اخبار مميزةليبيا

القماطي: ليبيا تحتاج إلى سياسة لتوجيه الدولار لا لبيعه فقط

قال أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي حلمي القماطي إن بيانات شراء النقد الأجنبي للقطاع الخاص خلال النصف الأول من عام 2026 لا ينبغي قراءتها فقط باعتبارها قائمة بالشركات الأكثر حصولًا على العملة الأجنبية، بل باعتبارها «صورة أشعة للاقتصاد الليبي» تكشف طبيعة الخلل الهيكلي الذي يعاني منه.

وأوضح القماطي أن حصول 2763 شركة ومصنعًا على موافقات لشراء النقد الأجنبي يدل على وجود نشاط اقتصادي وتجاري واسع، لكنه يطرح سؤالًا حول ما إذا كان الدولار المستخدم يذهب لبناء قدرة إنتاجية محلية مستدامة أم يتحول في النهاية إلى دورة استيراد واستهلاك جديدة.

وأشار إلى أن الجزء الأكبر من الطلب يتركز في الصناعات الغذائية، والمطاحن والأعلاف، ومواد البناء، والسيارات ووسائل النقل، والمعادن والسلع الغذائية، معتبرًا أن ذلك يكشف اعتماد القطاعات التي توصف بالصناعية في ليبيا على الخارج، سواء في المواد الخام أو الآلات وقطع الغيار ومواد التعبئة والتغليف والمدخلات الوسيطة.

وأكد أن الاقتصاد الليبي ما زال «يستورد حتى لكي ينتج»، موضحًا أن شركة المطاحن تحتاج إلى استيراد القمح، ومصنع الأعلاف إلى الذرة والصويا ومكونات الأعلاف، والشركات الغذائية إلى المواد الخام والتغليف والمعدات، فيما تستورد مصانع مواد البناء المعدات والمدخلات الصناعية.

ولفت إلى أن الدورة الاقتصادية أصبحت تعتمد على النفط كمصدر للدولار، ثم الاستيراد والاستهلاك أو الإنتاج المحدود، قبل تجدد الطلب على الدولار، معتبرًا أن ذلك يعكس طبيعة الاقتصاد الريعي الليبي ويجعله شديد الحساسية لأي انخفاض في إنتاج النفط أو الأسعار، أو اضطراب سياسي، أو توقف في الإيرادات، أو توسع كبير في الإنفاق العام.

وأوضح القماطي أن وجود آلاف الشركات الطالبة للعملة الأجنبية لا يعني بالضرورة وجود قطاع خاص قوي، مشيرًا إلى الفرق بين القطاع الخاص المنتج الذي يخلق قيمة مضافة ويوظف العمالة ويقلل الواردات ويصدر للخارج، وبين قطاع يعتمد على الدولة في توفير الدولار، معتبرًا أن جزءًا من الريع النفطي انتقل إلى القطاع الخاص عبر قنوات بيع العملة الأجنبية.

وفيما يتعلق بتركز الطلب على الغذاء والدقيق والأعلاف، أشار إلى وجود جانب إيجابي يتمثل في ارتباط العملة الأجنبية بقطاعات الأمن الغذائي والسلع الأساسية، مقابل جانب خطير يتمثل في استمرار اعتماد ليبيا على الخارج في عناصر أساسية من أمنها الغذائي، مؤكدًا أن الأمن الغذائي الحقيقي لا يتحقق فقط بتوفير الدولار للاستيراد، وإنما ببناء قدرة محلية تدريجية على الإنتاج.

كما توقف عند قطاع مواد البناء، معتبرًا أن ارتفاع الطلب على النقد الأجنبي من هذا القطاع يمثل تناقضًا، في ظل امتلاك ليبيا مساحات واسعة واحتياجات ضخمة للإعمار وطلبًا كبيرًا على الإسكان وموارد طبيعية وسوقًا واسعة لمواد البناء.

وأكد أن ليبيا لم تنجح بعد في بناء منظومة صناعية متكاملة تشمل استخراج المواد الخام والتصنيع والمعدات والمدخلات والتوزيع، معتبرًا أن قطاع الإعمار يمثل فرصة لتحويله من مستهلك للدولار إلى قطاع قادر على خلق قيمة مضافة محلية.

وشدد القماطي على أن المشكلة ليست في منح الشركات العملة الأجنبية، فالاقتصاد يحتاج إلى الاستيراد، وإنما في ضرورة الانتقال من سؤال «من يحتاج الدولار؟» إلى سؤال «ماذا سيحقق الاقتصاد الليبي مقابل كل دولار يتم بيعه؟».

واقترح تصنيف استخدامات النقد الأجنبي إلى ثلاث فئات: دولار للاستهلاك، ودولار للإنتاج، ودولار استراتيجي للمشروعات التي تقلل الاستيراد مستقبلًا أو تخلق صادرات، مؤكدًا ضرورة إعطاء الأولوية للفئتين الثانية والثالثة.

وربط القماطي بين هذه البيانات واستمرار الضغط على الدولار في السوق الموازية، موضحًا أن توفير الدولار الرسمي لا يعني بالضرورة تغطية كل الطلب الحقيقي، في ظل وجود طلبات لا تحصل على الموافقة، وتأخير في التنفيذ، وطلب غير رسمي، وتحويلات شخصية، وتجارة خارج النظام المصرفي، إلى جانب احتمالات تسرب العملة والمبالغة في بعض الفواتير والطلب المضاربي والفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق.

وقال إن توسع الاقتصاد في الاستيراد دون توسع مقابل في الإنتاج والصادرات غير النفطية يبقي الطلب على الدولار أكبر من قدرة الاقتصاد على توليد مصادر مستقلة للعملة الأجنبية.

واختتم القماطي بالقول إن ليبيا لا تعاني فقط من مشكلة نقص الدولار، بل من مشكلة طريقة استخدامه، مؤكدًا أن التحول الحقيقي يجب أن يقوم على توجيه دولار النفط إلى الاستثمار الإنتاجي والتصنيع المحلي وإحلال الواردات وخلق صادرات جديدة ومصادر متعددة للعملة الأجنبية.

وأكد أن هذه البيانات تمثل دليلًا قويًا على حاجة الاقتصاد الليبي إلى سياسة وطنية واضحة لتوجيه الدولار، وليس فقط سياسة لبيع الدولار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى