن النقاش حول ملف الهجرة غير القانونية يجب ألا يُغفل مجموعة من المبادئ الأساسية، مشيراً إلى أن دول جنوب المتوسط، بما في ذلك ليبيا وتونس والجزائر ومصر والمغرب، تُعد من أكثر الدول تضرراً من ظاهرة الهجرة، فضلاً عن كونها تمثل محطات عبور نحو الضفة الشمالية للمتوسط، الأمر الذي يفرض – بحسب قوله – ضرورة تقاسم الأعباء بصورة عادلة.

وأوضح الجويني، في حديث لقناة “ليبيا الأحرار”، رصدته صحيفة الساعة 24، أن ما يُلاحظ خلال السنوات الأخيرة، بل وعلى امتداد أكثر من عقد من الزمن، هو أن الشركاء في الاتحاد الأوروبي، ولا سيما الدول المطلة على البحر المتوسط، يتعاملون مع هذا الملف بمنطق يغلب عليه قدر كبير من الأنانية، لافتاً إلى أن الاتحاد الأوروبي والدول الأوروبية المعنية تحرص على التفاوض مع دول الجنوب بشكل فردي، مع تقديم ما يتناسب مع الأولويات والاحتياجات الخاصة بكل دولة، سواء كانت مالية أو أمنية أو مرتبطة بالعلاقات الدولية.

وأضاف أن الاستراتيجية الأوروبية الحالية تقوم أساساً على حماية مصالح أوروبا والاتحاد الأوروبي قبل أي اعتبار آخر، مؤكداً أن هذا التوجه بات محل انتقاد واسع، ليس فقط من قبل المراقبين، وإنما أيضاً في تقارير أوروبية وتقارير صادرة عن منظمات ومؤسسات دولية مختلفة، والتي تشير – بحسب قوله – إلى أن الاتحاد الأوروبي أصبح أكثر تركيزاً على مصالحه الذاتية من أي وقت مضى.

كما أشار إلى أن الاتفاقيات المبرمة مع تونس وليبيا، إلى جانب الميثاق الأوروبي الجديد المتعلق بالهجرة، تؤدي إلى زيادة الأعباء على دول المنطقة التي تواجه في الأصل مشكلات هيكلية داخلية، من بينها تحديات الانتقال السياسي والانقسامات والأزمات الأمنية والاقتصادية، ما يثير تساؤلات حول مدى توافق هذا النمط من التعاون مع مصالح دول جنوب المتوسط.

وأكد الجويني، أن ميزان التعاون القائم في هذا الملف يبدو غير متكافئ.

ونوه بأن العلاقة تتضمن مطالبات وإملاءات أكثر مما تتضمن تفاهمات أو شراكة حقيقية، رغم الخطاب السياسي المتكرر حول التعاون المشترك الذي يُطرح في اللقاءات والاجتماعات المنعقدة في طرابلس وتونس والجزائر وغيرها من العواصم.

وتساءل عن مدى قدرة دول المنطقة على الاستمرار في تحمل أعباء إضافية أمنية وسياسية واقتصادية، مشيراً إلى أن دول شمال أفريقيا كانت تاريخياً جزءاً من فضاء حيوي ممتد نحو أفريقيا جنوب الصحراء، حيث شكلت مسارات القوافل والروابط الاقتصادية والاجتماعية بين الجانبين شبكة تواصل طبيعية استمرت لفترات طويلة.

كما اعتبر أن التحولات التي شهدتها المنطقة خلال العقود الأخيرة أدت إلى تغييرات هيكلية لا تصب – من وجهة نظره – في مصلحة دولها، سواء من الناحية السياسية أو الاقتصادية أو الجيوسياسية، لافتاً إلى أن الشركاء الأوروبيين يعملون باستمرار على تعزيز تكتلاتهم ومصالحهم المشتركة، في حين تتزايد مظاهر التنافس والحواجز بين دول شمال أفريقيا ودول أفريقيا جنوب الصحراء.

وشدد الجويني، على أن المطلوب ليس نقل الأزمات إلى الضفة الشمالية للمتوسط أو استخدام ملف الهجرة كورقة ضغط، وإنما إعادة صياغة طبيعة العلاقات مع الدول الأوروبية، بما في ذلك إيطاليا وإسبانيا وفرنسا وغيرها، خاصة أن هذه الدول غيّرت بالفعل مقارباتها وسياساتها تجاه ملف الهجرة.

