التهامي: مبادرة بولس ستفتح الباب أمام مرحلة مختلفة في مسار الأزمة الليبية

أكد الكاتب الصحفي أحمد التهامي، أن المبادرة الأمريكية لحل الأزمة الليبية تستمد أهميتها، في المقام الأول، من توقيتها، إذ جاءت عقب سلسلة طويلة من الجهود الدولية التي لم تنجح في إنهاء الانقسام أو الوصول إلى تسوية نهائية.
وأوضح “التهامي” في تصريحات لتليفزيون المسار، أن ليبيا شهدت خلال السنوات الماضية مؤتمرات دولية واجتماعات إقليمية واتصالات متعددة الأطراف، غير أن تلك المساعي لم تُفضِ إلى بناء سلطة موحدة قادرة على إدارة البلاد بشكل مستقر.
ورأى أن دخول الولايات المتحدة على خط الأزمة بمبادرة جديدة يحمل دلالات سياسية مهمة، بالنظر إلى ثقلها الدولي على المستويات السياسية والاقتصادية والعسكرية.
وأشار الكاتب الصحفي إلى أن واشنطن لا تُعد طرفًا عاديًا، بل تمتلك قدرة واسعة على التأثير، سواء بشكل مباشر أو من خلال دورها داخل المؤسسات الدولية، بما في ذلك الأمم المتحدة، ما يمنح مبادرتها إمكانية حشد دعم دولي أوسع مقارنة بمحاولات سابقة.
واعتبر أن طرح هذه المبادرة يعكس جدية أمريكية في التعاطي مع الملف الليبي، مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة كان بإمكانها البقاء في موقع المراقب، إلا أن انخراطها المباشر وطرحها لمبادرة مدعومة من أعلى المستويات السياسية يعكس رغبة في الدفع نحو تسوية، وربما تحقيق اختراق سياسي في هذا الملف المعقد.
ولفت التهامي إلى أن أسلوب الإدارة الأمريكية الحالية في إدارة هذا الملف يختلف عن النمط التقليدي، حيث لم يعد الاعتماد مقتصرًا على القنوات الدبلوماسية والمؤسسات الرسمية، بل برز دور مباشر للرئيس الأمريكي دونالد ترامب في توجيه السياسة الخارجية.
ومن زاوية أخرى، رأى التهامي أن التحرك الأمريكي يرتبط أيضًا برغبة في تحقيق مكسب سياسي وإعلامي، مستفيدًا من شبكة العلاقات التي تربط واشنطن بمختلف الأطراف الليبية، إلى جانب علاقاتها مع قوى إقليمية مؤثرة مثل مصر وتركيا، وكذلك أطراف دولية أخرى، ما قد يمنح المبادرة قدرة على تحقيق توازن بين المصالح المختلفة، ويُسهم في تسهيل قبولها من قبل الأطراف المتنازعة.
وشدد التهامي على أن الحاجة إلى وساطة دولية قوية أصبحت أكثر وضوحًا، في ظل التجارب السابقة التي أظهرت أن الاتفاقات غير المدعومة بضمانات دولية تبقى عرضة للتعثر.
وبين أن أي تسوية سياسية تحتاج إلى طرف قادر على ضمان تنفيذها ومتابعتها، وهو ما قد توفره الولايات المتحدة عبر أدوات الضغط التي تمتلكها، بما في ذلك القدرة على فرض عقوبات على الأطراف المعرقلة.
وفيما يتعلق بمواقف الشارع الليبي، أشار إلى وجود تباين طبيعي بين مؤيد ومعارض للمبادرة، غير أنه لفت إلى أن المزاج العام بات يميل إلى البحث عن حلول عملية، بعيدًا عن الجدل السياسي. لافتاً أن سنوات الأزمة أثقلت كاهل المواطنين اقتصاديًا واجتماعيًا، في ظل تدهور الخدمات وارتفاع تكاليف المعيشة وتذبذب سعر العملة، ما جعل الأولوية لديهم تنصرف نحو تحقيق الاستقرار وتحسين الأوضاع اليومية.
أما بشأن المواقف في المنطقة الغربية، رفض التهامي اختزالها في اتجاه واحد، مؤكدًا وجود تباين واضح حتى داخل المدن نفسها، حيث تتعايش مواقف مؤيدة وأخرى معارضة، ما يعكس غياب الإجماع ووجود تعددية في الرؤى.
وفي السياق ذاته، أشار إلى أن بعض الأطراف الرافضة للمبادرة قد تتحرك بدوافع تتعلق بالحفاظ على مواقعها السياسية، خاصة تلك التي لا تمتلك نفوذًا فعليًا، في حين تبدو الأطراف المؤثرة أكثر حذرًا في مواقفها نظرًا لحسابات الخسارة والربح.
كما لفت إلى غياب بدائل واضحة لدى بعض المعارضين، حيث تكتفي بعض المواقف برفض المبادرة دون تقديم رؤى عملية للحل، ما يضعف من تأثيرها، خصوصًا في ظل رغبة عامة لدى المواطنين في الوصول إلى تسوية.
واختتم التهامي مؤكدا على أن مبادرة بولس تمثل فرصة جديدة قد تفتح الباب أمام مرحلة مختلفة في مسار الأزمة الليبية، لكنها في الوقت ذاته تواجه تحديات كبيرة، ما يجعل مصيرها مفتوحًا بين احتمالات النجاح أو الانضمام إلى قائمة المبادرات التي لم تحقق أهدافها، في ظل معادلة معقدة تجمع بين التفاؤل الحذر والشكوك القائمة.









