معيوف: قطاع النفط الليبي يحتاج إلى هيكلة شاملة وتحديث جذري للبنية التحتية
دعا المستشار في قطاع النفط، عبد الجليل معيوف، إلى إصلاح شامل وعاجل لقطاع النفط الليبي، يشمل إعادة هيكلته بشكل كامل، ورفع كفاءة الإدارة، وتعزيز الشفافية، وتطوير البنية التحتية، بما يضمن استدامة الإنتاج وتحديث الصناعة النفطية في ليبيا وفق المعايير العالمية.
وأوضح معيوف، في لقاء مع قناة «ليبيا الحدث»، رصدته «الساعة 24»، أن المؤسسة الوطنية للنفط تُعد العمود الفقري للقطاع وأكبر مؤسساته، مبينًا أن دورها يتمثل في إدارة وإشراف شامل على المنظومة النفطية من خلال تنسيق عمل الشركات التابعة دون أن تكون جهة تشغيل مباشر.
وأضاف أن المؤسسة تُصنّف كـ “شركة قابضة”، تعود جذورها إلى المؤسسة العامة للبترول التي تأسست عام 1968، قبل أن تتحول في سبعينات القرن الماضي إلى اسمها الحالي، مشيرًا إلى أن شركات التشغيل الفعلية التي تتبع المؤسسة تبلغ نحو سبع شركات وطنية إضافة إلى شركات مشاركة.
وبيّن أن مهام الاستكشاف والإنتاج تتولاها الشركات الوطنية والمشاركة، بينما تتركز مهام المؤسسة في الإشراف والتنسيق والتسويق الدولي للنفط الخام والغاز، باعتبارها الجهة المسؤولة عن تصدير الإنتاج الليبي إلى الأسواق العالمية.
وتناول معيوف التطور التاريخي لصناعة النفط في ليبيا، موضحًا أن البلاد بدأت عمليات التنقيب بعد الاستقلال عام 1951، حيث جرى أول اكتشاف نفطي في منطقة البريقة بواسطة شركة أمريكية، لافتًا إلى أن تصدير النفط الليبي انطلق عام 1961، تزامنًا مع دخول شركات عالمية كبرى مثل “أكسون موبيل” التي ساهمت في تطوير الإنتاج خلال تلك المرحلة.
وأشار إلى أن الإنتاج الليبي بلغ في أواخر الستينات وبداية السبعينات نحو ثلاثة ملايين برميل يوميًا، قبل أن يتراجع لاحقًا بفعل عوامل متعددة تشمل وضع المكامن والقرارات السياسية والدولية، إلى جانب التطورات المرتبطة بسوق الطاقة العالمي.
ورغم هذا التراجع، أكد معيوف أن ليبيا ما تزال من أهم الدول النفطية في أفريقيا، إذ تمتلك احتياطيات تُقدّر بنحو 48 مليار برميل، وهو الأكبر في القارة، مع إنتاج يومي يتراوح بين 1.3 و1.4 مليون برميل، ما يتيح استمرار الإنتاج لعقود قد تصل إلى 60 أو 70 عامًا.
وشدد على أن النفط يمثل العمود الفقري للاقتصاد الليبي، حيث يعتمد الاقتصاد الوطني عليه بنسبة تصل إلى 95% من صادراته، ما يجعل أي إصلاح في هذا القطاع مسألة حيوية للمستقبل الاقتصادي للبلاد.
وفي سياق متصل، أشار معيوف إلى أن تقديرات الاحتياطي النفطي البالغة 48 مليار برميل ما تزال محل نقاش بين المختصين، موضحًا أن بعض التقديرات الفنية ترجح أن الاحتياطي الفعلي قد يكون أقل من ذلك بسبب الإنتاج المتراكم عبر العقود، مع احتمال وجود احتياطيات غير مكتشفة.
وتحدث عن الأحواض الرسوبية في ليبيا، مثل حوض سرت وحوض الكفرة وحوض غدامس ومسطح برقة، باعتبارها من أهم مناطق الثروة النفطية والغازية، مؤكداً أنها لا تزال تحتوي على إمكانيات غير مستغلة بشكل كامل وتحتاج إلى استكشافات إضافية مدروسة.
كما استعرض تاريخ الاكتشافات النفطية الكبرى، مشيرًا إلى حقل السرير الذي اكتشفته شركة بي بي (BP) قبل تأميمه، إضافة إلى حقل الشرارة الذي تديره ريبسول (Repsol)، وحقل الفيل الذي تديره إيني (Eni)، موضحًا أن هذه الحقول تمثل اليوم جزءًا رئيسيًا من الإنتاج الوطني.
وفيما يتعلق بتوزيع الإنتاج، أوضح أن المنطقة الغربية تضم إنتاجًا مهمًا من حقول تديرها شركات دولية، بينما تساهم المنطقة الشرقية أيضًا بإنتاج معتبر من حقول السرير ومسلة، إضافة إلى حقول أخرى في الواحات والحمادة، مشيرًا إلى تراجع بعض معدلات الإنتاج في فترات مختلفة لأسباب فنية وأمنية.
وبيّن أن ليبيا تنتج أكثر من 11 نوعًا من الخامات النفطية، من بينها خامات “الجرف” و”البوري” و”السدرة” وغيرها، موضحًا أن أغلبها يصنف ضمن الخامات عالية الجودة، وهو ما يمنح النفط الليبي ميزة تنافسية في الأسواق العالمية.
وأكد أن معيار جودة النفط يعتمد على مؤشر معهد البترول الأمريكي (API)، حيث تُعد الخامات التي تتجاوز 40 API عالية الجودة، بينما الخامات الأقل من ذلك تنتج مشتقات أثقل.
وأشار إلى أن جودة الخام الليبي، إلى جانب قربه الجغرافي من أوروبا، تمنحه ميزة تنافسية مهمة، إذ يمكن تصديره إلى الأسواق الأوروبية خلال ساعات قليلة، ما يقلل من تكاليف النقل والتأمين مقارنة بدول أخرى منتجة.
وفي ملف الشراكات الدولية، أوضح أن ليبيا تتعامل مع شركات عالمية كبرى مثل توتال إنيرجي وإيني، مؤكداً أن هذه الشركات تسهم في دعم الإنتاج ونقل التكنولوجيا.
وتناول نظام اتفاقيات الامتيازات، موضحًا أن ليبيا تعتمد منذ التسعينات على نظام اتفاقيات المشاركة في الإنتاج، والذي وصل إلى الجيل الخامس، ويقوم على جولات عطاءات تنافسية بين الشركات العالمية. لكنه أشار إلى وجود تحديات تتعلق بالشفافية في بعض العقود، لافتًا إلى أن نسب الشراكة مع بعض الشركات ارتفعت في حالات معينة، وهو ما يستدعي – حسب رأيه – تحقيق توازن بين جذب الاستثمار وحماية المصلحة الوطنية.
وفي جانب الإنتاج البشري، أكد معيوف أن القطاع يعتمد بنسبة تتراوح بين 95% و100% على الكفاءات الوطنية، بينما لا تتجاوز نسبة الأجانب 3% إلى 5%، وغالبًا ما يقتصر دورهم على الخبرات الفنية المتخصصة.
غير أنه لفت إلى وجود تحديات تتعلق بتضخم العمالة داخل القطاع، إذ يبلغ عدد العاملين نحو 70 ألف موظف مقابل إنتاج يومي لا يتجاوز 1.4 مليون برميل، مقارنة بدول مثل السعودية التي تنتج أضعاف ذلك بعدد عمالة أقل بكثير.
وأوضح أن هذا التضخم يرفع تكلفة إنتاج البرميل إلى نحو 20 دولارًا، مقارنة بتكاليف أقل بكثير في السابق، مشيرًا إلى أن ذلك يرتبط بالتوظيف غير المنظم وضعف الهيكلة الإدارية. كما أشار إلى تهالك البنية التحتية النفطية، وغياب التحديث، ونقص قطع الغيار، إضافة إلى آثار السياسات السابقة التي أثرت على الكفاءات الفنية، ما انعكس على أداء القطاع وتطوره.
وتطرق إلى ملف التكرير، موضحًا أن ليبيا تمتلك خمس مصافٍ فقط، وتعتمد على استيراد ما بين 70% و75% من احتياجاتها من البنزين، رغم أن التكرير يحقق أرباحًا أعلى من تصدير الخام. وأشار إلى أن مشاريع إنشاء مصافٍ جديدة بعد 2011 لم تُنفذ رغم الدراسات الفنية، بسبب الكلفة العالية التي قد تصل إلى 7 أو 8 مليارات دولار للمصفاة الواحدة.
وفي ملف الغاز، قال معيوف إن ليبيا تمتلك إمكانيات كبيرة غير مستغلة، رغم استمرار عمليات حرق الغاز المصاحب، مؤكدًا أن بعض المشاريع السابقة ساهمت في نقل الغاز إلى محطات الكهرباء والتصدير إلى إيطاليا عبر خطوط أنابيب بحرية وبرية.
وأضاف أن الشريك الإيطالي “إيني” يعد الأبرز في قطاع الغاز الليبي، من خلال استثماراته في الحقول والمنشآت البحرية والبرية، خاصة في منطقة مليتة وسواحل صبراتة.
وأوضح أن ليبيا لم تستغل بعد إمكانياتها البحرية بشكل كامل، باستثناء بعض المشاريع المحدودة، معتبراً أن تطوير هذا القطاع قد يضعها في موقع مهم مستقبلاً في سوق الغاز الأوروبي.
وفي سياق التكنولوجيا، دعا معيوف إلى مواكبة التطور العالمي في تقنيات الحفر والمسح الزلزالي، مشيرًا إلى أن دول الخليج تمكنت من تحقيق قفزة نوعية بفضل الاستقرار السياسي والاستثمار طويل الأمد.
واختتم معيوف بالتأكيد على أن نجاح قطاع النفط الليبي يتطلب استقرارًا سياسيًا وإصلاحًا إداريًا شاملاً، إضافة إلى تعزيز الشفافية ومحاربة الفساد، مع ضرورة وضع رؤية استراتيجية تستفيد من الثروة النفطية بما يحقق تنويع الاقتصاد الوطني واستدامة التنمية للأجيال القادمة.









