ليبيا

“بوالرايقة”: معالجة ملف الهجرة تتطلب رؤية وطنية قبل أي ترتيبات دولية

حذر المستشار في الأمن القومي، فيصل بوالرايقة، من تداعيات التحركات الدولية المتزايدة المرتبطة بملف الهجرة في ليبيا، معتبراً أن بعض المقترحات المتداولة بشأن تخصيص مواقع أو تجمعات للمهاجرين قد تمهد لتحويل البلاد إلى مركز استقبال مؤقت يتحول بمرور الوقت إلى واقع دائم، في ظل غياب رؤية وطنية شاملة لإدارة هذا الملف.

وأوضح “بوالرايقة”، في حديث لتلفزيون “المسار”، أن عدداً من الدول الغربية، من بينها إيطاليا وألمانيا وهولندا وكندا، إلى جانب جهات وشركات أخرى، تشارك في تمويل برامج ومشروعات مرتبطة بإدارة ملف الهجرة، مشيراً إلى أن المفوضية السامية لشؤون اللاجئين حصلت على تمويلات بملايين الدولارات ضمن برامجها المتعلقة بالمهاجرين واللاجئين.

وأضاف أن هذه الدول تُعد من أكثر الأطراف المستفيدة من الحد من تدفقات الهجرة غير النظامية نحو أوروبا عبر البحر المتوسط، الأمر الذي يدفع إلى طرح تساؤلات حول الأهداف الحقيقية لبعض هذه البرامج وآثارها المستقبلية على ليبيا باعتبارها دولة عبور رئيسية للمهاجرين.

وأشار إلى أن دولاً أخرى، من بينها أستراليا والنرويج والسويد، أبدت استعدادها للمساهمة في تمويل برامج مرتبطة بملف الهجرة، معتبراً أن تزايد هذا الدعم الدولي قد يؤدي تدريجياً إلى تكريس ليبيا كمحطة أو مقر مؤقت للمهاجرين، قبل أن يتحول ذلك إلى أمر واقع يصعب التعامل معه مستقبلاً.

وأشار إلى أن مفوضية اللاجئين قدمت خلال الأشهر الماضية بيانات وإحصاءات تفصيلية حول أعداد المهاجرين واللاجئين الموجودين في ليبيا وتوزيعهم الجغرافي وجنسياتهم ومسارات تحركهم، موضحاً أن هذه المعلومات تشمل شرائح مختلفة من الوافدين، سواء من النازحين بسبب النزاعات أو الباحثين عن فرص العمل أو الراغبين في العبور نحو أوروبا.

وأكد أن خطورة هذه البيانات لا تكمن في الأرقام بحد ذاتها، بل في امتلاك جهات خارجية لقاعدة معلومات واسعة ومتكاملة عن حركة الهجرة داخل ليبيا، في وقت تفتقر فيه المؤسسات الليبية إلى قواعد بيانات مماثلة أو إلى القدرة على إدارة هذا الملف بصورة استراتيجية.

وأوضح أن المعلومات المتعلقة بأعداد المهاجرين وجنسياتهم ومسارات دخولهم وتحركاتهم داخل البلاد تمثل أحد أهم عناصر صناعة القرار، مشيراً إلى أن الجهات التي تمتلك هذه البيانات تكون أكثر قدرة على توجيه السياسات ووضع التصورات المستقبلية والتأثير في القرارات المرتبطة بالهجرة والأمن والحدود.

وأضاف أن غياب المؤسسات الليبية عن إنتاج وإدارة هذه المعلومات يعكس، غياب العقل الاستراتيجي للدولة، مؤكداً أن معالجة هذا الملف لا ينبغي أن تتم من خلال ردود الفعل العاطفية أو التحركات الانفعالية، بل عبر مؤسسات قادرة على جمع البيانات وتحليلها وصياغة سياسات وطنية واضحة.

كما أشار إلى أن قواعد البيانات الخاصة بالمهاجرين قد تكون متاحة لجهات دولية متعددة، بما في ذلك المؤسسات الأمنية والاستخباراتية في الدول المعنية بملف الهجرة، لافتاً إلى أن امتلاك صورة دقيقة عن حركة المهاجرين ومساراتهم يمنح تلك الجهات قدرة أكبر على التأثير في القرارات والسياسات المتعلقة بالملف الليبي.

وأكد أن المعلومات والبيانات أصبحت تمثل أداة رئيسية من أدوات النفوذ في العصر الحديث، موضحاً أن البيانات المتراكمة يمكن تحويلها إلى نماذج تحليلية وخوارزميات تساعد على فهم الواقع الميداني وتحديد نقاط القوة والضعف والتأثير في مراكز القرار.

وعن التركيز على بعض البرامج على جنسيات بعينها، أوضح أن المفوضية السامية لشؤون اللاجئين تتحدث عن فئات متعددة تستفيد من خدماتها، تشمل لاجئين ومهاجرين من السودان وسوريا وفلسطين وإريتريا وإثيوبيا والصومال واليمن وجنوب السودان وغيرها من الجنسيات، مؤكداً أن الملف لا يقتصر على فئة واحدة كما يتم تداوله أحياناً.

وأضاف أن جمع هذه البيانات وإدارتها يتطلب وجود مؤسسات وطنية متخصصة تمتلك القدرة التقنية والاستخباراتية اللازمة لمتابعة التطورات وتحليلها، مشيراً إلى أن غياب مثل هذه المؤسسات أو ضعف أدائها يترك فراغاً تستفيد منه الأطراف الخارجية.

وفي هذا الإطار، تحدث بوالرايقة عما وصفه بحالة “الانكشاف الاستراتيجي” التي تواجهها ليبيا، موضحاً أن هذه الحالة لا تقتصر على ملف الهجرة فقط، بل تمتد إلى قطاعات أخرى تتعلق بالاقتصاد والطاقة والقطاع المصرفي، حيث أصبحت كميات كبيرة من البيانات والمعلومات الحساسة متاحة لجهات خارجية.

وأشار إلى أن امتلاك الأطراف الخارجية لمعلومات تفصيلية عن الواقع الليبي يمكن أن يُستخدم في ممارسة الضغوط السياسية أو الاقتصادية أو الأمنية، من خلال معرفة مواطن القوة والضعف داخل الدولة وتوظيفها في إدارة العلاقات والملفات المختلفة.

كما انتقد غياب الشفافية وضعف الأداء المؤسسي في التعامل مع ملف الهجرة، معتبراً أن المعلومة المتاحة للرأي العام الليبي ما تزال ناقصة ومحدودة مقارنة بحجم البيانات التي تمتلكها الجهات الدولية العاملة في هذا المجال.

وأكد أن استمرار هذا الوضع يعكس الحاجة الملحة إلى بناء مؤسسات وطنية قادرة على إنتاج المعرفة وإدارة البيانات وصياغة السياسات العامة استناداً إلى معلومات دقيقة، بدلاً من الاعتماد على تقديرات أو معلومات توفرها أطراف خارجية.

وأكد أن ملف الهجرة بات يشكل قضية ذات أبعاد استراتيجية تمس مستقبل الدولة الليبية، داعياً إلى تبني مقاربة وطنية شاملة تقوم على جمع المعلومات وتحليلها وإدارة الملف وفق رؤية سيادية واضحة، بما يضمن حماية المصالح الوطنية وتعزيز قدرة الدولة على اتخاذ قراراتها بصورة مستقلة ومستندة إلى المعرفة الدقيقة بالواقع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى