الكاديكي: ضخ الدولار دون توفر سيولة للدينار سيؤدي لاضطراب اقتصادي

توقع الخبير الاستراتيجي في التنمية الاقتصادية، خالد الكاديكي، أن يشهد سعر الدولار في ليبيا انخفاضًا تدريجيًا إذا واصل المصرف المركزي سياساته المالية والنقدية المتوازنة، مؤكدًا أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى انتعاش ملموس في الاقتصاد الوطني.
وأضاف الكاديكي، في تصريحات لقناة “ليبيا الحدث”، رصدتها صحيفة الساعة24، أن أي مفاجآت اقتصادية أو تغييرات مفاجئة في مؤسسات الدولة قد تؤثر على هذه التوقعات، لكنه شدد على أن الاستقرار السياسي، بما يشمل تشكيل حكومة وإجراء انتخابات، إلى جانب سياسات مالية ونقدية فعالة، سيكون العامل الأبرز لإعادة الدولار إلى مستواه الحقيقي لدى المصرف المركزي.
وأشار إلى أن استمرار هذه السياسات سيسهم في انخفاض سعر الدولار تدريجيًا وتعزيز استقرار الاقتصاد الوطني، مشددًا على ضرورة توحيد الحكومة وتطبيق سياسة مالية فعالة، إلى جانب ضبط عمل المصرف المركزي للحد من تقلبات سعر الصرف المفاجئة.
وبينّ أن الحد الأدنى لسعر صرف الدينار الليبي مقابل العملات الأجنبية لا يمكن أن ينخفض عن مستوى 5.6 دينار، محذرًا من أن أي انخفاض أقل من ذلك قد يتسبب بخسائر كبيرة للمصرف المركزي، نظرًا لاعتماده على سعر الصرف في سياساته النقدية وتوقعاته المستقبلية.
ورأى الكاديكي، أن التعامل بالدولار نقدًا داخل البلاد قد يكون أكثر فائدة من تعبئته في بطاقات مصرفية، نظرًا للعمولات التي تفرضها شركات الصرافة وخدمات الفيزا على المعاملات، مشيرًا إلى أن سعر الدولار في السوق الليبية يتأثر بالتنبؤات والإشاعات والأزمات المحلية، مثل ما حدث خلال فترة الحرب على الإرهاب، حيث أدى ارتفاع الدولار إلى لجوء المواطنين لشرائه واحتفاظهم به كملاذ آمن.
وحذر الكاديكي من أن “أي ضخ كبير للدولار في السوق المحلية” دون وجود سيولة كافية في الدينار الليبي سيؤدي إلى اضطراب اقتصادي شديد، وأن التعاملات الحالية بالدولار ستتم غالبًا عبر مكاتب الصرافة في ظل غياب الدور الفعّال للمصارف التجارية، مؤكدًا أن أي محاولة لبيع الدولار عبر التحويلات المصرفية أو الخدمات الرقمية لن تحل أزمة السيولة النقدية.
وحذّر من أن ضخ الدولار من الخارج، مثل إيرادات النفط، لن يسهم في استقرار الدينار إلا إذا تم التنسيق الكامل مع السياسات النقدية للمصرف المركزي، بما في ذلك ضبط الطباعة والعملات المحلية، لضمان التوازن بين الدولار والدينار، مشددًا على أن التنسيق المالي والنقدي المتكامل هو الضامن الأساسي لاحتواء الأزمات الاقتصادية واستقرار السوق الليبي.
ولفت الكاديكي إلى أهمية تنويع الاقتصاد من خلال مصادر إيرادات جديدة واستثمارات متنوعة عبر المصارف الاستثمارية الحديثة، مشيرًا إلى أن بعض المشاريع توقفت لأسباب غير واضحة، داعيًا إلى إعادة النظر فيها لضمان استقرار الاقتصاد وتعزيز التنمية المستدامة. وأضاف أن تحقيق الاستقرار يتطلب جهودًا مشتركة بين الحكومة والمصرف المركزي، مع وضع خطة استراتيجية للاستفادة من الموارد الكبيرة للدولة وتنويع الاقتصاد بشكل مستدام خلال السنوات المقبلة.
وشدد على ضرورة دراسة متعمقة للسياسات النقدية واستراتيجيات التحكم بالسيولة لتجنب تفاقم الأزمة النقدية وضمان استقرار العملة المحلية، مشيرًا إلى أن المفتاح الأساسي لتحقيق الاستقرار يكمن في استقرار سعر الصرف والسياسة المالية للدولة، معتبراً التجربة التونسية نموذجًا ناجحًا، إذ لم يشهد الدينار التونسي تقلبات كبيرة، حيث لا يتجاوز الفرق بين سعر الصرف في البنوك والسوق الموازية 20 دينارًا.
وأكد أن ليبيا بحاجة إلى إعادة التوازن عبر سياسة مالية واضحة، واستغلال الفترة الحالية التي تشهد ارتفاع أسعار النفط لخلق مصادر دخل بديلة، وتنفيذ مشاريع استثمارية استراتيجية في قطاع النفط، مشيرًا إلى أن الدولة طرحت سابقًا أربع عقود مهمة لتوسعة سوق النفط المحلي، بما في ذلك إنشاء مصفاتين كبيرتين في زوارة وسرت لدعم الإنتاج والتسويق والتوزيع بشكل متكامل.
وأشار الكاديكي إلى أن ارتفاع أسعار النفط يشكل فرصة استراتيجية لليبيا، نظرًا لاعتماد الدولة على الإيرادات النفطية كمصدر رئيسي للموارد المالية، مؤكدًا أن إدارتها بشكل علمي ومدروس يمكن أن يسد جزءًا من العجز في الإنفاق العام ويقلل من حجم الدين العام.
كما أوضح أن الأزمة الراهنة في الشرق الأوسط منحت ليبيا فرصة لتعزيز إنتاجها النفطي، غير أن تقارير المؤسسة الوطنية للنفط أشارت إلى تراجع الإنتاج بسبب بعض الصعوبات التشغيلية، ما يستدعي رفع كفاءة الإنتاج للاستفادة القصوى من ارتفاع الأسعار وتحقيق مبيعات كبيرة.
ودعا الخبير الاستراتيجي إلى ضرورة قيام الخبراء في مجلس النواب والمؤسسات التشريعية والتنفيذية، إلى جانب مصرف ليبيا المركزي، بدراسة شاملة للوضع الاقتصادي الحالي، لتقييم الأزمة وسبل مواجهة ارتفاع سعر الدولار واستغلال الموارد المتاحة، مع مراعاة محدودية تنوع الموارد الليبية منذ عام 1968، بما فيها الذهب واليورانيوم.
ونوه إلى أن القيود على الإنتاج النفطي والغازي مرتبطة بالعقود القديمة والمحددة للإنتاج والمرتبطة بمؤسسة أوبك، مؤكداً أن أي توسع في الإنتاج يتطلب قرارات رسمية من المؤسسات المختصة، مستشهداً بتجربة السعودية في زيادة إنتاجها النفطي من 5 ملايين برميل إلى 15 مليون برميل عبر عقود استثمارية ضخمة للشركات الأمريكية، ما يسلط الضوء على أهمية الاستثمارات الكبرى في استغلال الموارد الليبية.
وبينّ الكاديكي دور الشركات العالمية في عمليات التنقيب واستغلال الغاز والنفط الليبي، معتبرًا ليبيا بديلًا للدول الخليجية في الوقت الراهن، ومشيرًا إلى اهتمام أوروبا وروسيا بزيادة إنتاج البلاد وتحسين قدرة المؤسسة الوطنية للنفط على الاستفادة من التقنيات الحديثة، خصوصًا مع قرب السواحل الليبية من السوق الأمريكي.
وأكد أن العمليات الأخيرة في الشرق الأوسط لم تكن مجرد صراعات عسكرية، بل ترتبط بالسيطرة على الموارد النفطية الاستراتيجية، مشيرًا إلى أن الهجمات الأمريكية على فنزويلا سابقًا كانت تهدف للسيطرة على أكبر مخزون نفطي، وهو مخزون استراتيجي تستخدمه الولايات المتحدة لموازنة أسواق الطاقة الدولية.
وأضاف أن مصرف ليبيا المركزي بات يمارس دورًا أساسيًا في اتخاذ القرارات المتعلقة بتوزيع الإيرادات والسيطرة على الإنفاق، خصوصًا في ظل غياب سياسة مالية فعالة للحكومة، موضحًا أن هذا يمثل تحولًا عن النظام السابق الذي كان يعتمد على وزارة المالية ووزارة التخطيط المالي لإدارة الميزانية والإشراف على الصرف.
وقال الكاديكي إن المشكلة الأساسية تكمن في توزيع الموارد بين القطاعات المختلفة في ظل تعدد الحكومات، حيث تتزايد الاحتياجات المالية بشكل مصطنع بسبب الانقسام، ما أدى إلى ارتفاع الميزانية العامة بشكل غير طبيعي، وهو ما انعكس على قدرة الدولة في ضبط الإنفاق ومراقبته بشكل فعال. كما أشار إلى استمرار نظام “1 على 12” منذ عام 2014، حيث يتم صرف الميزانية على مراحل متفرقة دون وجود حسابات ختامية واضحة.
وشدد الكاديكي على ضرورة إدارة العوائد النفطية بشكل استراتيجي عبر ثلاث مستويات أساسية: الاستفادة المثلى من الإيرادات، المحافظة على الاحتياطي، ومعالجة العجز في الدين العام، مشيرًا إلى أن التقلبات الأخيرة في سعر صرف الدولار مقابل الدينار الليبي انعكست مباشرة على الدولة نتيجة الطفرات في الإيرادات النفطية، محذرًا من أن أي تمويل إضافي بالدولار دون تنظيم قد يؤدي إلى مشاكل مشابهة لما حدث في لبنان وتركيا.









