الفيتوري: السلع لن تنخفض فورًا في ظل تمسك التجار بالمخزون القديم

اعتبر الخبير الاقتصادي عطية الفيتوري، أن الخطوة التي اتخذها مصرف ليبيا المركزي والمتمثلة في ضخ الدولار النقدي مباشرة للمواطنين عبر المصارف التجارية تُعد “خطوة جيدة” من الناحية الفنية ضمن إطار عمل السوق النقدي، موضحًا أن الاقتصاد يقوم أساسًا على ثلاثة أسواق رئيسية، تشمل سوق العملات المرتبط بتداول النقد الأجنبي، وسوق السلع والخدمات الذي يمثل السوق الحقيقي، إضافة إلى سوق الأوراق المالية الخاصة بالأسهم والسندات.
وأوضح الفيتوري، في حديث لقناة “ليبيا الحدث”، رصدته “الساعة 24″، أن الإجراء الحالي يندرج ضمن سوق العملات الأجنبية، مشيرًا إلى أن زيادة عرض الدولار في السوق ستؤدي بطبيعتها إلى انخفاض سعره، غير أن حجم هذا التراجع سيظل مرتبطًا بالكميات المطروحة وحجم الطلب، الذي توقع أن يكون مرتفعًا في المرحلة الأولى، مع احتمال اصطفاف المواطنين للحصول على العملة الأجنبية خلال الأيام الأولى من التطبيق.
وأضاف أن هذه الخطوة، رغم ما يصاحبها من ضغط كبير على الطلب في بدايتها، من شأنها أن تسهم في تقليص الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية، مع تسجيل انخفاض ملحوظ في سعر الصرف، لافتًا إلى أن الشارع الليبي يترقب هذه الإجراءات على أمل أن تنعكس إيجابًا على أسعار السلع الأساسية.
وبيّن الفيتوري أن آلية العرض والطلب تظل العامل الحاسم في تحديد الأسعار، مؤكدًا أن ضخ كميات كبيرة من الدولار خلال الفترة المقبلة سيدفع سعره نحو التراجع، إلا أن انعكاس ذلك على أسعار السلع لن يكون فوريًا، إذ قد يتأخر نتيجة تمسك التجار بتسعير المخزون الحالي وفق أسعار الشراء السابقة المرتفعة.
وأشار إلى أن هذا التأخر يُعد سلوكًا طبيعيًا في الأسواق على المدى القصير، موضحًا أن التجار يعتمدون على مخزونات تم شراؤها بأسعار أعلى، ما يجعل تعديل الأسعار يحتاج إلى فترة زمنية قد تمتد من أسبوعين إلى شهر قبل أن تظهر آثار انخفاض سعر الصرف بشكل واضح على الأسواق.
وفيما يتعلق بفاعلية ضخ السيولة الأجنبية، أوضح الفيتوري أن ضخ مليار دولار كمرحلة أولى لا يُعد كافيًا لتحقيق استقرار مستدام، مشددًا على أن نجاح هذه الخطوة يعتمد بشكل أساسي على استمرارية التدفقات، وليس على ضخ مؤقت أو متقطع، إذ إن توقف الضخ بعد فترة قصيرة سيؤدي إلى عودة سعر الدولار للارتفاع، في حين أن الاستمرارية قادرة على امتصاص الطلب المرتفع المتوقع خلال الأشهر الأولى.
وشدد على ضرورة أن يحدد المصرف المركزي إطارًا زمنيًا واضحًا وآلية مستمرة لضخ العملة الأجنبية، معتبرًا أن ثقة المواطنين في قدرة المصرف على توفير الدولار بشكل دائم تمثل عنصرًا حاسمًا في نجاح هذه السياسة، إذ إن تعزيز هذه الثقة سيقلل من الطلب المُضارب، بينما يؤدي غيابها إلى زيادة الطلب بدافع القلق من الانقطاع.
وفي السياق ذاته، دعا الفيتوري إلى وضع خطة سنوية واضحة تتضمن مواعيد وكميات الضخ، بما يعزز استقرار السوق، مؤكدًا أن الإيرادات الحالية من النقد الأجنبي تسمح بتنفيذ هذه السياسة دون الحاجة الملحة إلى السحب من الاحتياطيات، وإن حدث ذلك فإنه يظل مبررًا في إطار دعم استقرار الدينار.
وأوضح أن استقرار العملة لا يتحقق عبر القرارات الإدارية أو القانونية فقط، بل من خلال توفير العملة الأجنبية بشكل كافٍ ومنتظم، مستشهدًا بفترات سابقة كان فيها الدولار متاحًا بسهولة داخل المصارف، ما ساهم في تحقيق استقرار نسبي في السوق.
وأعرب الفيتوري عن تفاؤله الحذر تجاه هذه الخطوة، مشيرًا إلى أن نجاحها يتطلب إجراءات موازية، من بينها إعلان التزام واضح من المصرف المركزي بالحفاظ على استقرار سعر الصرف، إضافة إلى العمل على توحيد سعر الدولار في السوق، محذرًا من استمرار تعدد الأسعار بين النقدي والتحويلات أو البطاقات، لما لذلك من تأثير سلبي على الثقة واستقرار السوق.
وأكد أن اعتماد سعر صرف موحد ومعلن لفترة زمنية محددة من شأنه أن يعزز ثقة المواطنين في الدينار، ويقلل من ظاهرة الاكتناز والمضاربة، ما يدعم استقرار السوق النقدي.
