العبود: اليونان ترى في المشير حفتر شريكًا في ملفات الأمن ومكافحة الإرهاب
أكد المحلل السياسي أحمد العبود، أن الدبلوماسية التي تقودها القيادة العامة للقوات المسلحة العربية الليبية شهدت تطورًا ملحوظًا في السنوات الماضية، مستندةً – بحسب تقديره – إلى ما تحقق من نجاحات في فرض الأمن والاستقرار، وخوض الحرب على الإرهاب، إلى جانب العمل على بناء مؤسسة عسكرية نظامية.
وأوضح العبود، في تصريحات لقناة «ليبيا الحدث» رصدتها «الساعة 24»، أن هذا المسار جاء في ظل ما اعتبره غياب دولة قوية تمتلك مؤسسات راسخة، الأمر الذي أفسح المجال لظهور نمط خاص من الدبلوماسية تقوده القيادة العامة، قائم على معادلة الأمن والاستقرار وحماية الأمن القومي، باعتبار أن جوهر السياسة الخارجية والعلاقات الدولية يتمثل في صون المصالح العليا للدولة.
وأشار إلى أنه منذ العام 2016 برزت – وفق تعبيره – دبلوماسية نشطة ترتكز على مفاهيم السيادة والاستقرار وتعظيم المنافع، وهي المبادئ التي تبنتها القيادة العامة، إلى جانب ما وصفه بدبلوماسية القائد العام المشير خليفة حفتر، ثم لاحقًا نائب القائد العام الفريق صدام حفتر، وكذلك رئيس الأركان العامة الفريق خالد حفتر.
وفي سياق متصل، تطرق العبود إلى طبيعة العلاقات الليبية مع اليونان، مؤكدًا أنها علاقات تاريخية “بقدم الدولتين”، تجمعهما روابط الجوار في منطقة البحر المتوسط، إلى جانب المصالح المشتركة، وهو ما يجعل ملف التهديدات المشتركة أحد أبرز الدوافع لتعزيز هذه الشراكة.
وأضاف أن هذه العلاقات لا تقتصر على البعد السياسي، بل تمتد إلى الجانب الاقتصادي، مشيرًا إلى أن التعاون الاقتصادي بين البلدين يمتد لسنوات طويلة وشهد تطورًا متواصلًا، تعزز من خلال زيارات متبادلة، من بينها زيارات قام بها مدير عام صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا المهندس بلقاسم حفتر إلى أثينا، إلى جانب زيارات لمسؤولين يونانيين إلى ليبيا.
واعتبر أن نجاحات هذا المسار الدبلوماسي لا يُعد جديدًا، بل يأتي امتدادًا لتراكمات سابقة من التعاون، مؤكدًا أن الزيارات المتبادلة تعكس عمق العلاقات الثنائية، فيما تبرز المصالح الاقتصادية – وعلى رأسها النفط والغاز – كأحد أهم محاور هذا التعاون.
وبيّن العبود أن مسارات الشراكة بين ليبيا واليونان تقوم على محددات رئيسية، يأتي في مقدمتها البعد الأمني، يليه البعد الاقتصادي والاستثماري، معتبرًا أن هذين المحورين يمثلان الأساس في تعزيز العلاقات بين البلدين.
واعتبر أن المحدد الأمني يرتبط بالتعاون في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة على المستويين الإقليمي والدولي، بينما يتمثل الاقتصادي في الاستفادة من الخبرة اليونانية في مجالات الإعمار والتنمية، إلى جانب الفرص الاستثمارية المتاحة، لا سيما في ظل وجود صندوق التنمية وإعادة الإعمار الذي يمكن أن يفتح آفاقًا أوسع للتعاون.
كما أشار إلى أن هذه المحددات تمثل روافع أساسية لتعزيز الشراكة، موضحًا أن اليونان تسعى إلى لعب دور مهم في فرص الاستثمار داخل الاقتصاد الليبي، خصوصًا في قطاعات النفط والغاز، في ظل تزايد الطلب العالمي على الطاقة، والتطورات الجيوسياسية المرتبطة بمناطق حيوية مثل مضيق هرمز.
ورأى العبود أن هذه المتغيرات تدفع نحو تعزيز موقع ليبيا كمصدر مهم للطاقة للأسواق الأوروبية، وفتح قنوات بديلة أمام هذه الأسواق، خاصة نحو دول جنوب أوروبا مثل اليونان وإيطاليا. لافتاً إلى أن عددًا من الدول الأوروبية بات ينظر إلى القيادة العامة للقوات المسلحة باعتبارها طرفًا يسهم في تحقيق الاستقرار وتعزيز الشراكات، معتبرًا أن هذا التوجه من شأنه دعم فرص التعاون الاقتصادي والتبادل التجاري والاستثماري، بما يعزز مسارات التنمية في ليبيا.
وفي السياق ذاته، شدد العبود على أن فرص التعاون بين ليبيا واليونان تتعزز عبر شراكة أمنية تُعد محورًا أساسيًا يحظى باهتمام الجانب اليوناني، إلى جانب ما وصفه بدور القيادة العامة للقوات المسلحة في استثمار هذه الفرص لدعم كفاءة المؤسسات العسكرية والأمنية، فضلًا عن مواجهة تحديات اقتصادية قائمة، من بينها الفساد وضعف الإنتاجية والتباين المؤسسي.
وفي جانب آخر، لفت العبود إلى البعد التعليمي في العلاقات بين البلدين، موضحًا أن التعليم العسكري في ليبيا، لا سيما في مجال البحرية، اعتمد منذ تأسيسه عام 1951 على المدرسة اليونانية في التدريب والتأهيل، كما استفاد خفر السواحل الليبي من الخبرات اليونانية في حماية الموانئ.
وبينّ أن هذا التعاون مرشح للامتداد إلى المجال الأكاديمي، من خلال إقامة شراكات بين جامعة بنغازي وعدد من الجامعات اليونانية، لافتًا إلى أن الجامعة تمتلك تاريخًا عريقًا وكليات متعددة، بما يتيح فرصًا واسعة للتعاون العلمي. كما بين أن هذه الشراكات تكتسب أهمية إضافية في ظل الطبيعة الديموغرافية لليبيا باعتبارها دولة شابة، يشكل الشباب نحو 80% من سكانها، الأمر الذي يعزز الحاجة إلى تطوير التعليم التقني وربطه بسوق العمل.
وأكد أن جامعة بنغازي سبق أن أبرمت اتفاقيات تعاون مع جامعات في روما والمملكة المتحدة، معتبرًا أن توسيع هذا التعاون ليشمل الجامعات اليونانية من شأنه أن يسهم في تطوير منظومة التعليم العالي، إلى جانب الدور الذي يمكن أن يلعبه صندوق إعادة الإعمار في تدريب وتأهيل أكثر من ألف شاب من المتفوقين لإعداد كوادر قادرة على دعم الاقتصاد الوطني.
وفي سياق متصل، اعتبر العبود أن هذه المعطيات تمثل أرضية إيجابية لقراءة زيارة وزير الخارجية اليوناني، مشيرًا إلى أن القيادة العامة للقوات المسلحة تتجه نحو تعزيز حضورها في حوض المتوسط، وتوسيع شراكاتها ضمن مسارات متعددة تشمل الانفتاح على اليونان وتركيا، بما يسهم في خلق فرص إضافية للاستقرار والتنمية والاستثمار وإعادة الإعمار.
وتابع: ليبيا ترتبط بأكثر من ثماني اتفاقيات مع اليونان تشمل مجالات متعددة، من بينها الصيد البحري وصناعة السفن، إلى جانب اتفاقيات تقنية في الجانبين العسكري والأمني، معتبرًا أن هذه الشراكات تعكس تنوع مسارات التعاون بين البلدين.
كما أشار إلى أن البلدين يرتبطان أيضًا بشراكة ضمن إطار الاتحاد المتوسطي، فضلًا عن علاقات أوسع في سياق الاتحاد الأوروبي، موضحًا أن العديد من هذه الاتفاقيات، بما فيها اتفاقية الصداقة مع إيطاليا، بقيت في إطار تفاهمات لم تتطور بشكل كافٍ بعد عام 2011.
وأردف: أن تعزيز الانخراط في العلاقات الليبية اليونانية من شأنه أن يفتح آفاقًا أوسع للشراكة مع دول الاتحاد الأوروبي، خاصة في ظل الأهمية الاستراتيجية لحوض المتوسط باعتباره جسرًا للتواصل بين ضفتيه، وهو ما يعزز اندماج ليبيا في محيطها الأوروبي.
ورأى العبود أن القيادة العامة للقوات المسلحة نجحت في فرض معادلة الأمن والاستقرار، الأمر الذي يعزز فرص بناء شراكات دولية أوسع، مشيرًا إلى أن الجانب الأوروبي يولي أهمية لهذا الدور في ظل التحديات الأمنية التي تشهدها المنطقة.
كما أوضح أن العقود التي أبرمتها القيادة العامة مع باكستان تركزت في مجالات دفاعية، تشمل تطوير السفن والفرقاطات وشراء وحدات بحرية جديدة، بما يعزز قدرات مكافحة الهجرة غير الشرعية والإرهاب في البحر المتوسط.
وفي سياق العلاقات الثنائية، نوه إلى أن اليونان تدرك أهمية الدور الذي يقوم به المشير خليفة حفتر في بناء مؤسسة عسكرية نظامية ومكافحة الإرهاب، وهو ما انعكس – بحسب قوله – في توجه السياسة الخارجية اليونانية نحو اعتباره شريكًا رئيسيًا، مستشهدًا بزيارته إلى اليونان عام 2020 وما حظيت به من استقبال رسمي رفيع. مؤكداً أن هذه العلاقات تمر بمرحلة إعادة بناء قائمة على خطوات متراكمة، موضحًا أن تعزيز الشراكة الاقتصادية يظل مرتبطًا بتعزيز الاستقرار السياسي والعسكري، وبقدرة القيادة العامة على توسيع نطاق السيطرة على الجغرافيا الليبية.
واختتم العبود بالتأكيد على أن السياسة الدولية تقوم على بناء تراكمي للعلاقات والشراكات، مشددًا على أن التوجه الحالي يسعى إلى إقامة شراكة متوازنة وعقلانية مع اليونان، دون أن يكون ذلك على حساب أي طرف آخر، وهو ما قال إنه يحظى بفهم لدى الجانب اليوناني والشركاء الأوروبيين.









