زيدان: خطاب الدبيبة يؤكد “فك الارتباط” مع تيارات الإسلام السياسي

اعتبر القانوني والباحث السياسي، فرج زيدان، أن التصريحات الأخيرة لرئيس حكومة الوحدة المؤقتة، عبد الحميد الدبيبة، تحمل رسائل سياسية واضحة موجهة بالأساس إلى تيارات الإسلام السياسي، وعلى رأسها دار الإفتاء الليبية بقيادة الصادق الغرياني، إلى جانب جماعة الإخوان المسلمين.
وأوضح زيدان، في حديث لقناة “ليبيا الحدث”، رصدته “الساعة24″، أن حديث الدبيبة بشأن “العسكر” لا يستهدف القيادة العامة للقوات المسلحة، بقدر ما يوجَّه إلى الأطراف التي تستخدم ذات الخطاب، مشيرًا إلى أن تيارات الإسلام السياسي تردد عبارات مثل “الدولة المدنية”، و” لا لحكم العسكر”، وهو ما دفع الدبيبة إلى التأكيد على تمسكه بهذه المبادئ حتى في حال دخوله في صفقات سياسية، في رسالة مفادها “عدم المزايدة عليه”.
وأضاف أن الدبيبة ختم حديثه بالإشارة إلى مسألة “الفتاوى”، فيما اعتبره زيدان، توجيهًا مباشرًا إلى الصادق الغرياني، مؤكدًا رفضه لهذا النوع من التدخل، قبل أن يتطرق بشكل صريح إلى جماعة الإخوان المسلمين مطالبًا إياها بـ”نسيان هذه المسألة”.
وفي السياق ذاته، أشار زيدان، إلى أن جوهر هذه التصريحات يعكس ما وصفه بـ”حالة طلاق سياسي” بين الدبيبة وتيارات الإسلام السياسي، لافتًا إلى أن ذلك يأتي في إطار موقفه من مبادرة سياسية قائمة، ومؤكدًا أن الدبيبة بات جزءًا من ترتيبات “طاولة 4+4″، ومنخرطًا فعليًا فيما وصفه بترتيبات السلطة الجديدة.
وبيّن أن هذه الرسائل تستهدف بالدرجة الأولى الحلفاء السابقين، وعلى رأسهم دار الإفتاء وجماعة الإخوان، خاصة في ظل رفضهم لهذه الترتيبات، موضحًا أن الغرياني يعبّر عن رفضه بشكل صريح، في حين تتعامل جماعة الإخوان – بحسب وصفه – بقدر أكبر من “الذكاء السياسي” عبر التحفظ دون إعلان موقف مباشر.
وفي موازاة ذلك، لفت زيدان، إلى أن هذه التصريحات تكشف عن تحركات “خلف الكواليس”، متهمًا جماعة الإخوان بمحاولة عرقلة المبادرة رغم إدراكها لإمكانية تحققها على الأرض.
وأردف زيدان، أن المشهد السياسي في ليبيا يتجه حاليًا ضمن مسارين رئيسيين، يتمثل الأول في مسار انتقالي ناتج عن توحيد السلطة التنفيذية ضمن مخرجات طاولة “4+4″، والتي تشمل الحوكمة السياسية وتوحيد السلطة إلى جانب القاعدة الدستورية والتشريعات الانتخابية.
وتابع: “هذا المسار قد يفضي إلى خارطة طريق واضحة، خاصة بعد التقدم في ملف المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، مرجحًا تشكيل حكومة موحدة برئيس واحد، إلى جانب مجلس رئاسي جديد بديل عن المجلس الحالي.
وأضاف أن هذه التطورات تفسر، بحسب قوله، الهجوم الذي يشنه كل من محمد المنفي وعبد الله اللافي على المبادرة، معتبرًا أن مواقفهما تستند إلى إدراكهما لطبيعة الترتيبات الجارية.
كما أوضح زيدان، أن النموذج التنفيذي المرتقب يقوم على حكومة موحدة تُنفذ قراراتها على كامل التراب الليبي، إلى جانب مجلس رئاسي يتولى مهام القائد الأعلى للجيش ورئاسة الدولة، مع تحديد فعاليته وفق الشخصيات التي سيتم اختيارها.
واعتبر زيدان، أن خطاب الدبيبة يعكس تحولًا واضحًا تمثل في “فك الارتباط” مع تيارات الإسلام السياسي، وهو ما تجلى – وفق قوله – في لهجة تصعيدية غير مسبوقة، خاصة فيما يتعلق بانتقاد “الفتاوى” والإشارة المباشرة إلى الغرياني، إضافة إلى حديثه عن جماعة الإخوان.
وأرجع هذا التحول إلى انتقال الدبيبة “من قارب إلى آخر”، في ظل سعيه لإعادة التموضع سياسيًا، خصوصًا مع تراجع الاعتراف الدولي بفاعليته، مقابل صعود دور القيادة العامة للقوات المسلحة التي باتت تحظى – بحسب تقديره – بقبول متزايد من أطراف دولية.
ورغم ذلك، أشار زيدان، إلى أن الدبيبة لا يزال يخاطب الرأي العام بخطاب يستحضر أحداث عام 2019 ويرفض “حكم العسكر”، معتبرًا أن هذه الرسائل تستهدف طمأنة خصوم الإسلام السياسي بأن أي ترتيبات مستقبلية لدخول طرابلس ستكون عبر اتفاق سياسي وليس عسكريًا.
كما لفت إلى أن الدبيبة يتبنى نهجًا براغماتيًا في ظل إدراكه لتغير مواقف حلفائه السابقين، وعلى رأسهم تركيا، التي باتت تنخرط في شراكات مع القيادة العامة إلى جانب تفاهمات مع أطراف إقليمية مثل مصر. لافتاً إلى أن تصريحات الدبيبة تعكس أيضاً في محتواها خطابًا هجوميًا يتضمن اتهامات ضمنية لخصومه بـ “الإخلال بالعهود”، خاصة فيما يتعلق بشعارات الدولة المدنية.
من جهة ثانية.. اعتبر زيدان، خطاب الدبيبة بالتناقض، معتبرًا أن ممارساته في إدارة السلطة تتسم بـ “النمط الفردي” من خلال التعيينات والإقالات، وهو ما يتجاوز – بحسب تعبيره – ما يُنسب إلى الحكم العسكري من صلاحيات. وفي المقابل، أشار إلى أن الصادق الغرياني، يعتمد خطابًا “تصادميًا” يتهم فيه المبادرة السياسية بتمكين “مشروع خارجي”، وأنه “مشروع صهيوني”، إضافة إلى اتهامات بتمكين حكم العسكر والسيطرة على الثروات النفطية.
وبيّن زيدان أن جماعة الإخوان تتحرك عبر مسارين، أحدهما تعبئة الشارع بخطاب سياسي، والآخر طرح بدائل وصفها بـ “غير الواقعية”، مثل العودة إلى مسارات متعثرة كالدستور أو مبادرات الأمم المتحدة.
وعلى الصعيد الإقليمي، أشار زيدان، إلى أن الظروف الحالية، بما في ذلك التفاهمات “المصرية – التركية” والتقارب بين تركيا والقيادة العامة، إضافة إلى الدعم الأمريكي والمواقف الأوروبية المتقاربة، ساهمت جميعها في دفع هذه المبادرة.
وربط زيدان، هذه التحولات بالتوترات في الشرق الأوسط وأمن الملاحة الدولية، معتبرًا أن استقرار ليبيا بات أولوية دولية، خاصة في ظل دورها في ملفات الهجرة والطاقة وتأمين الحدود.
كما أشار إلى توجهات اقتصادية، من بينها إنشاء مناطق حرة في بنغازي وسرت وربط ليبيا بعمقها الأفريقي، مؤكدًا أن هذه المشاريع تعزز من موقع البلاد الاستراتيجي.
إلى ذلك، حذّر زيدان، من أن المبادرة السياسية الحالية تمثل “الفرصة الأخيرة” لإنهاء الأزمة، معتبرًا أن فشلها قد يؤدي إلى تعقيد المشهد بشكل غير مسبوق.
وبينّ أن استمرار الوضع القائم قد يحصر الأزمة في “إشكالية إقليم طرابلس”، محذرًا من تصاعد الدعوات الانفصالية، ومشيرًا إلى وجود تيارات مسلحة وإيديولوجية تعرقل بناء الدولة. كما دعا إلى موقف أكثر حزمًا داخل طرابلس لمواجهة هذه التحديات إذا كان الهدف الحفاظ على وحدة البلاد.
وفي تحليله لموازين القوى، أشار زيدان، إلى أن رئيس الحكومة لا يسيطر بشكل كامل على التشكيلات المسلحة في الغرب، لكنه يمتلك نفوذًا مؤثرًا، لافتًا إلى وجود انقسام داخل مدن مثل مصراتة بين تيارات مختلفة، متوقعاً دعم بعض التشكيلات المسلحة في طرابلس، للمسار الحالي.
وأكد أن التحولات الإقليمية، بما في ذلك تغير مواقف دول مثل تركيا وبريطانيا، تعزز من عزلة الأطراف الرافضة التي قد تلجأ إلى عرقلة المشروع.
وفي ختام تصريحاته، رجّح زيدان، أن يشهد مسار “4+4” تقدمًا ملموسًا خلال الفترة التي تلي عطلة العيد، في ظل قناعة دولية متزايدة بكونه الخيار الأكثر واقعية، مشيرًا إلى أن هذا المسار جاء بعد تعثر مسارات سابقة مثل لجنة “6+6”.
ولفت إلى أن مواقف بعض الدول مثل قطر وتركيا وبريطانيا وإيطاليا شهدت تحولًا باتجاه دعم هذا المسار، ما يعزز فرص نجاحه، مختتمًا بأن هذه التطورات تعكس إدراكًا دوليًا متزايدًا بأهمية استقرار ليبيا في ظل موقعها الاستراتيجي وتزايد الاهتمام الدولي بها.









