اخبار مميزةليبيا

أوغلو: أنقرة تنظر لنائب القائد العام باعتباره الشخصية الأقوى في المرحلة الراهنة

أكد الباحث في العلاقات الدولية، مهند أوغلو، أن الشخصية التي تنظر إليها أنقرة باعتبارها الأقوى في المرحلة الراهنة هي نائب القائد العام الفريق أول ركن صدام حفتر، مستنداً في ذلك إلى عدة مؤشرات، من بينها الزيارات المتكررة التي أجراها مسؤولون من الشرق الليبي إلى تركيا، والاتفاقات المتنامية بين الجانبين، إضافة إلى ما وصفه بوجود قدر أكبر من الاستقرار في شرق البلاد مقارنة بالغرب الليبي نتيجة تعدد مراكز السلطة ومراكز النفوذ في المنطقة الغربية.

وأوضح أوغلو في تصريح لقناة “ليبيا الحدث”، رصدته “الساعة 24″، أن هذا التقدير يأتي في وقت تمر فيه ليبيا بمرحلة وصفها بالحاسمة والاستثنائية، مرجحاً أن تشهد الأشهر المقبلة تحولات سياسية جوهرية قد تعيد رسم المشهد الليبي بالكامل، في ظل حراك إقليمي ودولي متسارع تقوده تركيا بالتنسيق مع مصر وروسيا وعدد من القوى المؤثرة الأخرى، إلى جانب ما وصفه بوجود دعم أمريكي غير مباشر لهذه التحركات.

وقال أوغلو إن طبيعة التحركات الجارية بين أنقرة وبنغازي وطرابلس تعكس وجود توجه جديد لدى الأطراف المعنية نحو بناء آلية مختلفة للتعامل مع الملف الليبي، تقوم على أساليب مغايرة لتلك التي اتبعت خلال السنوات الماضية، مشيراً إلى أن المرحلة الحالية تتجاوز المقاربات التقليدية التي أثبتت محدودية نتائجها وعدم قدرتها على إنتاج تسوية سياسية مستقرة.

وأضاف أن البيانات الصادرة عقب اللقاءات والزيارات المتبادلة بين الأطراف المختلفة تتسم بالعمومية وتخلو من التفاصيل الدقيقة، معتبراً أن ذلك لا يعود إلى غياب الرؤية أو الاتفاقات، بل يعكس طبيعة المرحلة الحالية التي يجري خلالها العمل على أهداف محددة بعيداً عن الإعلان المبكر عن تفاصيلها.

وأكد أن الكشف عن طبيعة هذه التفاهمات في الوقت الراهن قد يعرقل مسارها أو يعيدها إلى دائرة الخلافات السابقة، في حين أن الأطراف المنخرطة فيها تسعى إلى بناء معادلة جديدة للمستقبل الليبي.

ولفت أوغلو إلى أن زيارة رئيس جهاز الاستخبارات التركي إبراهيم قالين إلى مدينة بنغازي جاءت بعد يوم واحد فقط من زيارة مسؤولين من جهاز المخابرات المصري إلى العاصمة طرابلس، متسائلاً عن أسباب اقتصار هذه التحركات على القنوات الاستخباراتية والأمنية بدلاً من المسارات الدبلوماسية التقليدية أو عبر وزارات الخارجية.

واعتبر أن هذه المؤشرات تدل على أن ليبيا دخلت مرحلة تأسيسية واختبارية مهمة يجري خلالها البحث عن ترتيبات جديدة تتعلق بشكل الدولة والسلطة ومستقبل العملية السياسية.

وأشار أوغلو، إلى أن استمرار وتيرة الزيارات واللقاءات السياسية والأمنية خلال الفترة المقبلة سيكون مؤشراً على وجود إرادة حقيقية لتسريع الوصول إلى حلول للهيكلية السياسية الجديدة التي يجري العمل عليها، بينما قد يشير تباطؤ هذه التحركات أو توقفها إلى استمرار حالة الجمود السياسي وعدم قدرة بعض الأجسام والشخصيات السياسية على التكيف مع المتغيرات الإقليمية والدولية المتسارعة.
وحذر من أن استمرار الانسداد السياسي قد يدفع نحو رد فعل أمريكي ودولي مباشر، وربما يقود إلى قرارات وإجراءات غير متوقعة تختلف عن المسارات التقليدية التي شهدها الملف الليبي خلال السنوات الماضية، مؤكداً أن المرحلة المقبلة ستكون مختلفة في جميع الأحوال وأن على مختلف الأطراف الليبية الاستعداد للتعامل مع متغيرات كبيرة قد تفرض نفسها على المشهد.

ورأى أوغلو أن الأشهر المقبلة قد تشهد خروج عدد من الشخصيات والأجسام السياسية من المشهد العام، سواء نتيجة تفاهمات سياسية أو ضغوط إقليمية ودولية متزايدة، مشيراً إلى أن الهدف النهائي لهذه التحركات يتمثل في الوصول إلى آليات جديدة لإدارة الأزمة وتحقيق المصلحة الليبية بعيداً عن حالة الانقسام والصراع التي استمرت لسنوات.

وفي سياق متصل، كشف أوغلو، أن ليبيا قد تكون على أعتاب الانتقال إلى المرحلة الأخيرة من مشروع سياسي جديد ينطلق مما وصفه بـ”مبادرة بولس”، موضحاً أن هذه المبادرة لا تزال في طور الاستكشاف والاختبار وتحظى بدعم من تركيا والمملكة العربية السعودية ومصر، فيما تمثل التحركات السياسية والأمنية الجارية حالياً جزءاً من الترتيبات الهادفة إلى تهيئة الظروف المناسبة لدخول هذه المبادرة مرحلة أكثر تقدماً وتأثيراً.

وانتقد أوغلو المسارات التي تقودها البعثة الأممية في ليبيا، معتبراً أن التجارب السابقة لم تحقق حلولاً حقيقية للأزمة، بل ساهمت في إطالة أمدها وإنتاج مزيد من التعقيدات السياسية.

ورأى أن الإصرار على إبقاء إدارة الأزمة ضمن الأطر الأممية التقليدية يعني عملياً استمرار الوضع القائم والدوران في الحلقة ذاتها، وهو ما لم يعد مقبولاً لدى القوى الفاعلة المنخرطة في الحراك الحالي.

وأضاف أن التحركات التي تقودها تركيا ومصر وروسيا لا تنفصل عن رؤية دولية أوسع تتقاطع مع التوجه الأمريكي الحالي تجاه ليبيا، موضحاً أن التفاهمات الدولية غالباً ما تقوم على مبدأ المقايضات السياسية والاستراتيجية بين القوى الكبرى، وأن الملف الليبي بات جزءاً من شبكة أوسع من التفاهمات المرتبطة بقضايا إقليمية ودولية أخرى.

وأشار أوغلو إلى أن روسيا ما تزال لاعباً أساسياً في الملف الليبي رغم ابتعادها النسبي عن الواجهة الإعلامية، مؤكداً أن موسكو حاضرة في معظم التفاهمات الجارية وتسعى إلى تحقيق مكاسب سياسية واستراتيجية في إطار ترتيباتها الأوسع مع الولايات المتحدة والدول الغربية، خصوصاً في ظل تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية.

وفيما يتعلق بالدور التركي، أوضح أوغلو، أن أنقرة تتحرك وفق ثلاثة مستويات رئيسية، يتمثل أولها في الحفاظ على مصالحها الاقتصادية وضمان استمرار حضورها في مختلف مناطق ليبيا شرقاً وغرباً، بينما يرتبط المستوى الثاني بالأمن القومي التركي، حيث ترى أنقرة أن استمرار الانقسام الليبي وغياب سلطة موحدة وقوية قد يشكل تهديداً مباشراً لمصالحها الاستراتيجية في المنطقة.

أما المستوى الثالث، فيتمثل في سعي تركيا إلى تعزيز مكانتها الدولية من خلال الانخراط الفاعل في معالجة الأزمات الإقليمية المعقدة وإثبات قدرتها على المساهمة في إنتاج حلول سياسية للنزاعات، بما يرفع من مكانتها وتأثيرها على الساحة الدولية.

وعن الفريق صدام حفتر، قال أوغلو، إن الاهتمام التركي والدولي المتزايد بشخصيته وتحركاته يعكس قناعة متنامية بأنه قد يكون أحد أبرز الفاعلين في المرحلة المقبلة، مشيراً إلى أن التحركات التي قام بها خلال العام الأخير أظهرت تطوراً ملحوظاً في دوره السياسي، بعدما تجاوز إطار العمل العسكري البحت إلى الانخراط في لقاءات سياسية ودبلوماسية مع شخصيات وقيادات إقليمية ودولية مؤثرة.

وأوضح أن لقاءات صدام حفتر لم تعد تقتصر على المسؤولين العسكريين، بل شملت أيضاً رئيس جهاز الاستخبارات التركي إبراهيم كالين والرئيس التركي رجب طيب أردوغان وعدداً من كبار المسؤولين الأتراك، معتبراً أن هذه اللقاءات تعكس سعياً واضحاً لتطوير حضوره السياسي إلى جانب خلفيته العسكرية.

وأضاف أن ليبيا، في ظل تعقيدات المشهد الأمني والسياسي، تحتاج إلى شخصيات تجمع بين الخبرة العسكرية والقدرة على إدارة العمل السياسي، مشيراً إلى أن العديد من الملفات الإقليمية المشابهة أثبتت صعوبة تحقيق الاستقرار دون وجود قيادات تمتلك نفوذاً ميدانياً وخبرة سياسية في الوقت ذاته.

واعتبر أوغلو أن معيار القوة السياسية خلال المرحلة المقبلة لن يكون مرتبطاً فقط بالشعبية أو المواقع الرسمية، بل بقدرة الشخصيات الليبية على إدارة العلاقات الإقليمية والدولية والتفاعل مع التحولات الجارية وبناء شراكات فعالة مع القوى المؤثرة في الملف الليبي.

وفي ختام حديثه، رجح أوغلو، أن يكون صدام حفتر من أبرز الأسماء القادرة على ترجيح كفة أي تسوية سياسية مقبلة، خصوصاً إذا شهد الغرب الليبي تفاهمات أو تغيرات تؤدي إلى إعادة ترتيب المشهد السياسي، مؤكداً أن الأشهر المقبلة ستكون حاسمة واختبارية في تحديد شكل المرحلة القادمة في ليبيا، وأن الطريق نحو استعادة الدور الليبي إقليمياً ودولياً يبدأ أولاً من الداخل عبر معالجة الملفات السياسية والمؤسساتية العالقة وتوحيد مؤسسات الدولة قبل الانتقال إلى توسيع نطاق الشراكات والتعاون الخارجي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى