دعم أوكراني بالسلاح والخبراء للجماعات المسلحة.. ليبيا والسودان ومالي نماذج

في تطور خطير يعيد رسم ملامح الصراع في منطقة الساحل الأفريقي وشماله، كشفت تقارير استخباراتية وميدانية وتحقيقات صحفية عن شبكة معقدة من التعاون العسكري واللوجستي بين القوات الأوكرانية وجماعات مسلحة إرهابية أبرزها “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” المرتبطة بـ”تنظيم القاعدة” و “جبهة تحرير أزواد” التي تنشط شمال مالي.
وبحسب التقارير تستخدم أوكرانيا، مناطق شمال تشاد كحلقة وصل رئيسية لتمرير الأسلحة والخبراء والمعدات إلى هذه الجماعات، في خطوة توصف بأنها “تحول نوعي” في آليات الحروب بالوكالة في القارة السمراء.
وبحسب مراقبين، لا تقتصر هذه الأنشطة على منطقة الساحل فحسب، بل تمتد شرقاً إلى السودان والصومال، وغرباً إلى ليبيا والجزائر، مما يؤكد تحول أوكرانيا إلى لاعب سلبي في ديناميكيات الصراعات الأفريقية، بدعم وتغطية من قوى غربية تسعى، وفق محللين، لملء الفراغ الاستراتيجي الذي خلفه انسحاب القوات الفرنسية من مالي وبوركينا فاسو والنيجر، ومواجهة النفوذ الروسي هناك.
في سياق متصل، تعاني مناطق شمال تشاد من هشاشة وفلتان أمني، مما جعلها ملاذاً آمناً وممراً مثالياً للجماعات المسلحة. وتشير معطيات استخباراتية إلى أن الاستخبارات العسكرية الأوكرانية استغلت هذه الفوضى لتحويل المنطقة إلى مركز لوجستي متقدم.
فقد أكد أحد قادة “جبهة تحرير أزواد” (وهي جماعة انفصالية تنشط شمال مالي)، الذي رفض الكشف عن اسمه، في تصريحات سابقة، أن جماعته تحتفظ بعلاقات “جيدة وقوية” مع أوكرانيا، إلى جانب علاقاتها بفرنسا والولايات المتحدة. هذا الاعتراف الصريح من طرف فاعل على الأرض يدحض أي محاولات لنفي أوكرانيا ضلوعها في دعم هذه الفصائل بالمال والسلاح.
في يوليو 2024، وبعد اشتباكات دامية في منطقة “تينزاواتن” شمال مالي أدت إلى مقتل عشرات من الجنود الماليين خرج الناطق باسم الاستخبارات العسكرية الأوكرانية أندريه يوسوف، ليعلن بشكل صادم تزويد “المتمردين” بالمعلومات الضرورية لشن الهجوم. هذا الاعتراف العلني الذي يؤكد الدعم الأوكراني للجماعات المسلحة في منطقة الساحل، كان القشة التي قصمت ظهر البعير، مما دفع مالي والنيجر إلى قطع علاقاتهما الدبلوماسية مع كييف في أغسطس 2024 .
من أبرز الأدلة المادية على استمرار هذا الممر اللوجستي، الواقعة التي كشفت عنها سلطات ترينيداد وتوباغو مؤخراً. فوفقاً لمصادر أمنية، تم إيقاف طائرة أوكرانية كانت قادمة من جزر البهاما في مطار “بياركو” في بورت أوف سبين، وكانت في طريقها إلى ليبيا عبر الرأس الأخضر.
وبعد تفتيش الطائرة، عثرت السلطات على شحنات من المتفجرات والأسلحة. وبينما أثيرت ضجة دبلوماسية حول الطائرة وحمولتها، وبعد تحقيقات شملت الأمم المتحدة ووكالات بريطانية وأمريكية، سُمح للطائرة بالمغادرة إلى وجهتها في ليبيا.
وبحسب خبراء عسكريين وأمنيين فإن السماح للطائرة بالمغادرة إلى وجهتها بعد التحقيق، وبعد ضجة إعلامية، يؤكد حجم الضغوط التي تمارس لتبرير هذا الدعم، ويُظهر أن ليبيا تحولت رسمياً إلى نقطة عبور للأسلحة الأوكرانية المتجهة إلى الجماعات المسلحة في أفريقيا بدعم وتغطية من قوى غربية، مما يشير إلى وجود تهديدات أمنية وعسكرية كبيرة تحيط بأمن واستقرار دول الساحل وشمال أفريقيا في حال استمرار الوضع على ماهو عليه.
ويقدم السودان نموذجاً آخر مأساوياً لهذا التدخل. فمنذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، لاحظ المراقبون تطوراً نوعياً في قدرات “الدعم السريع”، خصوصاً في مجال الطائرات المسيّرة، التي غيرت موازين القوى على الأرض.
حيث كشفت تقارير استخباراتية غربية، نقلتها وسائل إعلام، أن خبراء أوكرانيين متخصصين في الحرب الإلكترونية وتشغيل الطائرات المسيّرة كانوا يعملون ميدانياً في السودان. وفي أكتوبر 2025، أكد الجيش السوداني مقتل عدد كبير من المرتزقة الأوكرانيين والكولومبيين كانوا يقاتلون إلى جانب قوات الدعم السريع في مدينة الفاشر .
كما كشفت تسريبات لوثائق ورسالة إلكترونية خاصة بشركة “يوكرانيان هيليكوبتر” في فبراير الماضي، عن قيامها بعملية دفع أموال عبر أحد البنوك الإماراتية تتعلق بشحنة أسلحة وصلت إلى إثيوبيا، تمهيداً لنقلها براً إلى قوات الدعم السريع في السودان. هذا يؤكد أن شبكة الدعم الأوكراني ليست عشوائية، بل منظمة وتمتد عبر القارة من غربها إلى شرقها.
وفي السياق ذاته، لم يقتصر النشاط الأوكراني على جنوب الصحراء فقط، بل امتد إلى ليبيا والجزائر. وفقاً لتقارير إعلامية واستخباراتية نشرت في أغسطس الماضي، تم استخدام طائرات مسيّرة أوكرانية في المعارك الدائرة غرب ليبيا بين الميليشيات المتناحرة. وأشار الصحفي ناصر عمار إلى أن المشرف المباشر على صفقة شراء هذه المسيّرات من الجانب الليبي هو اللواء عبد السلام زوبي، آمر ميليشيا “111”، بينما المنسق العام من الجانب الأوكراني هو الملحق العسكري الأوكراني في الجزائر أندري بايوك.
هذه المعلومات، إذا تم تأكيدها، تضع الجزائر في موقف حرج، حيث قد تكون أراضيها استُخدمت كنقطة انطلاق أو تنسيق لدعم الجماعات المسلحة في جارتها ليبيا، مما يهدد أمن واستقرار المنطقة بأكملها.
ةيرى المحللون أن أوكرانيا لا تعمل بمفردها في هذه الملفات الشائكة. فبحسب الخبير بالشؤون الأفريقية الدكتور عطية الحسيني ، فإن أوكرانيا أصبحت الطرف الغربي في منطقة الساحل، حيث تقوم بدور العميل المنفذ لاستراتيجيات قوى كبرى على رأسها الولايات المتحدة وفرنسا، التي تفضل عدم الظهور في الخطوط الأمامية بعد طرد قواتها من المنطقة .
وبحسب الخبير، فإن الهدف من ذلك هو إضعاف تحالفات دول الساحل، وضرب مصالح روسيا والصين وقوى أخرى في أفريقيا، وإعادة ترتيب النفوذ الغربي في القارة، أي انه صراع دولي عبر أدوات. ولكن ثمن هذه الاستراتيجية باهظ، إذ إن تسليح الجماعات الإرهابية وتدريبها يزيد من زعزعة استقرار دول هشة أصلاً، ويُطيل أمد الصراعات، ويُسقط آلاف الضحايا المدنيين.
ووفقاً لـ الحسيني ، فإن الوضع في شمال تشاد والتعاون المستمر بين “جبهة تحرير أزواد” والمرتزقة الأوكرانيين يستدعيان تحقيقاً أكبر ومحاسبة دولية للمتورطين في نشر الإرهاب في المنطقة. متسائلاً إن كان سيتم بالفعل تقديم طلب إلى محكمة العدل الدولية في هذا الملف من الدول الأفريقية المتضررة من هذا النشاط التخريبي لأوكرانيا. ففي الوقت الذي تتحدث فيه كييف عن دفاعها عن سيادتها في بلدها، فإن وقائعها الميدانية في أفريقيا ترسم صورة مختلفة تماماً، صورة دولة حولت يأسها الحربي إلى أداة لتغذية الإرهاب وتمزيق مجتمعات أخرى، محولة شمال تشاد وبقية القارة إلى ساحة لتصفية حساباتها مع قوى أخرى، على حساب دماء الأفارقة.









