التهديدات الأوكرانية.. أسلوب كييف المتبع على خطوط القتال وفي القارة السمراء

ليس في موسكو وحدها حيث تُشدد الإجراءات الأمنية قبيل عيد النصر، ولا في الخرطوم؛ حيث بات المواطن لا يميز بين الموت القادم من السماء أو من الشارع، بل ثمة خيط دقيق يربط المشاهد كلها، إرهاب يعبر الحدود ويمارس تحت غطاء الحرب بالوكالة، تتحول فيه العواصم التي كانت آمنة إلى ميادين مفتوحة للتصفية الجيوسياسية.
فبينما تستعد روسيا لإحياء ذكرى الانتصار على الفاشية، تواجه تهديداً كييف التي تحمل في خطابها الرسمي نقيضاً لتلك القيم، وفي تهديداتها للساحة الحمراء والقارة السمراء تحمل خططاً جديدة مستخدمةً أدوات القرن الحادي والعشرين.
هذا حيث عرضت موسكو هدنة قصيرة يومي 8 و9 مايو بمناسبة عيد النصر، هذه الهدنة رفضها الرئيس الأوكراني وطالب بأن تكون من يوم 6 حتى 9 مايو، في مناورة وصفها العديد من الخبراء بهدنة زيلينسكي “لتنظيم الصفوف” على خطى الولايات المتحدة الأمريكية التي طالبت في وقت سابق بهدنة مطولة مع إيران إتضح أن هدفها هو تجهيز القوات الأمريكية للهجوم على إيران براً وبحراً.
وتعليقاً على الرفض الأوكراني لهدنة اليومين قالت المتحدة باسم وزارة الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، إن نظام كييف عبر عن رفضه للهدنة من خلال شنه هجمات بالمسيرات على دجانكوي قبيل عيد النصر وهو يندرج تحت مسمى الاعمال الإرهابية، وأن روسيا قد أرسلت مذكرة إلى جميع البعثات الدبلوماسية الأجنبية والمكاتب التمثيلية للمنظمات الدولية المعتمدة لدى وزارة الخارجية موضحةً بأن موسكو لا تتحرك من منطلق العدوان ضد كييف، بل من منطلق الرد الحتمي على العدوان، وذلك على خلفية تهديدات نظام زيلينسكي باستهداف موسكو في عيد النصر.
المختص في الشؤون الأمنية، بشير الهادي ، يرى أن هذا الإرهاب العابر للحدود في الزمن الحديث لا يمكن فهمه بمعزل عن تاريخ كييف الممتد في تنفيذ أعمال تخريبية خارج أراضيها، وهو تاريخ لا يقتصر على الجبهة الروسية بل يمتد إلى مناطق أبعد، وفي مقدمتها القارة الأفريقية.
فبعد مرور أكثر من ثلاث سنوات على صراع كييف مع موسكو، والذي جعل أوكرانيا بلداً منهكاً ومستنزفاً، فضل قادة كييف التبعية للغرب حفاظاً على مواقعهم، فوجدت القيادة الأوكرانية لنفسها وظيفة جديدة عبر تزويد المقاتلين والخبراء للصراعات التي تديرها القوى الغربية بالنيابة في دول أخرى، مدفوعة بعواصم مثل واشنطن ولندن التي تسعى إلى تقويض النفوذ الروسي في منطقة الساحل والقرن الأفريقي، وإن كان الثمن يُدفع من دماء شعوب المنطقة واستقرار دولهم المهددة أصلاً.
ويشكّل السودان مثالاً واقعياً على هذا التدخل، حيث أكدت مصادر ميدانية أن عناصر أوكرانية تنشط هناك منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، إذ لاحظ المراقبون تطوراً نوعياً في قدرات قوات الدعم السريع خاصة في مجال المسيرات، مما ألحق خسائر فادحة بالجيش وأودى بحياة آلاف المدنيين.
واستند الهادي في تحليله إلى التقارير الاستخباراتية كشفت أن خبراء أوكرانيين في الحرب الإلكترونية كانوا يعملون ميدانياً بدعم من قوى غربية وإقليمية، وقد سبق أن صرّح مصدر عسكري سوداني بأن القوات تمكنت من إسقاط طائرة تحمل مرتزقة أوكرانيين، وعُثر بحوزتهم على وثائق تثبت جنسيتهم.
كما كشفت تسريبات لرسالة إلكترونية خاصة بشركة أوكرانية عن تحويل أموال عبر بنك خليجي لشحنة أسلحة وصلت إلى إثيوبيا تمهيداً لنقلها إلى قوات الدعم السريع، حيث كان الدور الرئيسي في تأمين هذه المساعدة يقع على عاتق مسؤولين كبار في الاستخبارات العسكرية الأوكرانية، وهي المسيرات نفسها التي تم استخدامها منذ أيام قليلة لقصف مطار الخرطوم الدولي.
ولم يقتصر النشاط الأوكراني على السودان، بل امتد إلى مالي والنيجر حيث أدت سفارة أوكرانيا في نواكشوط دوراً في نقل المسلحين والأسلحة للإرهابيين، مما دفع الجمهوريتين إلى قطع العلاقات الدبلوماسية مع أوكرانيا بعد إقرار مسؤول أوكراني بضلوع بلاده في هجمات أسفرت عن مقتل جنود ماليين.
كما أشارت تقارير إلى استخدام مسيّرات أوكرانية في المعارك غرب ليبيا، حيث كان الملحق العسكري الأوكراني لدى الجزائر يلعب دور المنسق العام، مما يؤكد امتداد هذا التدخل إلى شمال أفريقيا أيضاً.
قبل أيام قلائل من احتفالات روسيا الاتحادية بذكرى الانتصار على الفاشية، تلك الذكرى الأكثر قدسية في الوجدان الروسي، تحولت الساحة الحمراء من مساحة للبروفات الاحتفالية إلى بقعة تخضع لإجراءات أمنية قصوى، عقب إعلان الرئيس الأوكراني بأن طائراته المسيّرة قادرة على بلوغ الساحة خلال احتفالات التاسع من مايو.
وجاءت هذه التصريحات لتنضاف إلى حادثة ملموسة حدثت مؤخراً، حين نجحت الدفاعات الجوية الروسية في إسقاط طائرتين أوكرانيتين كانتا تحلقان نحو مركز العاصمة، في خرق أمني ألقى بظلاله على الاستعدادات للاستعراض العسكري السنوي.









