الدينالي: الولايات المتحدة تتعامل مع القوى الأكثر تأثيراً وقدرة على صناعة الحل في ليبيا

اعتبر المتابع للشأن السياسي، سعد الدينالي، أن تعدد المسارات والمبادرات السياسية المطروحة بشأن الأزمة الليبية يعد أمراً طبيعياً في ظل تعقيدات المشهد، رغم ما تتمتع به المبادرة الأمريكية من زخم سياسي وقوة تأثير على المستويين المحلي والدولي.
وأوضح الدينالي، في حديث لقناة “ليبيا الحدث”، أن عدداً من الأطراف المحلية والإقليمية وجدت نفسها خارج المشهد الذي رسمته المبادرة الأمريكية، الأمر الذي دفعها إلى البحث عن مسارات بديلة أو محاولة عرقلة الطرح القائم بهدف ضمان وجودها على طاولة التفاوض وطرح مطالبها ومصالحها ومخاوفها.
وأشار إلى أن الولايات المتحدة اتجهت خلال الفترة الأخيرة إلى التعامل مع القوى الأكثر تأثيراً وقدرة على صناعة الحل، بعدما أدركت حجم التشابكات الداخلية والإقليمية التي حالت دون الوصول إلى تسوية سياسية طوال السنوات الماضية، وهو ما أدى إلى تقليص دور بعض الأطراف التي لم تنجح تحركاتها في إنتاج حل سياسي منذ أكثر من خمسة عشر عاماً.
وأضاف أن قوة الطرح الأمريكي تنبع من كونه صادراً عن الولايات المتحدة نفسها، لافتاً إلى أن التحركات التي يجريها مسعد بولس ولقاءاته مع مسؤولين ووزراء خارجية ومشاركته في اجتماعات دولية مهمة لا يمكن فصلها عن الإرادة الأمريكية أو اعتبارها خارج إطار السياسة الرسمية لواشنطن، مؤكداً أن الدبلوماسية الأمريكية قادرة على نفي أي صلة بهذه التحركات إذا كانت لا تعبر عن توجهاتها.
ووصف الدينالي، البيان الثلاثي وخارطة الطريق التي أعلنتها بعض الأطراف الليبية مؤخراً بأنها لا تمثل مجرد محاولة للتشويش على المسار الأمريكي أو البحث عن موطئ قدم داخله، بل تشكل قنبلة سياسية أُلقيت في وجه مختلف المسارات السياسية القائمة.
وأوضح أن بعثة الأمم المتحدة كانت تتحرك وفق خطوات متدرجة تهدف إلى إثبات فشل الأجسام التشريعية الحالية وعجزها عن دفع العملية السياسية إلى الأمام، تمهيداً لإقناع مجلس الأمن بضرورة تجاوز هذه الأجسام واللجوء إلى المادة 64 من الاتفاق السياسي الليبي.
وأضاف أن رئيسة البعثة الأممية هانا تيتيه، بذلت خلال الأشهر الماضية جهوداً سياسية وقانونية كبيرة لإقامة الحجة أمام الدول الأعضاء في مجلس الأمن، بما يحد من قدرة الدول المتحفظة على رفض أي مقترح يستهدف تحييد الأجسام السياسية الحالية في حال ثبت استمرارها في تعطيل العملية السياسية.
ورأى الدينالي، أن الاتفاق الذي أُعلن عنه قبيل إحاطة البعثة الأممية أمام مجلس الأمن منح الدول المتحفظة ورقة سياسية جديدة يمكن الاستناد إليها للتشكيك في الحاجة إلى تجاوز المؤسسات القائمة أو تفعيل المادة 64، خاصة بعد الحديث عن توافقات تتعلق بالقوانين الانتخابية وبعض الملفات الأخرى.
ورأى أن توقيت الإعلان عن الاتفاق جاء في لحظة سياسية حساسة ويهدف إلى إرباك المسارين الأممي والأمريكي معاً، مشيراً إلى أن مدى تأثيره الفعلي سيتحدد بناءً على رد فعل البعثة الأممية وما إذا كانت ستعيد النظر في خططها أو تعدل من مسارها خلال المرحلة المقبلة.
وقال إنه يترقب الموقف الرسمي للبعثة الأممية ومصير الاجتماعات المرتقبة الخاصة بالمسار الانتخابي، معرباً عن أمله في ألا يؤدي هذا التطور إلى تأجيل الاستحقاقات أو الاجتماعات المقررة.
وشدد الدينالي، على أن تبني النظام الفيدرالي ما يزال يمثل قناعة سياسية قائمة بالنسبة لهم، مؤكداً أن الفيدرالية تُطرح باعتبارها نظاماً إدارياً للدولة وليست تهمة سياسية كما يحاول البعض تصويرها.
وأضاف أن بعض الأطراف ترفض المبادرات الدولية والإقليمية المختلفة ثم تعود للحديث عن حل ليبي، متسائلاً عن الكيفية التي يمكن من خلالها إنتاج هذا الحل بعيداً عن القوى الفاعلة والمؤثرة على الأرض، سواء كانت سياسية أو عسكرية أو اقتصادية.
وأوضح الدينالي، أن الوصول إلى تسوية حقيقية يتطلب التعامل بواقعية مع الأطراف القادرة على التأثير في المشهد الليبي، معتبراً أن جمع هذه القوى المتصارعة حول طاولة واحدة وإقناعها بالتفاهم يمثل بحد ذاته إنجازاً سياسياً مهماً يمكن أن يفتح الباب أمام حلول عملية تنهي حالة الانسداد السياسي.
وأشار إلى أن ليبيا جربت خلال السنوات الماضية مختلف المسارات التشريعية والمؤسساتية، ومنحت المؤسسات القائمة فرصاً عديدة لإيجاد حلول للأزمة، إلا أنها أخفقت في ذلك وأسهمت في تعميق المأزق السياسي الراهن.
وأضاف أن استمرار العجز عن إنتاج تسوية وطنية دفع الملف الليبي إلى دائرة التأثيرات الخارجية، حيث باتت دول عدة ومبعوثون دوليون يناقشون مستقبل البلاد ويبحثون عن مخارج للأزمة، وهو ما يعكس فشل القوى السياسية المحلية في إنتاج حل وطني جامع.
ودعا الدينالي، إلى تقديم تنازلات وطنية حقيقية من قبل الأجسام السياسية الحالية، معتبراً أنها استنفدت فرصها ولم تعد قادرة على إنتاج حلول جديدة، وأن تحييدها قد يكون أحد المسارات الممكنة لتجاوز الأزمة السياسية المستمرة.
واعتبر أن مشاركة المملكة العربية السعودية في الاجتماع الثلاثي الذي استضافته مصر تمثل مؤشراً سياسياً مهماً، كما وصف زيارة رئيس المخابرات المصرية إلى طرابلس بأنها تحمل دلالات تستحق المتابعة.
وتساءل الدينالي، عن طبيعة الدور السعودي في هذا الحراك، وما إذا كانت الرياض دخلت على خط الملف الليبي لإقناع الأطراف المختلفة بالمسار الأمريكي المطروح، أم أن قوى إقليمية أخرى سعت إلى الاستعانة بالسعودية لدفع الولايات المتحدة نحو تبني مقاربات مختلفة، مؤكداً أن الرسائل السياسية الكاملة لهذه التحركات ستتضح مع تطورات المشهد خلال الفترة المقبلة.









