امطيريد: المبادرة الأمريكية إعادة الملف الليبي إلى الاهتمام الدولي بعد سنوات من الجمود السياسي

قال المحلل السياسي، محمد امطيريد، إن التحركات الأمريكية الأخيرة بشأن الملف الليبي دخلت مرحلة متقدمة وجادة من العمل السياسي، معتبراً أن زيارة المبعوث الأمريكي مسعد بولس، إلى القاهرة هدفت بالدرجة الأولى إلى طمأنة مصر والدول الإقليمية المعنية بشأن مسار المبادرة الأمريكية وآليات تنفيذها، في ظل مؤشرات متزايدة على انتقالها من مرحلة المشاورات إلى مراحل تنفيذية أكثر وضوحاً على الأرض.
وأوضح امطيريد، في حديث لقناة “ليبيا الأحرار”، رصدتها صحيفة الساعة 24، أن اللقاءات التي استضافتها القاهرة وشاركت فيها مصر ودول إقليمية أخرى جاءت في سياق الحراك المرتبط بالمبادرة الأمريكية الخاصة بتسوية الأزمة الليبية، مشيراً إلى أن هذه الاجتماعات أعقبت البيان الثلاثي الصادر عن مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة والمجلس الرئاسي، والذي حظي بدعم مباشر من مصر وجامعة الدول العربية.
ورأى أن هذا الدعم حمل رسائل سياسية واضحة إلى الولايات المتحدة مفادها أن الأطراف الإقليمية الفاعلة لا تزال حاضرة ومؤثرة في المشهد الليبي، وأن ليبيا تمثل قضية استراتيجية بالنسبة لدول الجوار، الأمر الذي يفسر توجه بولس إلى القاهرة في هذا التوقيت.
وأشار إلى أن زيارة المبعوث الأمريكي لم تستهدف تغيير المسار السياسي القائم أو إعادة صياغة المبادرة، بل جاءت لطمأنة الدول الإقليمية وعلى رأسها مصر بشأن طبيعة المرحلة المقبلة، لافتاً إلى أن هذا التوجه انعكس عملياً في الزيارة الأخيرة التي أجراها مسؤولون من جهاز المخابرات المصرية إلى رئيس حكومة الوحدة المؤقتة، عبد الحميد الدبيبة، وهو ما يعكس ـ بحسب تقديره ـ تقدماً ملحوظاً في مسار المبادرة الأمريكية.
واستبعد امطيريد، إمكانية نجاح القاهرة في تعديل المسار الذي تقوده واشنطن أو استبداله بمسار آخر في هذه المرحلة، مؤكداً أن المبادرة الأمريكية قطعت شوطاً متقدماً في بناء التوافقات الإقليمية والدولية اللازمة لتنفيذها.
وقال إن أي تحرك مصري لإقناع الولايات المتحدة وشركائها الإقليميين بالانتقال إلى مشروع بديل يستند إلى مبادرة الرئاسات الثلاث كان ينبغي أن يبدأ في وقت مبكر، قبل وصول المبادرة الأمريكية إلى مراحل الحشد والتوافق الحالية.
وأضاف أن القاهرة تدرك جيداً طبيعة التحركات التي يقودها بولس، كما تدرك جدية الإدارة الأمريكية في التعاطي مع الملف الليبي والدعم الذي تحظى به المبادرة داخل مؤسسات صنع القرار الأمريكية، الأمر الذي يجعل فرص تغيير مسارها محدودة للغاية في الوقت الراهن.
وفي السياق ذاته، نفى امطيريد، أن تكون اللقاءات الأخيرة قد استهدفت التأثير على الموقف التركي أو إقناع أنقرة بتغيير توجهاتها، موضحاً أن تركيا تعد من أبرز الداعمين للمبادرة الأمريكية، وأن هناك تقاطعاً واضحاً بين الرؤيتين الأمريكية والتركية بشأن المرحلة المقبلة في ليبيا.
واعتبر أن جوهر الحراك الدبلوماسي الأخير تركز في القاهرة باعتبارها الطرف الإقليمي الأكثر تحفظاً على بعض تفاصيل المشروع السياسي الجاري العمل عليه، مشيراً إلى أن زيارة بولس وما رافقها من اجتماعات أسهمت في طمأنة الجانب المصري وإشراك عدد من الدول العربية في فهم ملامح المرحلة القادمة.
وفي تقييمه لمسار التحركات الأمريكية، قال امطيريد، إن واشنطن نجحت خلال الفترة الماضية في إعادة الملف الليبي إلى مركز الاهتمام الإقليمي والدولي بعد سنوات من الجمود السياسي، موضحاً أن هذا المسار بدأ عبر سلسلة من الاجتماعات والاتصالات المكثفة شملت لقاءات في أنقرة وروما مطلع عام 2025، إلى جانب زيارات أجراها المبعوث الأمريكي ريتشارد نورلاند وفريقه إلى مصر وتركيا والسعودية وغيرها من الدول المؤثرة في الملف الليبي.
وأضاف أن كثيراً من المتابعين ركزوا خلال الأشهر الماضية على أعمال اللجنة الاستشارية ومسارات الحوار المختلفة، في حين لم يحظ الحراك الأمريكي بالاهتمام الكافي رغم تحركه بوتيرة متسارعة نحو بناء توافقات إقليمية ودولية داعمة للحل السياسي.
ورأى امطيريد، أن الاجتماع الأخير في القاهرة يمثل محطة مهمة ضمن هذا المسار، وأن مخرجاته ستشكل قاعدة للخطوات اللاحقة، رافضاً التقليل من أهميته أو ربطه حصراً بملفات إقليمية أخرى مثل الملف السوداني.
وأشار إلى أن الولايات المتحدة تنظر إلى استقرار ليبيا باعتباره ضرورة استراتيجية مرتبطة بالأمن الإقليمي في شمال أفريقيا والشرق الأوسط، كما ترى أن استمرار الأزمة الليبية يعرقل جهود معالجة أزمات أخرى في المنطقة، بما في ذلك الأزمة السودانية.
ولفت امطيريد، إلى وجود توافق أمريكي غير مسبوق بين البيت الأبيض ووزارة الخارجية ووزارة الدفاع بشأن ضرورة الدفع نحو تسوية الأزمة الليبية، معتبراً أن وصف الحراك الجاري بأنه بروتوكولي أو غير مؤثر لا ينسجم مع حجم التطورات السياسية الحالية.
وأوضح أن المشهد الليبي يشهد حراكاً سياسياً متواصلاً انعكس في البيانات والمواقف الصادرة عن مختلف الأطراف، إضافة إلى دعم بعثة الأمم المتحدة وعدد من أعضاء مجلس النواب والقيادة العامة للجيش الوطني الليبي للجهود السياسية الجارية.
وفيما يتعلق بالدور المصري، أكد امطيريد، أن التحركات الأخيرة للقاهرة تنطلق من قراءة واقعية لمراكز التأثير السياسي والعسكري في ليبيا، مشيراً إلى أن المصالح المصرية لا ترتبط بطرابلس فقط، بل تشمل أيضاً مؤسسات الشرق الليبي، وعلى رأسها مجلس النواب والقيادة العامة للجيش الوطني الليبي.
وقال إن زيارة المسؤولين المصريين إلى طرابلس لا تعني تجاوز الشرق الليبي أو تهميشه، وإنما تعكس إدراكاً لطبيعة الأزمة الحالية التي تتمركز في العاصمة، مؤكداً أن القاهرة تواصل اتباع سياسة متوازنة قائمة على التواصل مع مختلف الأطراف الليبية كما فعلت عند تشكيل حكومة الوحدة الوطنية عام 2021.
وأضاف أن الزيارة المصرية الأخيرة إلى طرابلس جاءت بعد سلسلة من التحركات والاتصالات الإقليمية والدولية، وهدفت إلى التفاهم مع رئيس حكومة الوحدة المؤقتة، بشأن الملفات السياسية والأمنية ومستقبل العملية السياسية.
ورداً على ما يتردد بشأن وجود تباينات داخل معسكر الشرق الليبي، قال امطيريد، إن التصريحات والمواقف الصادرة عن بعض الشخصيات السياسية والعسكرية تندرج ضمن حق الأطراف المختلفة في التعبير عن رؤاها، ولا تعكس وجود انقسام حقيقي أو رفض للمسار السياسي المطروح.
وأشار إلى أن شخصيات بارزة في الشرق الليبي، من بينها بلقاسم حفتر وخالد حفتر، تشارك في الحراك السياسي والنقاشات المتعلقة بمستقبل التسوية، نافياً وجود مؤشرات على فتور العلاقة بين القاهرة وصدام حفتر، مستشهداً في هذا السياق بالزيارة الرسمية التي أجراها صدام حفتر إلى القاهرة، والتي قال إنها عكست مستوى التنسيق والتفاهم القائم بين الجانبين.
وفي معرض حديثه عن المرجعيات السياسية للمبادرات المطروحة، شدد امطيريد، على أن أي مبادرة جديدة لا يمكن فصلها عن المسار الذي انطلق مع مؤتمري برلين الأول والثاني. موضحا أن مؤتمر برلين الأول وضع الأساس لشكل السلطة التنفيذية خلال المرحلة الانتقالية، في حين ركز برلين الثاني على تثبيت وقف إطلاق النار وترتيبات المرحلة اللاحقة بعد حرب 2019.
وأضاف أن ملتقى الحوار السياسي في جنيف أفرز حكومة الوحدة المؤقتة، وفق صيغة جديدة للسلطة التنفيذية تقوم على مجلس رئاسي ورئيس حكومة، مؤكداً أن القاسم المشترك بين مختلف المراحل يتمثل في استمرار الاعتماد على المرجعية التي أرساها مسار برلين مع اختلاف آليات اختيار الشخصيات.
وأشار امطيريد، إلى أن الطروحات الحالية تتجه نحو تقليص عدد الوسطاء والأجسام المشاركة في عمليات الاختيار السياسي، والتركيز بصورة أكبر على الأطراف الفاعلة والمؤثرة على الأرض.
وفيما يتعلق بمستقبل العملية السياسية، أوضح امطيريد، أن المشهد الليبي يشهد حالياً حراكاً متسارعاً بين الطرفين الرئيسيين المؤثرين على الأرض، وهما القيادة العامة المسيطرة على مناطق الشرق والجنوب، وحكومة الوحدة المؤقتة، في طرابلس المدعومة دولياً.
وأضاف أن المشاورات الجارية بين الطرفين تستهدف التوصل إلى صيغة توافقية للمرحلة المقبلة، بما يشمل الاتفاق على شخصية تتولى رئاسة الحكومة الجديدة بدعم من الأطراف المؤثرة في الشرق والغرب.
وأوضح امطيريد، أن الخلاف حول هوية رئيس الحكومة المقبلة لا يزال قائماً، وهو ما أدى إلى تأجيل الإعلان عن تفاهمات نهائية أو إصدار بيان رسمي بشأن نتائج المشاورات. مشيرا إلى أن بعض الشخصيات السياسية دعت رئيس حكومة الوحدة المؤقتة إلى إعلان موقفه بشكل واضح من المبادرة الأمريكية، معتبراً أن استمرار الغموض حول موقف الحكومة يمثل أحد أسباب تعثر التفاهمات حتى الآن.
ورأى أن القيادة العامة قدمت تنازلات سياسية من أجل إنجاح التسوية، رغم امتلاكها نفوذاً واسعاً في المجالات العسكرية والأمنية والاقتصادية بالمناطق الخاضعة لسيطرتها، في حين تواجه حكومة الوحدة المؤقتة تحديات مرتبطة ببسط نفوذها الكامل على بعض المناطق والتشكيلات المسلحة في الغرب الليبي.
وأضاف أن أبرز عناصر القوة التي يتمتع بها الدبيبة تتمثل في الاعتراف والدعم الدوليين، وهو ما يجعله لاعباً أساسياً في أي تسوية سياسية مقبلة.
وشدد امطيريد، على أن الأزمة الليبية لا يمكن اختزالها في صراع بين الشرق والغرب، بل هي أزمة سياسية وأمنية تتعلق بمستقبل الدولة ووحدة مؤسساتها وسيادتها، مشيراً إلى أن عدداً من القيادات العسكرية المنضوية تحت لواء الجيش الوطني الليبي تنحدر من مناطق في غرب البلاد، ما يعكس ـ بحسب وصفه ـ طابعاً وطنياً يتجاوز الاعتبارات الجهوية.
وأكد أن انخراط القيادة العامة في الحوارات والمبادرات السياسية ينبع من قناعة بضرورة الوصول إلى حل ليبي شامل، لافتاً إلى أن المرحلة الحالية تشهد للمرة الأولى لقاءات ومفاوضات مباشرة بين ممثلي القيادة العامة وحكومة الوحدة الوطنية.
واعتبر امطيريد، أن الرهان الحقيقي يتمثل في قدرة المبادرة الأمريكية على الانتقال من مرحلة التفاهمات السياسية إلى مرحلة التنفيذ الفعلي، مشيراً إلى أن المؤشرات الحالية توحي بوجود تصور شبه مكتمل لشكل المرحلة المقبلة وآلياتها التنفيذية، بينما لا تزال الأسماء المرشحة للمناصب السيادية والتنفيذية قيد النقاش.
وأضاف أن الخيارات المطروحة تتراوح بين إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية أو الاكتفاء بانتخابات برلمانية، مرجحاً أن يكون السيناريو الأخير الأقرب وفق المعطيات المتوافرة حالياً. مؤكدا أن الاتفاق القائم حتى الآن يتركز على آلية العمل وشكل العملية السياسية وخطوات تنفيذها، بينما لم يتم الإعلان رسمياً عن الهيكل القيادي أو الشخصيات التي ستتولى المناصب الرئيسية.
وختم امطيريد، بالتأكيد على أن جميع الأسماء المتداولة لا تزال في إطار التكهنات السياسية، وأن الصورة النهائية للمشهد الليبي لن تتضح إلا من خلال البيانات والإعلانات الرسمية التي ستصدر عن الأطراف المحلية والدولية المنخرطة في المبادرة المرتقبة.









