اخبار مميزةليبيا

الشريف: الاتفاق المالي الموحد خطوة إيجابية تتطلب ضبط الإنفاق وتوحيد الموازنة

قال الخبير الاقتصادي، علي الشريف، إن الاتفاق المالي الذي جرى التوصل إليه بين الأطراف الليبية، والذي بدأت ملامحه خلال الأسبوع الماضي، في تونس، جاء نتيجة اتصالات جرت بين المصرف المركزي وعدد من الأطراف، موضحًا أنه تم بالفعل صياغة الاتفاق بشكل كامل مع إدخال تعديلات بسيطة لاحقًا نتيجة خلافات محدودة.

وأضاف الشريف، في تصريحات لقناة “ليبيا الحدث”، رصدتها “الساعة 24″، أن الاتفاق تضمن تخصيص 40 مليار دولار تُوزع بين الحكومتين في الشرق والغرب، على أن يُمول الإنفاق بالكامل من إيرادات المصرف المركزي، دون اللجوء إلى أي دين عام جديد، محذرًا من أن توسع الدين العام قد يؤدي إلى أزمات اقتصادية إضافية.

وأوضح أن الاتفاق جرى برعاية مباشرة من المصرف المركزي، الذي تعهد بتغطية هذه القيمة المالية، مشيرًا إلى أن المؤسسة الوطنية للنفط، كانت حاضرة ضمن التفاهمات، وأن جزءًا من الاتفاق شمل استثمار مليار دولار لصالح المؤسسة بهدف رفع الإنتاج بمقدار 20 ألف برميل يوميًا.

وأكد الشريف، أن اتفاق تونس يمثل خطوة إيجابية نحو توحيد الإنفاق العام في إطار الباب الثالث، معتبرًا أن ذلك يشكل مدخلًا أساسيًا للإصلاحات التي يعمل عليها المصرف المركزي، إلى جانب تعزيز إنتاج النفط باعتباره أحد أهم مصادر الإيرادات إلى جانب الأسعار العالمية.

وأشار إلى أن الاقتصاد النفطي يقوم على ركيزتين أساسيتين هما السعر والإنتاج، موضحًا أن الأسعار يحددها السوق العالمي، بينما يُعد رفع الإنتاج عاملًا داخليًا مهمًا لتعزيز الإيرادات، بما يمنح المصرف المركزي، مساحة أكبر لمعالجة التحديات الاقتصادية على المدى القصير.

ولفت الشريف، إلى أن المركزي، لا يمكنه أن يقف موقف المتفرج تجاه تدهور العملة الوطنية، باعتبار أن ذلك يدخل ضمن اختصاصاته وفق قانون المصرف رقم “1” لسنة 2005، مشددًا على ضرورة استخدام أدواته المتاحة للتعامل مع الأوضاع الاقتصادية.

وفي سياق متصل، أشار الشريف، إلى تحسن في الإيرادات النفطية، موضحًا أن بعض التقديرات الرسمية تحدثت عن 705 ملايين دولار، في حين أظهرت بيانات أخرى أن إيرادات شهر فبراير تجاوزت 2 مليار دولار، مع توقعات بارتفاعها إلى أكثر من 3 مليارات دولار خلال شهر مارس، مدعومة بارتفاع أسعار النفط في ظل التوترات الجيوسياسية العالمية. معتبراً أن ارتفاع أسعار النفط من 60 دولارًا إلى ما بين 110 و120 دولارًا للبرميل يمثل مؤشرًا إيجابيًا قد ينعكس على زيادة الإيرادات وتحسن الأوضاع المالية خلال الفترة المقبلة.

وحول الاتفاق المالي الموحد، أكد الشريف، أنه من الناحية الاقتصادية يُفضل وجود ميزانية موحدة حتى في ظل وجود سلطتين سياسيتين، موضحًا أن الفرق يكمن بين “ميزانية موحدة” و”حكومة موحدة”، حيث تعني الأولى توحيد الإنفاق في إطار اقتصادي واحد رغم الانقسام السياسي.

وأكد أن وجود حكومة واحدة يمثل الأساس الصحيح لإدارة الشأن المالي والاقتصادي في البلاد، مشيرًا إلى أن تعدد الجهات المنفذة للإنفاق يؤدي إلى تضخم الأرقام المالية وتعقيد عمليات الترشيد والرقابة وضبط الصرف، لافتًا إلى أن الوضع السياسي ينعكس بشكل مباشر على الأداء الاقتصادي.

وشدد الشريف على أن المعالجات الاقتصادية الحالية تُعد “إسعافية” وتهدف بالدرجة الأولى إلى تخفيف الأعباء عن المواطن، في ظل الارتفاع الكبير في سعر الدولار وانعكاسه المباشر على أسعار السلع، نظرًا لاعتماد ليبيا الكبير على شراء الواردات بالعملة الأجنبية. مضيفاً بالقول: حتى السلع المحلية تتأثر بسعر الصرف بسبب ارتفاع المكون الأجنبي فيها إلى ما بين 70 و80%، معتبرًا أن ذلك يمثل تحديًا اقتصاديًا كبيرًا.

وبيّن الشريف، أن المصرف المركزي، يتعامل مع الوضع الاقتصادي ضمن “حالة إسعاف” عبر إجراءات قصيرة المدى، في حين أن الإصلاح الاقتصادي الحقيقي وإعادة الهيكلة ما تزال بحاجة إلى وقت أطول، مؤكدًا أن ما يجري يمثل نوعًا من “المسكنات الاقتصادية” لتخفيف الضغط على المواطنين.

وفي سياق متصل، اعتبر الشريف، أن الاتفاقات الجارية بين الأطراف تمثل تطورًا مهمًا قد ينعكس إيجابًا على الاقتصاد، مشيرًا إلى أن توحيد الإنفاق وربطه بإيرادات النفط عبر المصرف المركزي من شأنه تقليص العجز وخفض التضخم وتحسين سعر الصرف.

وحول ملف بيع النقد الأجنبي، أوضح الشريف، أن المقترحات المطروحة أمام المصرف المركزي تتجه نحو تنظيم آلية توزيع الدولار عبر المصارف التجارية أو شركات الصرافة، مرجحًا اعتماد المصارف التجارية نظرًا لخبرتها في إدارة التعاملات النقدية.

وأكد أن الهدف الأساسي من هذه الآلية هو زيادة المعروض من الدولار وتقليص الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازي، مشددًا على أن مكافحة المضاربة لا تتحقق بالإجراءات المباشرة فقط، بل عبر زيادة العرض وتنظيم الطلب.
وحذر الشريف، من مخاطر التلاعب في تخصيص النقد الأجنبي، خاصة في الحالات المتعلقة بالعلاج أو الدراسة، مؤكدًا ضرورة وضع ضوابط صارمة للتحقق من المستفيدين ومنع إساءة استخدام هذه المخصصات.

وشدد على أن ضبط سوق الصرف يحتاج إلى مزيج من السياسات التنظيمية وزيادة المعروض من العملة الأجنبية، معتبرًا أن السوق الموازي سيظل قائمًا ما لم يتم تضييق هوامش الربح بشكل فعلي عبر سياسات نقدية ومالية متكاملة.
كما قال الشريف، إن الإنفاق الحكومي خارج الموازنة يمثل أكبر مصدر ضغط على الاقتصاد، مشيرًا إلى أن حجمه يصل إلى “مليارات” ويؤثر بشكل مباشر على استقرار السوق النقدي.

وألمح إلى أن ضبط الموازنة العامة وحصر الإنفاق داخلها من شأنه الحد من نشاط السوق الموازي بشكل كبير، لافتًا إلى أن المضاربين يتأثرون مباشرة بتوقعات انخفاض الدولار، ما يدفعهم إلى التخلص من العملات الأجنبية لتجنب الخسائر.

ورأى أن تقليص الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازي يتطلب السيطرة الكاملة على الإنفاق العام، مؤكدًا أن استمرار الإنفاق خارج الأطر الرسمية يُبقي على هوامش المضاربة ويضعف فاعلية سياسات المصرف المركزي.

ولفت الشريف، إلى أن تحسن المعروض من النقد الأجنبي مرتبط بعوامل خارجية أبرزها تطورات إنتاج النفط والاستقرار السياسي، لافتًا إلى أن أي زيادة في الإنتاج أو تحسن في الأوضاع الأمنية سينعكس إيجابًا على توفر العملة الأجنبية وانخفاض أسعارها.

وبيّن أن قدرة المصرف المركزي، على الدفاع عن سعر الصرف، تبقى محدودة في ظل استمرار الظروف الحالية، محذرًا من أن غياب الإصلاحات الهيكلية قد يؤدي إلى ارتفاع سعر الدولار في السوق الموازي على المدى المتوسط والطويل.

وفيما يتعلق بتوقعات أسعار الصرف، رجّح الشريف، تحسن قيمة الدينار الليبي خلال الفترة المقبلة في حال استقرار الأوضاع وتطبيق سياسات نقدية منضبطة، مشيرًا إلى إمكانية تراجع سعر الدولار إلى ما دون الثمانية دنانير وقد يصل في بعض السيناريوهات إلى حدود سبعة دنانير أو أقل قليلًا.

وأكد أن هذا التحسن مشروط بوجود ميزانية موحدة وانضباط كامل في الإنفاق العام، معتبرًا أن توحيد الموازنة يمثل “الشرط الضروري” لتحقيق الاستقرار النقدي وتقليص الفجوة بين السعرين الرسمي والموازي.

واختتم الشريف، تصريحاته بالتأكيد على أن أي إصلاح اقتصادي حقيقي يظل مرهونًا بتوحيد الإنفاق العام وربطه بإيرادات الدولة عبر المصرف المركزي، محذرًا من أن استمرار الانقسام المالي سيبقي الضغوط على سعر الصرف والأسواق.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى