السنوسي: استقرار ليبيا يتطلب توحيد السلطة التنفيذية وإقرار ميزانية موحدة

أكد المحلل السياسي إسماعيل السنوسي، أن الميزانية في ليبيا تمثل أكثر من مجرد أرقام مالية أو جداول إيرادات ومصروفات، فهي في جوهرها تعكس طبيعة الصراع السياسي القائم في البلاد. مشدداً على ضرورة أن تصدر عبر مجلس النواب بمشاركة مجلس الدولة الاستشاري لتعزيز الشرعية القانونية والشفافية، مؤكدًا أهمية إدخال تعديلات تشريعية تمكّن من تنفيذ المشاريع المتوقفة وإطلاق مشاريع جديدة بوتيرة أسرع بعيدًا عن التعقيدات الإدارية.
وأوضح السنوسي في تصريحات لقناة “ليبيا الأحرار”، رصدتها “الساعة 24” أن الاهتمام الدولي بالميزانية لا يرتبط بحجمها أو بأي أطماع خارجية، بل مرتبط بتعقيد الأزمة السياسية والحاجة إلى الحفاظ على استقرار نسبي مؤقت حتى التوصل إلى حل شامل.
وأشار السنوسي إلى أن هناك ضرورة ملحة لإقرار ميزانية موحدة تساهم في ضبط الأوضاع الاقتصادية واستمرار عمل مؤسسات الدولة، رغم الانقسام السياسي، مشددًا على وجود ضغوط دولية متزايدة لتحقيق صيغة مالية موحدة خلال الفترة الانتقالية.
وأوضح أن الميزانية، من حيث التعريف، هي مال عام يُقسم إلى إيرادات ومصروفات وأبواب إنفاق، ويتم اعتمادها عبر مجلس النواب مع مشاركة مجلس الدولة وفق الاتفاق السياسي، بما يضمن إصدارها ضمن إطار قانوني يمكن مراقبته من قبل السلطة التشريعية والأجهزة الرقابية، وعلى رأسها ديوان المحاسبة وهيئات مكافحة الفساد.
غير أن السنوسي أشار إلى أن التجربة العملية خلال السنوات الخمس الماضية أظهرت ضعفًا واضحًا في منظومة الرقابة، حيث لم يكن لتقارير الجهات المختصة أثر فعلي في محاسبة الإنفاق العام، مؤكّدًا أن الحكومات استمرت في الصرف دون الالتزام بمخرجات الرقابة، ما يعكس خللاً بنيويًا في آليات المتابعة والمساءلة، رغم الجهود المحدودة التي يقودها النائب العام.
ولفت السنوسي إلى أن هذا التوصيف لا يهدف إلى تبرير تجاوز القانون، بل إلى قراءة واقع قائم، مستشهدًا بتجارب إعادة الإعمار في مدن مثل درنة، حيث كان الالتزام الصارم بالإجراءات الرقابية يؤدي أحيانًا إلى تعطيل المشاريع، في حين شهدت المنطقة الغربية حالات مشابهة تم فيها تجاوز بعض الإجراءات الإدارية لتسريع التنفيذ نتيجة التعقيدات البيروقراطية الطويلة.
وأشار إلى أن طبيعة الإجراءات في ليبيا تتسم بالبطء والتعقيد، إذ قد تستغرق الموافقات المتعلقة بالمشاريع سنوات طويلة، ما يفرض الحاجة إلى إجراءات استثنائية لتسريع التنمية، خصوصًا في المناطق المتضررة مثل مرزق وتاورغاء والمناطق ذات الأوضاع الإنسانية الصعبة التي لا تحتمل التأجيل.
كما لفت إلى أن جوهر الإشكال يكمن في بند التنمية الذي يمثل نحو 30% من إجمالي الإنفاق، داعيًا إلى توزيعه بعدالة بين مختلف مناطق ليبيا، مع منح الأولوية للمناطق المهمشة والمتضررة بفعل الحروب أو الكوارث، بدل التركيز الكبير على بند المرتبات الذي يستحوذ على النسبة الأكبر من الميزانية.
وأكد السنوسي أن الانقسام لا يقتصر على الحكومات فقط، بل يمتد إلى مؤسسات سيادية مثل المصرف المركزي وأجهزة الرقابة، ما يحد من قدرتها على أداء دورها الرقابي الفعلي ويجعل تأثيرها محدودًا في توجيه الإنفاق وضبط الإيرادات، رغم استمرار عملها الشكلي.
