بوزعكوك: استقرار سعر الدولار يمهّد لتعافي الاقتصاد ويحفّز بيئة الاستثمار

أكد رئيس منتدى بنغازي للتطوير الاقتصادي، خالد بوزعكوك، أن مصرف ليبيا المركزي يمضي في اتجاه واضح لتعزيز الشفافية والإفصاح بشأن حجم توريدات العملة الأجنبية، ولا سيما الدولار النقدي، مشيرًا إلى وصول شحنات مالية كبيرة خلال الفترة الأخيرة، كان آخرها شحنة تُقدَّر بنحو 600 مليون دولار، سبقتها شحنتان مماثلتان، في إطار ما وصفه باستمرارية تدفق النقد الأجنبي إلى السوق الليبي.
وأوضح بوزعكوك، في حديث لقناة “ليبيا الحدث”، رصدته “الساعة24″، أن انتظام وصول هذه الشحنات يعكس وجود آلية مستقرة لتوريد وتوزيع العملة الصعبة، الأمر الذي يُعد مؤشرًا إيجابيًا على تحسن إدارة النقد الأجنبي، فضلًا عن دوره في تعزيز الثقة بين المصرف المركزي والمواطنين، بعد فترة طويلة من التذبذب والجدل حول توفر الدولار في السوق.
كما أضاف أن المركزي شرع في تفعيل منظومات تنظيمية حديثة تهدف إلى تسهيل عمليات توزيع العملة الأجنبية، حيث يتم تنفيذ إجراءات الحجز وصرف المبالغ خلال فترة زمنية وجيزة لا تتجاوز 48 ساعة، على أن يتلقى المواطنون رسائل من المصارف تتضمن “أكوادًا” مخصصة لإيداع المبالغ في حساباتهم، يليها التنسيق مع شركات الصرافة المعتمدة لاستكمال عمليات الصرف، وهو ما يعكس تحسنًا ملحوظًا في كفاءة النظام المصرفي وقدرته على الاستجابة لطلبات المواطنين بشكل أكثر تنظيمًا وشفافية.
وفيما يتعلق بآليات التوزيع، شدد بوزعكوك على ضرورة وضوح المنظومة المعتمدة في توزيع النقد الأجنبي على المصارف وشركات الصرافة، داعيًا إلى الإفصاح عن حجم المخصصات المالية لكل منطقة أو فرع مصرفي ضمن نشرات اقتصادية دورية يصدرها مصرف ليبيا المركزي، بما يعزز الشفافية ويحد من الشكوك التي قد تنشأ حول عدالة التوزيع.
ومن ناحية أخرى، أشار إلى أن إشراك شركات الصرافة إلى جانب المصارف التجارية في منظومة توزيع الدولار يمثل خيارًا عمليًا في المرحلة الحالية، خاصة في ظل خضوع هذه الشركات لإشراف مباشر من المصرف المركزي، وهو ما يسهم في تقنين نشاطها ودمجها ضمن إطار قانوني منظم، ويحد من احتمالات عودة المضاربات في السوق الموازية.
وأكد أن هذه المنظومة، رغم ما قد تواجهه من تحديات تنظيمية في بداياتها، بدأت تحقق نتائج إيجابية، خاصة بعد سلسلة من الاجتماعات والتنسيق مع أصحاب شركات الصرافة، إلى جانب التشديد على ضرورة الالتزام بالضوابط القانونية ومنع أي استخدام غير مشروع للمخصصات النقدية.
وبالانتقال إلى العوامل المؤثرة في هذا المسار، لفت بوزعكوك إلى أن الضغوط الدولية لعبت دورًا بارزًا في تسريع وتيرة الإصلاحات في سوق النقد الأجنبي، مشيرًا إلى أن هذه الضغوط أسهمت في الإفراج عن كميات كبيرة من الدولار، ما انعكس على تحسن مستوى توفره داخل السوق، وساهم في تحقيق قدر من الاستقرار النسبي في سعر الصرف.
وشدد على أن استقرار سعر صرف الدولار يُعد عنصرًا محوريًا في الاقتصاد الليبي، نظرًا لاعتماد البلاد الكبير على الاستيراد، الذي يشكل نحو 95% من احتياجات السوق، الأمر الذي يجعل أي تقلب في سعر الصرف ينعكس بشكل مباشر على تكاليف المعيشة وحياة المواطنين اليومية.
كما أضاف أن استقرار سعر الدولار ينعكس إيجابًا على النشاط الاقتصادي والاستثماري، ويشجع الشركات المحلية والأجنبية على العمل داخل ليبيا، لا سيما في ظل الحديث المتزايد عن مشاريع إعادة الإعمار ودخول شركات جديدة إلى السوق، وهو ما يعزز من فرص تحريك عجلة الاقتصاد.
وفي المقابل، انتقد بوزعكوك الفجوة الكبيرة التي شهدتها الفترة الماضية بين السعر الرسمي للدولار وسعره في السوق الموازية، معتبرًا أنها وصلت إلى مستويات غير مقبولة، مؤكدًا أن تقليص هذه الفجوة يمثل خطوة أساسية لتحسين بيئة الأعمال وتعزيز الاستقرار الاقتصادي.
وأوضح أن المواطن يُعد المستفيد الأول من توفير النقد الأجنبي عبر القنوات الرسمية، سواء من خلال خفض تكاليف المعيشة أو الحد من تقلبات الأسعار، إلى جانب استفادة المصارف من الرسوم والاستقطاعات، وتحقيق الشركات لمنافع تشغيلية، فضلًا عن تعزيز صورة الدولة ماليًا أمام المجتمع الدولي باعتبارها قادرة على إدارة سعر صرف عملتها بشكل أكثر استقرارًا.
كما لفت إلى أن توفير الدولار النقدي (الكاش) يسهم في تقليص عمليات التهريب والاستخدامات غير المشروعة، مقارنة بالبطاقات المصرفية التي قد تُستغل في عمليات تحويل غير قانونية أو تهريب الأموال عبر الحدود.
وأكد بوزعكوك أن السياسات الاقتصادية التي يتبناها مصرف ليبيا المركزي ليست وليدة اللحظة، بل تمثل امتدادًا لتوجهات سابقة، تقوم على تطبيق توصيات صادرة عن خبراء صندوق النقد الدولي، عقب لقاءات مع بعثات دولية في تونس، مشيرًا إلى أن هذه التوصيات تستند إلى تجارب ناجحة في معالجة أزمات اقتصادية مشابهة في عدد من الدول.
غير أنه شدد، في المقابل، على أن الأثر الإيجابي لهذه الإجراءات سيظل محدودًا ما لم تتم معالجة الإشكاليات البنيوية الكبرى، وفي مقدمتها الفساد والانقسام المؤسسي ووجود حكومتين، فضلًا عن حجم الإنفاق العام غير المبرر، الذي يشكل عبئًا إضافيًا على الاقتصاد الوطني.
وانتقد بوزعكوك توسع الإنفاق الحكومي، بما في ذلك حجم البعثات الدبلوماسية والملحقيات في الخارج، معتبرًا أن بعضها لا يتناسب مع الوضع السياسي والاقتصادي الراهن، داعيًا إلى ضرورة ترشيد الإنفاق وتوجيه الموارد نحو تحسين الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للمواطنين، إلى جانب الاستثمار في مشاريع تنموية في مجالات الزراعة والصناعة والبنية التحتية.
ومن جهة أخرى، تطرق إلى ملف التهريب، مؤكدًا أن السيطرة الكاملة عليه تمثل تحديًا كبيرًا، إلا أنه شدد على أهمية تعزيز الرقابة على المنافذ البرية والجوية، وتفعيل دور الجمارك بشكل أكبر، مشيرًا إلى وجود عمليات تهريب لسلع مستوردة بالدولار عبر الحدود، خاصة نحو تونس، مستفيدة من فروق الأسعار، وهو ما يشكل ضغطًا إضافيًا على سوق العملة الأجنبية.
وأضاف أن بعض السلع، لا سيما الإلكترونية والمنزلية، يتم إدخالها إلى السوق المحلي بالدولار ثم إعادة تهريبها إلى الخارج، معتبرًا أن هذه الظاهرة تمثل ثغرة اقتصادية تستوجب المعالجة من خلال تنظيم المنافذ وتطوير آليات الرقابة، إلى جانب إنشاء مناطق حرة منظمة تُدار بشكل قانوني وتحقق إيرادات للدولة.
كما أشار إلى أن عمليات التهريب عبر المنافذ البرية والجبلية، وحتى عبر الأنفاق، وأحيانًا بمشاركة مجموعات مسلحة، تُعد من أبرز مظاهر الهدر في العملة الصعبة، داعيًا إلى تعزيز السيطرة المؤسسية على هذه المنافذ.
أما على مستوى سوق العمل، فقد شدد على أهمية تنظيم أسعار العمالة، خاصة الوافدة، في قطاعات مثل البناء، مشيرًا إلى تأثير سعر الصرف على تكلفة الأجور، وداعيًا إلى وضع آليات تنظيمية واضحة بالتنسيق مع الجهات الرقابية وغرف التجارة والنقابات المهنية لضبط الأسعار وتحقيق الاستقرار في السوق.
وفي سياق متصل، أكد بوزعكوك ضرورة تفعيل الدور الرقابي لمؤسسات الدولة، بما في ذلك مجلس النواب وديوان المحاسبة وهيئات الرقابة ومكافحة الفساد، مشيرًا إلى أن هذه الجهات، رغم تخصيص ميزانيات كبيرة لها، لا يزال تأثيرها محدودًا على أرض الواقع.
كما انتقد ضعف الرقابة على الأسعار في السوق المحلي، موضحًا أن بعض السلع تُسعّر بناءً على سعر الدولار في السوق الموازية، ما يؤدي إلى ارتفاع غير مبرر في الأسعار، داعيًا إلى تكثيف حملات التفتيش ومراجعة الفواتير ومستندات الاستيراد، خاصة أن مصادر السلع معروفة ويمكن تتبع أسعارها عالميًا.
ولفت إلى استمرار ارتفاع أسعار الخضروات رغم توفر المواسم الزراعية، معتبرًا ذلك مؤشرًا على وجود خلل في آليات التسعير والرقابة، ومؤكدًا ضرورة منح منظمات حماية المستهلك صلاحيات أوسع لمتابعة الأسواق.
وفي ختام حديث، شدد بوزعكوك على أن نجاح السياسات النقدية والإصلاحات الاقتصادية يتطلب تكامل الجهود بين المصرف المركزي ووزارة المالية والأجهزة الرقابية، من خلال تقييم مستمر للإجراءات المتخذة، وعقد اجتماعات دورية لمتابعة تأثيرها على السوق ومستوى معيشة المواطنين، وصولاً إلى تحقيق استقرار اقتصادي مستدام.