ولفت إلى أن الميثاق الأوروبي الجديد يواجه انتقادات واسعة، خصوصاً فيما يتعلق بقضايا حقوق الإنسان والمكتسبات التي تحققت خلال العقود الخمسة أو الستة الماضية في مجال الهجرة واللجوء على المستوى الدولي، معتبراً أن هذه التطورات تستوجب مراجعة أوسع لطبيعة التعاون القائم بين دول جنوب المتوسط والاتحاد الأوروبي في هذا الملف.

وفي سياق متصل، قال الجويني، إن التعامل مع ملف الهجرة يجب أن ينطلق من الالتزام بالقواعد القانونية الدولية التي قامت على مبادئ العمومية والتجريد والإلزام، معتبراً أن العالم يقف اليوم أمام مفترق طرق بين الحفاظ على المكاسب الإنسانية التي راكمتها البشرية عبر عقود طويلة أو التراجع عنها لصالح منطق المصالح الضيقة.

وأوضح أن جوهر هذه القوانين يتمثل في حماية الإنسان بصرف النظر عن بلده، أو انتمائه، أو لونه، أو جنسه، مؤكداً أن كرامة الإنسان يجب أن تبقى المبدأ الحاكم في التعاطي مع قضايا الهجرة واللجوء، ومشدداً في الوقت ذاته على ضرورة عدم إغفال البعد الأفريقي للأزمة، في ظل ما تعانيه دول أفريقيا جنوب الصحراء من تحديات ومآسٍ متراكمة.

وأشار الجويني، إلى أن جزءاً من الأزمات التي تعيشها القارة الأفريقية يرتبط بعوامل داخلية، إلا أن جانباً مهماً منها يعود أيضاً إلى مظالم تاريخية ممتدة ارتبطت بالاستعمار واستنزاف الموارد وإجهاض تجارب التنمية في عدد من الدول الأفريقية، لافتاً إلى أن هذه الخلفيات التاريخية لا يمكن فصلها عن واقع الهجرة الراهن.

وأضاف أن المطلوب هو التزام جماعي من الدول المتقدمة والدول النامية بما أُنجز من اتفاقيات وصكوك قانونية وعقود دولية وضعت لحماية الفئات الأكثر ضعفاً، بما في ذلك النساء والأطفال واللاجئون، محذراً في الوقت نفسه من تنامي تحديات جديدة مثل اللجوء المناخي الناتج عن التغيرات المناخية التي تضرب العديد من الدول الأفريقية المعتمدة على الزراعة والرعي، وتدفع السكان إلى النزوح والبحث عن أماكن جديدة للعيش.

وأكد الجويني، أن قضية الهجرة لا تخص تونس أو ليبيا أو الجزائر وحدها، موضحاً أن غالبية المهاجرين الفارين من أوضاعهم الصعبة لا يسعون في الأساس إلى الاستقرار في دول العبور، وإنما يهدفون إلى الوصول إلى وجهات أخرى، معتبراً أن استمرار غياب الالتزامات المتوازنة من جانب الدول الأوروبية يثير تساؤلات حول أسباب تحميل دول جنوب المتوسط وحدها أعباء هذه الأزمة.

كما بينّ أن الأرقام المتعلقة بالهجرة لا تعكس سوى الجزء الظاهر من المشكلة، مشيراً إلى وجود مماطلات واختلالات في طبيعة التعامل بين الأطراف المختلفة، ومعتبراً أن العلاقات القائمة ما تزال تفتقر في كثير من الأحيان إلى الندية المطلوبة بين الدول الأفريقية والدول الأوروبية.

ورأى الجويني، أن الخلاف القائم لا يقتصر على عدم الالتزام بالقواعد والممارسات الدولية التي جرى التوصل إليها بعد عقود من النضال والعمل المشترك، بل يمتد أيضاً إلى ما وصفه بتركيز بعض الدول الأوروبية على مصالحها الخاصة وتقليص أعداد الوافدين إليها بأي وسيلة ممكنة، سواء عبر المقاربات الأمنية أو من خلال التعاون مع أنظمة مختلفة بهدف الحد من تدفقات اللاجئين، الذين يبقون – بحسب تعبيره – الحلقة الأضعف في هذه المعادلة.

وأضاف أن تحقيق انخفاض في أعداد الوافدين إلى أوروبا قد يمثل نجاحاً بالنسبة لدول الشمال، إلا أن الضغوط تتزايد في المقابل على دول جنوب المتوسط وأفريقيا جنوب الصحراء، مؤكداً أن استمرار غياب العدالة والتوازن في العلاقات الدولية سيجعل الهجرة ظاهرة مستمرة وطبيعية في ظل التفاوت القائم بين الدول والمجتمعات.

واستحضر الجويني، أمثلة تاريخية للهجرة في منطقة المتوسط، مشيراً إلى أن شعوباً أوروبية، ومن بينها الإيطاليون، هاجرت في مراحل سابقة إلى دول شمال أفريقيا بحثاً عن الرزق والعمل، كما شهدت فترات تاريخية انتقال السكان بين الضفتين لأسباب اقتصادية ومعيشية، معتبراً أن هذه الوقائع تؤكد أن الهجرة ظاهرة إنسانية متجذرة وليست مرتبطة بمرحلة زمنية بعينها.

ورأى أن مستقبل المتوسط يجب أن يقوم على منظومة متوازنة من الحقوق والواجبات والمساواة بين الشعوب والدول، بعيداً عن أي تمييز بين العواصم الأوروبية وغيرها، محذراً من أن استمرار كل طرف في البحث عن مصالحه الضيقة سيؤدي إلى نتائج خطيرة لا تقتصر على أفريقيا وحدها، بل تمتد إلى مجمل فضاء المتوسط.

كما نبه الجويني، إلى أن البحر المتوسط الذي يوصف اليوم بأنه أكبر مقبرة للمهاجرين في العالم قد يتحول إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات السياسية والأمنية والاقتصادية والعسكرية، بما يفتح المجال أمام تدخلات إقليمية ودولية إضافية تزيد من معاناة سكان المنطقة، مؤكداً أن النساء والأطفال واللاجئين سيظلون الفئات الأكثر تضرراً من هذه التطورات، وأن معالجة الملف تتطلب النظر إليه باعتباره قضية إنسانية تتعلق بمصائر البشر، مع احترام سيادة الدول وحقوق مواطنيها، وفي الوقت نفسه مراعاة البعد الجيوسياسي والامتداد الأفريقي الذي أسهم تاريخياً في تشكيل هوية المنطقة وتطورها.

وفي تقييمه للميثاق الأوروبي الجديد للهجرة، قال الجويني، إن العبارة المحورية فيه تتمثل في تركيزه على إدارة الملف خارج الحدود الأوروبية، معتبراً أن هذه الصياغة القانونية ليست عابرة، بل تعكس توجهاً واضحاً نحو نقل أعباء الظواهر المرتبطة بالهجرة واللجوء إلى دول الجنوب، وفي مقدمتها دول شمال أفريقيا.

وأوضح أن النصوص القانونية تُصاغ بدقة ولا تحتمل التأويل، مشيراً إلى أن الإصرار على معالجة الملف خارج نطاق الاتحاد الأوروبي يوحي بأن أوروبا تسعى إلى تحميل دول الجنوب مسؤولية التعامل مع أزمة عالمية، رغم أن الجزء الأكبر من اللاجئين في العالم ينتمي أصلاً إلى دول الجنوب.

وأردف أن الصياغات الجديدة تعكس رؤية تركز على تقليص أعداد الوافدين إلى أوروبا وتشديد الإجراءات بحق طالبي اللجوء واللاجئين المحتملين، وهو ما يفسر حالة الترحيب التي تبديها بعض الحكومات ووسائل الإعلام الأوروبية تجاه هذه السياسات، غير أنه اعتبر أن هذه المقاربة تتجاهل الأسباب الحقيقية للهجرة التي ما تزال قائمة، بل وتزداد تعقيداً بفعل الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي يشهدها العالم.

وأكد الجويني، أن تنامي النزاعات والمشكلات الهيكلية واختلال العلاقات بين الدول وشعوبها لا يؤدي إلا إلى زيادة الرغبة في الهجرة، مشيراً إلى وجود قصص إنسانية مؤلمة تعكس حجم الإصرار لدى المهاجرين على الوصول إلى الضفة الشمالية للمتوسط رغم المخاطر المتكررة التي تواجههم.

كما رأى أن النظر إلى أوروبا باعتبارها المخرج الوحيد من الأزمات يمثل أحد أبرز العوامل التي تدفع الشباب في العديد من دول شمال أفريقيا وأفريقيا جنوب الصحراء إلى مواصلة محاولات الهجرة، لافتاً إلى أن فقدان الأمل في الأوضاع الداخلية يدفع أعداداً متزايدة إلى البحث عن مستقبل خارج أوطانهم.

وشدد الجويني، على أن المقاربة الأمنية وحدها غير كافية لمعالجة الظاهرة، موضحاً أنها قد تنجح مؤقتاً في خفض الأعداد أو الحد من بعض المسارات، لكنها لن تنهي الهجرة ما دامت أسبابها الأساسية مستمرة، مؤكداً أن الهجرة ظاهرة إنسانية قديمة ومتجذرة وليست ظاهرة مستحدثة.

وتابع: الحلول المستدامة يجب أن تجمع بين الحفاظ على سيادة الدول ومتطلبات الأمن من جهة، وضمان حقوق الأفراد في تحسين أوضاعهم والالتزام بمبادئ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان من جهة أخرى، محذراً في الوقت نفسه من محاولات استغلال بعض المبادرات الإنسانية أو المدنية لتمرير أجندات أخرى، لكنه اعتبر أن ذلك لا ينبغي أن يؤدي إلى إغلاق جميع المبادرات الرامية إلى الحد من المآسي الإنسانية المرتبطة بالهجرة واللجوء.

وأشار الجويني، إلى أن العلاقات بين دول المنطقة، وخاصة ليبيا وتونس، قامت تاريخياً على التواصل والتداخل البشري في محطات مختلفة، معتبراً أن هذا الإرث المشترك يمكن توظيفه لتعزيز الأمن والاستقرار والتعاون بين دول المنطقة.

كما أكد أن التنسيق الأمني بين دول شمال أفريقيا بلغ مستويات وصفها بالمرضية، إلا أنه يرى أن الحاجة أصبحت ملحة للانتقال إلى مستوى أعلى من التنسيق يتمثل في توحيد المواقف السياسية، ولا سيما في التعامل مع الشريك الأوروبي، متسائلاً عن أسباب استمرار التفاوض مع الاتحاد الأوروبي بشكل منفرد بدلاً من تبني موقف جماعي موحد.

وأوضح الجويني، أن المصالح الأوروبية تدفع بطبيعة الحال نحو التفاوض الثنائي مع كل دولة على حدة، إلا أن السؤال الحقيقي يتعلق بأسباب عدم توحيد دول المنطقة لمواقفها، مرجعاً ذلك إلى شبكة معقدة من العوامل المرتبطة بالحسابات الداخلية، وحالات عدم الاستقرار في بعض الدول، إضافة إلى تأثير التحالفات والعلاقات مع أطراف أوروبية مختلفة.

وأضاف أن النتيجة النهائية لهذا النهج واضحة، إذ إن تفاوض دول المنطقة بشكل منفرد يضعف موقفها التفاوضي ويمنح الاتحاد الأوروبي أفضلية أكبر، وهو ما وصفه بوضعية غير متوازنة تستوجب المعالجة في أقرب وقت.

وأشار الجويني، إلى أن ملف الهجرة استُخدم تاريخياً كأداة ضغط متبادلة بين بعض الدول الأوروبية ودول جنوب المتوسط، سواء من خلال المساعدات أو التلويح بوقفها، أو عبر التحكم في تدفقات الهجرة وفقاً لطبيعة العلاقات السياسية، مؤكداً أنه لا يدعو إلى توظيف الملف بمنطق المناكفة أو الشعبوية، لكنه يرى أن بعض الحكومات اليمينية الأوروبية باتت تتعامل أساساً بمنطق الأمر الواقع.

كما رأى أن الآلاف من المهاجرين الموجودين في دول العبور لا ينوون البقاء فيها بصورة دائمة، متسائلاً عن جدوى استمرار تحميل هذه الدول أعباء متزايدة في ظل ما وصفه بنزعة الانغلاق المتصاعدة داخل الاتحاد الأوروبي، والتي تهدف – بحسب تقديره – إلى فرض شروطها وإقامة علاقة غير متكافئة مع دول الجنوب.

واختتم الجويني، بالتأكيد على أن دول المغرب العربي هي دول ذات سيادة، وأن مقتضيات هذه السيادة تفرض إعطاء الأولوية للمصلحة الوطنية الداخلية عند التعامل مع مختلف الملفات، بما في ذلك ملف الهجرة والعلاقات مع الاتحاد الأوروبي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى