بسيكري: نجاح أي مبادرة سياسية يتطلب معالجة الأسباب الحقيقية للأزمة

قال عضو حراك إعادة الشرعية للشعب، عبد الوهاب بسيكري، إن مخرجات الحوار المهيكل لا تزال تواجه تحديات كبيرة تتعلق بإمكانية تطبيقها على أرض الواقع، مؤكداً أن جوهر الأزمة الليبية لا يكمن في شكل السلطة التنفيذية بقدر ما يرتبط باستمرار الخلاف حول القوانين الانتخابية والأساس الدستوري المنظم للعملية السياسية.
وأوضح بسيكري، في مداخلة على قناة “التناصح”، رصدتها “الساعة 24″، أن هناك من ينظر إلى مخرجات الحوار باعتبارها رؤية ليبية جامعة يمكن أن تسهم في حل الأزمة، في حين يرى آخرون أنها لا تعدو كونها مخرجات تشاورية ما زالت محل خلاف منذ انطلاق هذا المسار.
وأشار إلى أن البعثة الأممية ما زالت تحاول الوصول إلى حل سياسي من خلال الآليات نفسها التي أُسست منذ توقيع الاتفاق السياسي الليبي في الصخيرات، لافتاً إلى أن مختلف المبعوثين الأمميين الذين تعاقبوا على الملف الليبي التزموا بالمرجعيات السياسية المعتمدة، وفي مقدمتها اتفاق الصخيرات ومخرجات عملية برلين وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة.
وأضاف أن هذه المرجعيات حصرت مسارات الحل في إطار التوافق بين مجلسي النواب والدولة، أو اللجوء إلى آليات بديلة محددة في حال تعذر هذا التوافق، مؤكداً أن هذه المعادلة ما زالت تحكم إدارة العملية السياسية حتى اليوم.
وأشار بسيكري، إلى أن اللجنة الاستشارية والحوار المهيكل أعادا طرح العديد من القضايا التي نوقشت في مراحل سابقة، لافتاً إلى أن بعض أعضاء اللجنة نجحوا في فرض مناقشة المسار الدستوري رغم أنه لم يكن ضمن أولويات البعثة الأممية في البداية، على حد تعبيره.
وأكد أن مسألة الدستور والاستفتاء عليه ظلت حاضرة في مختلف المحطات السياسية منذ توقيع اتفاق الصخيرات، إلا أن الأطراف السياسية اتجهت في معظم الأحيان نحو البحث عن قواعد دستورية مؤقتة أو ترتيبات انتقالية بديلة بدلاً من حسم الملف الدستوري بشكل نهائي.
وأوضح بسيكري، أن ليبيا تعيش عملياً منذ سنوات في ظل ترتيبات انتقالية مؤقتة جرى تطويرها وتعديلها أكثر من مرة، سواء عبر الاتفاق السياسي أو عبر المخرجات اللاحقة التي أفرزتها الحوارات السياسية المختلفة. لافتا إلى أن الحوارات التي قادتها الأمم المتحدة في جنيف وتونس ركزت بدرجة أكبر على إعادة تشكيل السلطة التنفيذية، ممثلة في المجلس الرئاسي والحكومة، في حين بقيت القضايا الدستورية محل خلاف مستمر دون حلول حاسمة.
وأكد أن توصيات اللجنة الاستشارية أو مخرجات الحوار المهيكل لم تقدم حلولاً مباشرة وحاسمة لهذه الإشكالات، بل ركزت بصورة أكبر على ملفات السلطة التنفيذية والحوكمة.
وفي معرض حديثه عن إمكانية تشكيل حكومة جديدة، أوضح بسيكري، أن التجارب السابقة تشير إلى أن تغيير السلطة التنفيذية في ليبيا ارتبط دائماً بظروف استثنائية ومعقدة. مستشهدا في هذا السياق بالظروف التي أدت إلى إنهاء مرحلة حكومة الوفاق الوطني، والتي جاءت في أعقاب الحرب التي شهدتها العاصمة طرابلس وما تبعها من تدخلات دولية وإقليمية ومبادرات سياسية أفضت إلى مسار الحوار السياسي الذي نتجت عنه حكومة الوحدة الوطنية.
