الشريف: الانخفاض الأخير للدولار مؤقت ويكشف هشاشة النظام النقدي الليبي

قال إدريس الشريف، وكيل وزير المالية السابق، إن الانخفاض الأخير في سعر الدولار الأمريكي مقابل الدينار الليبي جاء نتيجة إعلان المصرف المركزي عن زيادة الكمية المعروضة من الدولار في السوق، مشيرًا إلى أن مجرد هذا الإعلان خلق حالة من الترقب والتوقعات بين المتعاملين، ما انعكس سريعًا على حركة الأسعار.
وأوضح الشريف، في تصريحات لقناة “ليبيا الحدث”، ورصدتها “الساعة 24” أن استقرار سعر الدولار مستقبليًا يعتمد على عاملين رئيسيين، الأول قدرة المصرف المركزي على ضخ الكميات المطلوبة، والثاني ثبات الطلب بحيث لا يتجاوز العرض المتاح.
وأشار الشريف إلى أن البلاد تواجه أزمة سيولة حادة بسبب اكتناز العملة خارج المصارف، مؤكدًا أن إصدار فئة الخمسين دينارًا قد يزيد من اكتناز النقد، لكنه لا يعالج جذور المشكلة. مبيناً أن الاقتصاد الليبي ما يزال يعتمد بشكل كبير على النقد، رغم التوسع النسبي في الدفع الرقمي والخدمات الإلكترونية، ما يجعل الحاجة لبناء جسور الثقة بين المصارف والمواطنين أمرًا حيويًا لتقليل الاكتناز وتحويل المدخرات إلى استثمارات.
وحذر الشريف من أن التمويل المباشر من المصرف المركزي للإنفاق العام، خصوصًا في حالة تمويل العجز بدون ضوابط، يؤدي إلى تضخم وارتفاع أسعار العملات الأجنبية، مما يضع ضغوطًا إضافية على استقرار الاقتصاد.
ولفت إلى أن الدينار فقد أكثر من 85% من قيمته مقارنة بوحدة حقوق السحب الخاصة، حيث كان يعادل سابقًا 2.88 وحدة SDR، في حين أصبح حاليًا لا يتجاوز 13% من هذه القيمة، مشددًا على أن إعادة تقييم العملة أمر ضروري لاستعادة الثقة بالنظام المالي.
وأشار الشريف إلى أهمية توحيد الفئات النقدية، لافتًا إلى أن السوق المحلية تضم فئات مثل 100 درهم (تعادل عشرة قروش) و50 درهم (تعادل خمس قروش)، في حين فقدت هذه الفئات جزءًا كبيرًا من قيمتها. وأضاف أن الاكتناز يمثل “جلطة” في الدورة النقدية، حيث يُحجز جزء كبير من الأموال دون تدويرها في المصارف للاستثمار، مؤكدًا أن تحسين إدارة النقد يعد خطوة ضرورية لإعادة النشاط الاقتصادي.
كما تناول الشريف دور شركات الصرافة، مؤكدًا ضرورة عملها تحت إشراف المركزي وضمن الترخيص الممنوح لها، مشيرًا إلى أن القيود على بيع الدولار للمواطنين عبر المصارف التجارية تمثل تحديًا بسبب الاعتماد الكبير على الكاش، داعيًا إلى تنظيم العمليات المالية بما يضمن الشفافية والقدرة على الرقابة.
ورأى أن تحويل المعاملات الشخصية الكبرى إلى حسابات مصرفية رسمية يضمن استفادة الاقتصاد الوطني ويحد من الهدر المالي والمخاطر الأمنية، موضحًا أن تحويل نحو 7.08 مليارات دولار عبر البطاقات الشخصية العام الماضي استفاد منها الاقتصاد المحلي بنسبة 5% فقط، بينما استحوذت شركات أجنبية على البقية.
وفي سياق السياسات النقدية، أكد الشريف أن عرض النقود وصل إلى حوالي 203 مليارات دينار، بينما تبلغ العملة المتداولة نحو 100 مليار دينار، ما يعكس خللًا في إدارة السيولة وعدم توظيف الودائع بشكل فعال. وأوضح أن طباعة العملة لتلبية احتياجات العملاء ضرورية، لكن توزيعها عبر المصارف التجارية من ودائع العملاء لا يزيد الكتلة النقدية، بل يوازن بين النقد والودائع ويقلل تأثيرها على التضخم.
واعتبر أن الاستقرار في السوق يتطلب التحكم في الإنفاق الحكومي وتجنب التمويل المباشر للعجز، مشددًا على أن الحلول المؤقتة لا تعالج جذور الأزمة، وأن إصلاح السياسات الاقتصادية مرتبط بتحسين إدارة الموارد والإيرادات، وخاصة الإيرادات النفطية.
ولفت الشريف إلى أن الاقتصاد الليبي يعتمد على النفط بشكل شبه كامل، وأن الإيرادات النفطية الشهرية التي كانت تقارب ثلاثة مليارات دولار قبل الأزمة انخفضت إلى أقل من مليار دولار مؤخرًا، ما زاد العجز المالي، مؤكدًا أن بعض الجهات تحتفظ بحصصها من الإيرادات قبل توريدها للخزانة، ما يزيد تفاقم المشكلة ويقلص الموارد المتاحة للإنفاق العام.
وأوضح أن إجمالي الإيرادات النفطية والإتاوات الموردة إلى المركزي العام الماضي بلغ نحو 22.1 مليار دولار، مقابل استخدامات نقدية بلغت 31.1 مليار دولار، مسجلة عجزًا يقارب 9 مليارات دولار، مما يعكس ضغطًا مباشرًا على الدينار ويزيد معدلات التضخم وانخفاض القوة الشرائية.
وفيما يتعلق بالدفع الإلكتروني، أفاد الشريف بأن حجم التداول عبر أدوات الدفع الحديثة بلغ 389 مليار دينار في 2025 مقارنة بـ 136 مليار دينار في 2024، مسجلًا ارتفاعًا بنسبة 186%، مشيرًا إلى أن هذا التحسن لا يزال غير كافٍ لتعويض الاعتماد الكبير على النقد.
وتابع: الدفع الإلكتروني في المؤسسات الحكومية بدأ يحل جزءًا من المشكلات، لكن تواجهه عقبات مرتبطة بالبنية التحتية للاتصالات، مما يؤدي أحيانًا إلى توقف الأجهزة ورفض المعاملات، ما يعكس خللًا أوسع في الجهاز الإداري للدولة، الذي وصفه بـ “مكينة صنع السياسات العامة”، مشددًا على أن الإصلاح الاقتصادي لا ينجح إلا عبر إصلاح إداري وسياسي متكامل.
وفي السياق الدولي، أشار الشريف إلى أن روسيا أصدرت تعليمات بحظر تصدير البنزين لضبط الأسعار المحلية في ظل ارتفاع الأسعار العالمية، موضحًا أن تأثير هذا القرار على السوق العالمي محدود نظرًا لضعف نسبة مساهمة البنزين الروسي. وأضاف أن الوضع في ليبيا تأثر أيضًا بسبب البنزين المورد عبر شركات خارجية، بعضها مغشوش، ما يزيد خسائر الدولة ويضعف الاستقرار في قطاع الطاقة.
وأكد الشريف أن إدارة الإيرادات بفعالية، مع تقليل الاعتماد الكلي على النفط وتحسين الرقابة على الواردات والجمارك، أمر ضروري لاستفادة البلاد من الأزمة العالمية الحالية، مشيرًا إلى أن الفرصة متاحة لتحقيق مكاسب اقتصادية إذا ما أُديرت الموارد بحكمة، وإلا ستتحول الأزمة إلى خسائر إضافية على المواطنين والدولة.
وختم الشريف بالقول: فرصة الاستفادة من الأزمة موجودة، ولكن تحقيقها يحتاج إلى إدارة دقيقة للموارد، إصلاح المؤسسات، ومراقبة الإنفاق العام، لضمان أن تتحول الأزمة إلى منفعة للدولة والمواطن، وليس مجرد ضغوط اقتصادية إضافية.