وفيما يتعلق بالأسعار، أشار الفيتوري إلى أن عدم تراجع أسعار السلع رغم انخفاض الدولار في السوق الموازية يُعد ظاهرة معروفة، حيث ترتفع الأسعار بسرعة عند ارتفاع التكاليف، لكنها لا تنخفض بنفس الوتيرة عند تراجعها، موضحًا أن هذا السلوك مرتبط بالممارسات التجارية التي تدفع بعض التجار إلى رفع الأسعار حتى على المخزون القديم. مبيناً أن هذه الظاهرة ليست حكرًا على ليبيا، بل تُسجل في مختلف الأسواق العالمية، حيث تتفاعل الأسعار صعودًا بشكل سريع، لكنها تتباطأ في الانخفاض، مشيرًا إلى أن التجار غالبًا ما يبررون ذلك بتكاليف سابقة أو توقعات مستقبلية، وهو ما لا يعكس دائمًا الواقع بشكل كامل.
ولفت إلى أن احتكار القلة يمثل عاملًا مهمًا في هذا السياق، حيث يمنح وجود عدد محدود من المستوردين أو الموردين في بعض القطاعات قدرة على التحكم في الأسعار، في ظل ضعف المنافسة، وهو ما يتعزز بطبيعة السوق الليبي كاقتصاد صغير محدود الفاعلين. مشيراً إلى أن تعزيز المنافسة يتطلب وجود عدد أكبر من الموردين، بما يمنع التحكم في السوق، ويحد من الممارسات الاحتكارية التي تؤثر سلبًا على المستهلك.
وفيما يخص آلية توزيع الدولار، اعتبر الفيتوري أن منح النقد الأجنبي مباشرة للمواطنين يُعد خيارًا أفضل مقارنة بالاكتفاء بتوفيره عبر البطاقات، موضحًا أن المواطن المستفيد يحقق منفعة مباشرة من خلال استخدامه وفق احتياجاته أو حتى بيعه في السوق.
ورفض الطرح القائل إن المواطن يتحول إلى وسيط لصالح تجار السوق الموازية، مؤكدًا أن الفائدة تعود عليه بشكل مباشر، في حين تبقى أرباح المتعاملين في السوق ضمن هامش محدود ناتج عن فروقات الأسعار. لافتاً إلى أن استخدامات الدولار لدى المواطنين متعددة، وتشمل العلاج، والدراسة في الخارج، والتحويلات، إضافة إلى احتياجات يومية أخرى، ما يمنحهم مرونة في إدارة مواردهم المالية.
وفيما يتعلق بدور شركات الصرافة، أوضح أن التوجه الأولي كان يمنحها دورًا أكبر في توزيع العملة، إلا أن الاعتماد على المصارف التجارية يُعد الخيار الأنسب، لافتًا إلى أن شركات الصرافة في التجارب الدولية تعتمد على مواردها الذاتية، ولا تحصل عادة على العملة مباشرة من المصارف المركزية.
وبينّ أن شركات الصرافة في ليبيا لا تزال تعتمد بدرجة كبيرة على السوق الموازية، من خلال شراء الدولار من المواطنين بالسعر الرسمي ثم إعادة بيعه وفق أسعار السوق، متوقعًا استمرار هذا النمط خلال المرحلة الحالية. واعتبر أن هذه الشركات تلعب دورًا مهمًا في التحويلات، بما في ذلك التحويلات غير الرسمية، مؤكدًا أن مستقبل دورها سيظل مرتبطًا بوضوح سياسة المصرف المركزي.
وتوقع الفيتوري أن تبقى هوامش أرباح شركات الصرافة محدودة نسبيًا في حال استمرار ضخ الدولار بشكل منتظم، مع إمكانية تقارب سعر الصرف إلى مستويات تقارب 6.90 دينار للدولار، نتيجة زيادة العرض.
ورجّح سيناريو متفائلًا لمسار سعر الصرف، مشيرًا إلى أن استمرار ضخ الدولار بشكل منتظم سيؤدي إلى انخفاض ملموس في قيمته خلال الأشهر المقبلة، مع إمكانية اقترابه من مستوى 6.90 دينار. موضحاً أن التحدي الأساسي يكمن في المرحلة الأولى، حيث يتطلب السوق كميات كبيرة لتغطية الطلب المرتفع، إلا أن هذا الطلب سيتراجع تدريجيًا بعد ثلاثة إلى أربعة أشهر مع استقرار السوق.
كما شدد على ضرورة إعلان المصرف المركزي التزامًا واضحًا بتلبية الطلب على الدولار، مؤكدًا أن هذه الخطوة ستحد من المضاربات التي تعد العامل الأكثر تأثيرًا في تقلبات سعر الصرف.
وفي هذا الإطار، أشار إلى أن المضاربة، إلى جانب الفساد المرتبط بسوء الإنفاق، تمثلان التحديين الأبرز أمام استقرار العملة، موضحًا أن عجز الميزانية ليس العامل الوحيد المؤثر، مستشهدًا بتجارب دول نفطية استطاعت الحفاظ على استقرار عملاتها رغم وجود ديون، بفضل غياب المضاربات.
واختتم الفيتوري تصريحاته بالتأكيد على أن الاستمرار في هذا النهج، مع توفير الدولار بشكل منتظم، سيؤدي إلى تقارب كبير في سعر الصرف، مع إمكانية تقليص حجم الضخ تدريجيًا خلال فترة تتراوح بين ستة إلى سبعة أشهر، بما يعزز فرص تحقيق استقرار نقدي مستدام في ليبيا.