وفيما يتعلق بالمشاريع التنموية، أكد المحلل السياسي أن مشاريع البنية التحتية مثل الكباري وإعادة إعمار المدن ليست رفاهية، بل تمثل ضرورة لمعالجة الاختناقات وتحسين الخدمات، مشيرًا إلى أن بعض المشاريع نُفذت خارج الأطر الرقابية وحققت نتائج ملموسة، في حين ما تزال مناطق أخرى تعاني من الدمار دون تدخل فعلي.
وأشار السنوسي إلى أن مشاريع مثل “مترو الأنفاق” طُرحت سابقًا بتمويل أجنبي دون تحميل الدولة أعباء مالية مباشرة، معتبراً أن هذه الأفكار قابلة للنقاش وإعادة الإحياء في حال ثبوت جدواها الاقتصادية والتنموية.
وفي الجانب السياسي، شدد السنوسي على أن أي تفاهمات أو اتفاقات يجب أن تنطلق من توافق بين مجلسي النواب والدولة، لافتًا إلى أن الخلافات والصراعات الجانبية داخل هذه الأجسام تعرقل المسار السياسي، رغم وجود مسار واضح مرتبط بمخرجات الحوار المهيكل وخارطة الطريق الأممية.
وانتقد المحلل محاولات بعض الأطراف أو الشخصيات غير الرسمية لعب أدوار سياسية، مشيرًا إلى أن المسار الصحيح يتم عبر القنوات الشرعية وعلى رأسها بعثة الأمم المتحدة، التي تعمل وفق إطار واضح يمكن تقييمه ومساءلته، بخلاف المبادرات غير الرسمية أو التسريبات السياسية.
وأكد السنوسي أن الحل في ليبيا يجب أن ينبع من الداخل عبر توافق مؤسسي يستند إلى الأطر الشرعية، مع ضرورة تفعيل المؤسسات السيادية وتوحيدها بما يسمح بإدارة الموارد المالية بشكل شفاف وعادل ويخرج البلاد من حالة الانقسام.
وفي ملف الحلول الدولية، اعتبر السنوسي أن الرهان على مبعوثين أو شخصيات دولية لحل الأزمات لا يعكس حقيقة التعقيد السياسي، مشيرًا إلى أن تجارب مماثلة في ملفات مثل غزة وأوكرانيا وإيران لم تحقق نتائج حاسمة. مبيناً أن ما حدث في غزة كان نتيجة صمود ميداني وتضحيات محلية، وليس ثمار وساطات فردية، بينما تعتمد الاتصالات مع إيران على تبادل رسائل غير مباشر عبر أطراف ثالثة، وهو ما يعكس محدودية تأثير “المقاولين السياسيين” في الأزمات المعقدة.
وبخصوص المسار الدستوري، لفت السنوسي إلى أن الأزمة لا تكمن في غياب النصوص، بل في غياب التوافق السياسي، مشيرًا إلى أن الإعلان الدستوري القائم يمكن تطويره وتعديله تدريجيًا للوصول إلى دستور دائم، بدل فتح مسارات جديدة تزيد التعقيد، مع وجود خبرات قانونية ومؤسسات قادرة على إنجاز ذلك إذا توفر الاتفاق السياسي. كما أكد أهمية دور الأحزاب السياسية في بناء الحياة الديمقراطية، مشددًا على أن إقصاءها قد يؤدي إلى إعادة إنتاج الانقسامات القبلية والمناطقية في ظل غياب العمل السياسي المنظم، معتبرًا أن الأحزاب أدوات لتقديم الأفكار وإدارة التنافس السياسي بشكل سلمي.
وفي السياق ذاته، أوضح السنوسي أن الحديث عن التغيير عبر الشارع يظل محدود الفاعلية في ظل الظروف الأمنية، غير أنه أشار إلى أن الضغط الشعبي يمكن ممارسته بوسائل مدنية متعددة، مثل التحركات المجتمعية والوفود والضغط السياسي، دون اللجوء إلى الفوضى.
وختم السنوسي بالتأكيد على أن أي حديث عن ميزانية موحدة يبقى غير قابل للتحقق في ظل غياب حكومة موحدة قادرة على التنفيذ، معتبرًا أن الأولوية يجب أن تُعطى لتشكيل سلطة تنفيذية موحدة باعتبارها المدخل الحقيقي لتنفيذ السياسات المالية وتحقيق الاستقرار في البلاد.









