الشريف: توقعات بانخفاض سعر الدولار إلى 6.90 دينار بنهاية مايو الحالي
أكد أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي علي الشريف، أن مصرف ليبيا المركزي يواصل تنفيذ سياسة توفير الدولار وفق قاعدة العرض والطلب، مع استمرار إدخال شحنات النقد الأجنبي تدريجياً إلى السوق عبر المصارف التجارية، متوقعاً أن ينعكس ذلك على انخفاض سعر صرف الدولار خلال الفترة القريبة القادمة، وقد يصل إلى نحو 6.90 دينار مع نهاية شهر مايو، في حال استمرار الاستقرار النسبي في العوامل الداخلية والخارجية.
وأشار في حديث لقناة «ليبيا الحدث»، رصدته «الساعة 24» إلى أن حجم التدفقات الدولارية التي تسلمها المصرف المركزي بلغ أكثر من 2.5 مليار دولار، إضافة إلى شحنات شهرية تقدر بنحو 600 مليون دولار، ما يعزز قدرة المصرف على تغطية الطلب في السوق بشكل مستمر.
وأوضح الشريف أن تأخر وصول بعض شحنات الدولار إلى ليبيا يعود إلى أسباب لوجستية وأمنية تتعلق بعمليات النقل والتوزيع، في ظل حساسية الوضع الأمني وخضوع البلاد لمتابعة دولية دقيقة.
كما أشار إلى أن هذه الظروف فرضت على المصرف المركزي الالتزام الصارم بآليات توزيع منظمة عبر المصارف التجارية، مع استبعاد شركات الصرافة مؤقتاً نظراً لحداثة تجربتها وعدم جاهزيتها لإدارة كميات كبيرة من النقد الأجنبي.
وبيّن أن المصرف المركزي قدم ضمانات للمؤسسات الدولية بقدرته على توزيع السيولة دون تدخلات أو توجيه غير رسمي، وهو ما عزز التزامه بالإطار التنظيمي القائم.
ورأى الشريف أن زيادة المعروض من الدولار في السوق ستؤدي تدريجياً إلى تقليص نشاط المضاربة، حيث يتوقع أن يتراجع الطلب الانتظاري لدى بعض المتعاملين الذين يراهنون على انخفاض السعر مستقبلاً. ومع تحسن الإمدادات، يُتوقع أن يشهد السوق انخفاضاً تدريجياً في سعر الصرف بنحو 15 إلى 20 قرشاً في بعض المراحل الأولية، قبل أن يستقر تدريجياً عند مستويات أقرب إلى السعر الحقيقي.
ولفت إلى أن نجاح سياسة استقرار سعر الصرف يعتمد على عاملين رئيسيين يتمثلان أولاً في التزام الحكومات بالإنفاق ضمن الموازنة المتفق عليها اقتصادياً، وهو شرط أساسي لضمان فاعلية سياسة المصرف المركزي. أما العامل الثاني يتمثل في التطورات الجيوسياسية، خاصة ما يتعلق بالتوترات في مضيق هرمز، التي تؤثر على أسعار النفط وبالتالي على الإيرادات العامة للدولة.
وبيّن أن أي انفراج في التوترات الخارجية قد يؤدي إلى انخفاض أسعار النفط نسبياً، مما ينعكس على هامش إيرادات الدولة وقدرتها على دعم السياسة النقدية.
وتوقع الشريف أن تشهد الفترة المقبلة، خلال شهرين إلى ثلاثة أشهر، انفراجاً تدريجياً في سوق النقد الأجنبي، مع تحسن ملحوظ في الانسيابية داخل المصارف التجارية، ما يؤدي إلى تقليص الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازي.
كما أشار إلى أنه بعد استقرار السوق واقتراب الأسعار من مستوياتها الحقيقية، يمكن إعادة إدماج شركات الصرافة في عملية توزيع الدولار، بما يخفف العبء الإداري عن المصارف ويزيد من كفاءة التوزيع، بشرط ضبط السوق ومنع أي مضاربات أو استغلال.
وذكر أن نجاح المرحلة الحالية يتوقف على استمرار تدفق العملة الأجنبية بشكل منتظم، والتزام جميع الأطراف بالسياسات المالية والنقدية المتفق عليها، مؤكداً أن استقرار السوق النقدي في ليبيا يظل مرتبطاً بتوازن العوامل الداخلية والخارجية واستمرارية إمدادات الدولار.
وقال الشريف إن القدرة على الحفاظ على سعر صرف الدينار الليبي أمام الدولار “تظل محدودة نظريًا وعمليًا في الظروف الحالية”، مشيرًا إلى أن الضغوط الاقتصادية، وعلى رأسها تراجع أسعار النفط وارتفاع بند المرتبات الذي بلغ نحو 80 مليار دينار، تمثل عوامل رئيسية تؤثر على استقرار السياسة النقدية.
وأضاف أن “التضخم في الإنفاق العام” وارتفاع الدين العام إلى مستويات قياسية، يضعان المصرف المركزي أمام خيارين صعبين: إما استنزاف الاحتياطيات الأجنبية أو اللجوء إلى خفض جديد في قيمة العملة المحلية، وهو ما قد يحدث – بحسب تقديره – إذا لم تستقر الإيرادات النفطية خلال الفترة المقبلة.
وأكد الشريف أن الحفاظ على سعر صرف مستقر عند مستوى 6.40 دينار مقابل الدولار يتطلب سياسات مالية وتجارية ونقدية منسقة، إلى جانب وجود حكومة موحدة قادرة على ضبط الإنفاق العام، وتقليص عدد الوزارات والهيئات، بما يحد من الضغط على الطلب على العملة الأجنبية.
وأردف: أن جزءًا كبيرًا من الأزمة يرتبط بارتفاع الواردات غير المبررة وضعف الرقابة الجمركية، موضحًا أن ما بين 30 إلى 40% من الواردات قد يعاد تصديرها إلى دول مجاورة نتيجة فروقات الأسعار، وهو ما يخلق تشوهات كبيرة في السوق.
وشدد على أن معالجة هذه الاختلالات تتطلب تكامل السياسات المالية والنقدية والتجارية، معتبرًا أن المصرف المركزي يعمل ضمن حدود صلاحياته، لكنه لا يملك السيطرة الكاملة على كل أدوات السياسة الاقتصادية.
وفيما يتعلق بآليات توزيع النقد الأجنبي على المواطنين، أوضح الشريف أن المصرف المركزي اعتمد إجراءات تهدف إلى تعزيز الشفافية والانسيابية في توفير الدولار، مشيرًا إلى أن النظام المعتمد للتوزيع عبر المصارف يضمن نوعًا من التنظيم والرقابة، مع توقعات باستمرار توفر العملة الأجنبية خلال الأشهر المقبلة.
وفي تقييمه للمخاطر، نفى الشريف أن تكون الإجراءات الحالية “خطيرة” كما يصفها بعض الخبراء، معتبرًا أن المصرف المركزي يتحرك ضمن واقع اقتصادي “مرير ومعقد”، ويعمل على معالجة تراكمات السنوات السابقة الناتجة عن الانقسام السياسي وتعدد مراكز القرار.
واختتم مداخلته بالتأكيد على أن التحدي الأكبر لا يكمن فقط في السياسة النقدية، بل في قدرة الدولة على توحيد مؤسساتها، وضبط الإنفاق، وإعادة التوازن للاقتصاد، محذرًا من استمرار تآكل الدخل الحقيقي للمواطن واتساع الفجوة الاجتماعية مع تراجع الطبقة الوسطى تدريجيًا.