وأضاف أن تغيير السلطة التنفيذية في المرحلة الحالية يبدو أكثر تعقيداً، في ظل غياب الظروف السياسية التي سمحت بحدوث ذلك في السابق، وعدم وجود توافق واسع بين الأطراف المحلية والدولية حول شكل المرحلة المقبلة.
وشدد بسيكري، على أن أي حديث عن تشكيل حكومة جديدة أو إعادة هيكلة المؤسسات التنفيذية سيظل محدود الأثر ما لم يُحسم أولاً ملف القوانين الانتخابية والتوافق على إطار قانوني واضح لإجراء الانتخابات. مشيرا إلى أن التجارب السابقة أثبتت أن التوافق على السلطة التنفيذية وحده لا يكفي لتحقيق الاستقرار السياسي، ما لم يكن جزءاً من مسار متكامل يقود في نهايته إلى انتخابات تحظى بقبول مختلف الأطراف.
ورأى أن الأزمة الليبية ستبقى تراوح مكانها ما لم يتم التوصل إلى توافق حقيقي بشأن القوانين الانتخابية، معتبراً أن الانتخابات الرئاسية تحديداً تظل العقدة الأساسية في المشهد السياسي الليبي، نظراً لحجم الخلافات المرتبطة بها، ولارتباطها المباشر بمستقبل شكل الدولة وتوازنات السلطة خلال المرحلة المقبلة.
وأبدى بسيكري، تحفظاته بشأن المدة الزمنية المقترحة للسلطة التنفيذية الجديدة ضمن مخرجات الحوار المهيكل، والتي تتراوح بين 18 و24 شهراً، متسائلاً عما إذا كانت هذه الفترة مخصصة فعلاً للوصول إلى الانتخابات أم أنها قد تمهد لمرحلة انتقالية جديدة قابلة للتمديد، على غرار تجارب سابقة شهدتها ليبيا خلال السنوات الماضية.
وأكد أن الإشكالية الأساسية في المشهد السياسي الليبي تتمثل في غياب المشاركة الشعبية الحقيقية في صناعة القرار، معتبراً أن هذا الغياب انعكس بشكل واضح على مختلف المسارات السياسية التي أُطلقت خلال السنوات الماضية.
وأوضح بسيكري، أن أعضاء الحوار المهيكل، رغم ما يتمتعون به من خبرات وكفاءات واحترام، تم اختيارهم من خلال آليات أشرفت عليها البعثة الأممية، وهو ما يثير، بحسب رأيه، تساؤلات حول طبيعة التمثيل ومدى انعكاسه الكامل لكافة مكونات المجتمع الليبي السياسية والاجتماعية والثقافية والجغرافية.
وأشار إلى أن البعثة الأممية سعت إلى إيجاد تمثيل واسع لمختلف الشرائح، بما في ذلك النساء والمكونات الثقافية والمجتمع المدني، إلا أن التحدي الحقيقي يظل في كيفية ترجمة هذا التمثيل إلى إرادة شعبية مباشرة تعكس تطلعات الليبيين.
وأضاف أن النقاشات التي دارت داخل الحوار المهيكل ركزت بصورة كبيرة على مسألة السلطة التنفيذية، بينما بقيت القضايا الجوهرية المتعلقة بالمسار الدستوري والانتخابي محل جدل واسع بين مختلف الأطراف.
ولفت بسيكري، إلى أن اللجنة الاستشارية التي سبقت الحوار المهيكل كانت ذات طبيعة استشارية غير ملزمة، وأن دورها اقتصر على تشخيص العقبات التي تعترض العملية السياسية وتقديم مقترحات لمعالجتها، دون امتلاك صلاحيات تنفيذية أو تقريرية.
وأوضح أن البعثة الأممية استندت في إعداد خارطة الطريق إلى مشاورات واسعة شملت لقاءات ونقاشات مع عدد كبير من الليبيين عبر منصات مختلفة، إلا أن ذلك لا يلغي، بحسب رأيه، أهمية التوافق الوطني المباشر حول القضايا المصيرية.
وأكد بسيكري، أن الأزمة السياسية في ليبيا ما زالت مرتبطة بشكل أساسي بملف الانتخابات، مشيراً إلى أن إجراء انتخابات رئاسية وفق الصيغ المطروحة حالياً يواجه تحديات كبيرة نتيجة استمرار الخلافات حول شروط الترشح وآليات إدارة المرحلة الانتقالية وشكل النظام السياسي المستقبلي.
كما أبدى تحفظه على بعض التصورات المتعلقة بتوزيع السلطة والمناصب وفق الأقاليم التاريخية، معتبراً أن بعض المقترحات المطروحة تعكس توجهاً نحو تكريس ترتيبات جهوية أو إقليمية تحتاج إلى نقاش وطني أوسع قبل اعتمادها.
وأشار بسيكري، إلى أن عدداً من المخرجات السياسية التي شهدتها ليبيا خلال السنوات الماضية، بما في ذلك بعض الترتيبات التي نتجت عن الحوارات السابقة، استندت إلى آليات اختيار وتمثيل ما زالت محل نقاش وانتقاد لدى قطاعات مختلفة من الرأي العام.
وفي معرض حديثه عن الدور الأممي، شدد بسيكري، على ضرورة عدم المبالغة في منح البعثة الأممية دوراً يتجاوز حدود التفويض الممنوح لها، مؤكداً أن المسؤولية الأساسية عن مستقبل العملية السياسية تقع على عاتق الليبيين أنفسهم.
وأضاف أن ليبيا، بحكم خضوع ملفها السياسي لمتابعة مجلس الأمن الدولي، تتأثر بطبيعة الحال بالتوازنات الدولية والإقليمية، إلا أن ذلك لا ينبغي أن يحجب مسؤولية الأطراف الليبية عن معالجة أزماتها الداخلية.
ورأى بسيكري، أن جزءاً كبيراً من المشكلات التي تعاني منها البلاد اليوم يعود إلى مخرجات العملية السياسية التي أعقبت اتفاق الصخيرات، وما ترتب عليها من ترتيبات ومؤسسات استمرت لفترات أطول من المدد التي أُنشئت من أجلها.
كما تطرق إلى ملف الدستور، مشيراً إلى أن مشروع الدستور لا يزال يمثل أحد المسارات الممكنة للخروج من الأزمة، وأن تعطيل الاستفتاء عليه ساهم في استمرار حالة الجدل حول شكل الدولة والنظام السياسي والمرجعيات الدستورية الحاكمة للمرحلة الانتقالية.
واعتبر أن استمرار الخلافات حول هذه القضايا الجوهرية يجعل أي حديث عن تغيير السلطة التنفيذية أو إعادة تشكيل المؤسسات السياسية غير كافٍ بمفرده لإنهاء الأزمة.
واختتم بسيكري، حديثه بالتأكيد على أن نجاح أي مبادرة سياسية يتطلب معالجة الأسباب الحقيقية للأزمة، وفي مقدمتها حسم الملف الدستوري والتوافق على قوانين انتخابية قابلة للتطبيق وتحظى بقبول واسع، مع إشراك المواطنين بصورة أكبر في صناعة القرار السياسي، بما يضمن استعادة الشرعية الشعبية للمؤسسات وإنهاء المراحل الانتقالية المتعاقبة التي شهدتها البلاد خلال السنوات الماضية.









