ليبيا

الحرير: السوق الموازي بات يتحكم بالأسعار ويتجاوز قرارات المصرف المركزي

أكد مفتاح الحرير، رئيس مجلس التخطيط السابق، أن أهمية مصرف ليبيا المركزي تنبع من كونه المرجع اليومي لليبيين في متابعة تطورات الأسعار، لا سيما أسعار الغذاء ومعدلات التضخم وتأثيراتها على القوة الشرائية والمرتبات، مشيرًا إلى أن هذا الدور يفرض ضرورة توفر شفافية حقيقية داخل المؤسسة.

وأوضح الحرير، في تصريحات لتلفزيون “المسار”، أن هذه الشفافية ما تزال غائبة، لافتًا إلى أن المصرف لم ينشر بياناته الرسمية منذ أكثر من 31 أسبوعًا، رغم الإعلان السابق عن مؤتمر صحفي، وهو ما يثير – بحسب قوله – شبهات التهرب من المساءلة، ويعكس ما وصفه مختصون بعدم قدرة الإدارة على المواجهة. كما شدد على أن أزمة الشفافية لا ترتبط بشخص المحافظ أو الإدارات الحالية، بل تعكس إشكالًا أعمق مرتبطًا بالإرادة السياسية ككل.

وأشار إلى أن تحقيق الشفافية يتطلب إرادة سياسية واضحة وإجراءات عملية لنشر البيانات المالية، بما يشمل عوائد النفط، وحسابات التنمية، وخطط الإنفاق، مؤكدًا أن الغموض يطال حتى آليات اختيار المحافظين منذ عام 2011، حيث تولت شخصيات هذه المناصب تحت ضغوط أثرت على أدائها.

وأضاف الحرير أن المصرف المركزي يعمل في بيئة معقدة بفعل تعدد الضغوط السياسية والأمنية، نتيجة الانقسام المؤسسي ووجود أكثر من حكومة وسلطة تشريعية، إلى جانب ضغوط من مجموعات مسلحة تسعى لتحقيق مصالح محددة، ما يؤدي إلى تضارب القرارات وتعقيد أداء المؤسسة. كما أوضح أن السياسات النقدية والمالية ليست محايدة، بل تتأثر بغياب وزارة مالية موحدة وعدم توحيد المصرف المركزي، حيث تصدر قرارات من جهة وتقابلها قرارات مخالفة من جهة أخرى.

واعتبر أن هذا الواقع ينعكس سلبًا على المواطن، واصفًا إياه بـ “الكارثي”، مؤكدًا أن الحل يبدأ بتوحيد الإرادة السياسية والمؤسسات المالية، بما يتيح للمصرف المركزي أداء مهامه بكفاءة.

وفي الوقت ذاته، شدد على أن نشر البيانات المالية بشكل منتظم يعد حقًا أساسيًا للمواطنين، داعيًا إلى الإفصاح عن الإيرادات والمصروفات والاحتياطيات، بما فيها الاحتياطيات الأجنبية وعوائد النفط، مشيرًا إلى أن هذه المعلومات كانت متاحة سابقًا دون مبرر لإخفائها.

وفيما يتعلق بالإشكاليات القائمة، لفت الحرير إلى أن المشكلة لا تقتصر على غياب الإفصاح، بل تمتد إلى تضارب البيانات بين المؤسسات، حيث تتعارض أحيانًا تصريحات مسؤولي قطاع النفط مع مسؤولي المصرف المركزي، ما يربك السوق ويؤثر على المواطنين، ويقوّض دور الجهات الرقابية، ويفتح المجال لما وصفه بـ“تظليل البيانات”.

كما أكد أن المركزي لم يعد الفاعل الرئيسي في تحديد السياسات النقدية، مشيرًا إلى أن السوق الموازي أصبح اللاعب الأبرز في تحديد الأسعار، متفوقًا على القرارات الرسمية، مضيفًا أن محاولات التنظيم، مثل إنشاء شركات صرافة أو تنظيم عمليات البيع، لم تحقق النتائج المرجوة، في ظل ما وصفه بوجود تفاهمات غير معلنة بين بعض المضاربين وموظفين داخل المنظومة المصرفية.

وتطرق الحرير إلى انعكاسات هذا الوضع على حياة المواطنين، موضحًا أن البطاقات المصرفية لم تعد تعمل بالكفاءة السابقة داخل ليبيا وخارجها، مقارنة بما قبل عام 2014، حيث كان بالإمكان السحب بسهولة دون اللجوء إلى شركات الصرافة ودفع عمولات إضافية. وأكد أن الشفافية في نشر البيانات كفيلة بكشف الحقائق وإعادة بناء الثقة وتنظيم السوق.

وفي سياق متصل، شدد على أن غياب الرقابة والمؤسسات الموحدة يفاقم الأزمة الاقتصادية، معتبرًا أن الشفافية والإعلام المستقل يمثلان عنصرين أساسيين لضمان الاستقرار، مستشهدًا بتجارب دولية تُخضع المسؤولين للمساءلة عبر الإعلام واللجان المختصة.

كما حذر من أن غياب المؤسسات الديمقراطية الفاعلة يسمح باستمرار الحكومات رغم أخطائها، ما يضع المواطن أمام ضغوط اقتصادية متزايدة، في ظل التعامل المباشر مع أسعار السوق السوداء دون حماية، منبهًا إلى احتمال ارتفاع سعر الدولار إلى مستويات تصل بين 15 و16 دينارًا، وما يحمله ذلك من تداعيات خطيرة على القدرة الشرائية.

وفي ختام حديثه، أرجع الحرير تفاقم الأزمة إلى جملة من العوامل، من بينها السياسات الاقتصادية غير الفاعلة، والمضاربات، وفشل الحكومات السابقة، وعدم توحيد المؤسسات، إضافة إلى الهدر المالي في مجالات مثل المحروقات والسفر والاستغلال الوظيفي، مؤكدًا أن تجاوز هذه الأزمة يتطلب إرادة وطنية حقيقية تقوم على الشفافية والمساءلة، محذرًا من أن استمرار الوضع الراهن سيقود إلى تداعيات اقتصادية واجتماعية خطيرة تمس حياة المواطنين بشكل مباشر.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى