اخبار مميزةليبيا

معيوف: نجاح الإصلاحات الجذرية بقطاع النفط يتطلب الاستعانة بخبرات دولية

قال المستشار في قطاع النفط والطاقة، عبد الجليل معيوف، إن اللقاءات والزيارات المتبادلة بين المسؤولين الليبيين والأتراك خلال الفترة الأخيرة تعكس وجود حراك سياسي مهم يستهدف كسر حالة الانسداد السياسي التي تعيشها البلاد، والدفع نحو مرحلة جديدة من الحوار والتوافق بين مختلف الأطراف الليبية.

وأوضح معيوف في حديثه لقناة “ليبيا الحدث”، رصدته “الساعة 24″، أن الرسائل السياسية الصادرة عن هذه الزيارات، سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي، تشير إلى توجه نحو تبني آليات جديدة لمعالجة الأزمة تختلف عن المسارات التي طُرحت خلال السنوات الماضية، مضيفاً أن البيانات الرسمية التي أعقبت الاجتماعات جاءت عامة ومقتضبة وخالية من التفاصيل، وهو أمر طبيعي في هذه المرحلة الحساسة، لأن الكشف المبكر عن تفاصيل التحركات قد يعرقل الجهود الرامية إلى تأسيس مسار سياسي جديد.

وقال معيوف إن ما يجري حالياً يمثل عملاً هادئاً ومدروساً يركز على تحقيق النتائج أكثر من التركيز على التصريحات الإعلامية، لافتاً إلى أن زيارة رئيس جهاز الاستخبارات التركي إبراهيم قالن إلى بنغازي جاءت بعد يوم واحد فقط من زيارة وفد أمني مصري إلى طرابلس، وهو ما يعكس وجود ترتيبات استراتيجية واختبارات سياسية تمهد لمرحلة جديدة في المشهد الليبي.

وأشار إلى أن اقتصار هذه التحركات على القنوات الأمنية والاستخباراتية بدلاً من المسارات الدبلوماسية التقليدية يعكس حساسية المرحلة وطبيعة التفاهمات الجارية، متوقعاً أن تشهد الأشهر المقبلة تطورات مهمة مرتبطة بما وصفه بـ”المشروع السياسي الجديد” المنبثق عن مبادرة المبعوث الأمريكي مسعد بولس، والتي قال إنها تحظى بدعم إقليمي من تركيا ومصر والسعودية، وما تزال تمر بمرحلة الاستكشاف والاختبار قبل الانتقال إلى مراحل أكثر وضوحاً.

ورأى معيوف أن التجارب السابقة أثبتت محدودية فعالية المسارات الأممية في معالجة الأزمة، مؤكداً أن التحركات الحالية تسعى إلى إنتاج مقاربة أكثر واقعية لمعالجة الانقسام السياسي وتوحيد مؤسسات الدولة.

وأشار إلى تصاعد الحضور السياسي والعسكري للفريق صدام حفتر، مستنداً إلى كثافة تحركاته الخارجية وتنوع لقاءاته مع مسؤولين سياسيين وأمنيين رفيعي المستوى في عدد من الدول، وعلى رأسها تركيا، مضيفاً أن صدام حفتر لم يعد يتحرك بصفته قائداً عسكرياً فقط، بل أصبح يشارك في لقاءات ذات طابع سياسي واستراتيجي، بما يعكس توجهاً نحو صقل شخصية سياسية قادرة على الاضطلاع بأدوار أكبر خلال المرحلة المقبلة.

وفي سياق اَخر، أكد معيوف أن تكدس العمالة والموظفين داخل القطاع النفطي الليبي، بما في ذلك الأعداد المتزايدة من المهندسين، يمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه القطاع، موضحاً أن هذه الأزمة هي نتيجة تراكمات وسياسات اقتصادية وإدارية امتدت لعقود طويلة.

وأوضح أن المستثمر الأجنبي لا يعتبر فائض العمالة العامل الحاسم في اتخاذ قرار الاستثمار، بل يركز على توفر بيئة آمنة ومستقرة تشريعياً، إضافة إلى ضمانات واضحة لحماية استثماراته، مضيفاً أن المناطق الشرقية والجنوبية تتمتع بمستويات جيدة من الاستقرار الأمني، في حين يعمل القطاع النفطي وفق عقود مشاركة في الاستكشاف والإنتاج معروفة ومتداولة عالمياً.

وأكد أن معالجة فائض العمالة مسؤولية ليبية داخلية تتطلب تنفيذ برامج إعادة هيكلة متخصصة تستند إلى دراسات فنية ومهنية تنفذها بيوت خبرة دولية قادرة على تقييم الأداء وربط أعداد العاملين بمستويات الإنتاج الفعلية.

وقال معيوف إن شركات استشارية عالمية متخصصة يمكنها تقديم تصورات متكاملة لإعادة هيكلة القطاع بعد الاطلاع على بياناته، مشيراً إلى أن وجود شركات تضم آلاف الموظفين رغم أن حجم إنتاجها يتطلب أعداداً أقل بكثير من العاملين يستوجب اتخاذ قرارات صعبة لكنها ضرورية لضمان استدامة القطاع ورفع كفاءته.

وشدد على أن المؤسسة الوطنية للنفط تتحمل المسؤولية الرئيسية في ضبط التعيينات والإشراف على الشركات التابعة، إلا أن نجاح الإصلاحات الجذرية يتطلب الاستعانة بخبرات دولية متخصصة لوضع خطط تتناسب مع حجم الإنتاج والإمكانات المالية المتاحة.

وأرجع معيوف استمرار اعتماد ليبيا على استيراد أكثر من 75% من احتياجاتها من البنزين إلى تراكم سياسات خاطئة استمرت لعقود، رغم امتلاك البلاد عدداً من المصافي النفطية، موضحاً أن ثلاث مصافٍ فقط تنتج البنزين حالياً، بينما لا يغطي إنتاجها سوى جزء محدود من الاستهلاك المحلي.

وأضاف أن التوجه السابق القائم على اعتبار تصدير النفط الخام أكثر جدوى من تكريره محلياً لم يكن الخيار الأمثل اقتصادياً، لأن المنتجات المكررة تحقق قيمة مضافة أعلى، إلا أن إنشاء مصافٍ حديثة يتطلب استثمارات ضخمة قد تصل إلى 7 أو 8 مليارات دولار للمصفاة الواحدة.

ورأى أن أزمة تضخم القطاع العام لا تقتصر على قطاع النفط فقط، بل تشمل الاقتصاد الليبي بأكمله، حيث يعمل نحو نصف السكان في مؤسسات الدولة نتيجة سياسات اقتصادية سابقة أضعفت دور القطاع الخاص ودفعت المواطنين نحو الوظائف الحكومية.

ووصف معيوف القانون رقم 15 الخاص بتثبيت المرتبات بأنه من أكثر التشريعات إثارة للجدل في تاريخ الإدارة المالية الليبية، موضحاً أنه أدى إلى تجميد هيكل المرتبات لفترات طويلة قبل أن تبدأ بعض القطاعات بإجراء تعديلات تدريجية عليه منذ عام 2007 تقريباً.

وأشار إلى أن قطاع القضاء كان من أوائل القطاعات التي شهدت تعديلات في المرتبات، تلاه قطاع الصحة ثم قطاع النفط، إلا أن هذه التعديلات خلقت إشكالات تتعلق بالهياكل الإدارية والتسميات الوظيفية، كما ساهمت في ارتفاع فاتورة الأجور التي أصبحت تستحوذ على نسبة كبيرة من الإنفاق العام.

وأكد أن ليبيا تعاني اليوم من حالة ارتباك إداري بسبب وجود جداول مرتبات مختلفة صدرت عن حكومتي الشرق والغرب، ما يستدعي إصدار قانون موحد وواضح ينظم ملف المرتبات على مستوى الدولة.

ورأى معيوف أن غياب الخطط التنموية القادرة على استيعاب أعداد الخريجين المتزايدة يمثل أحد أبرز أسباب تفاقم البطالة، مشيراً إلى أن مشاريع الإعمار في بنغازي ودرنة ساهمت في استيعاب جزء من الكوادر الهندسية، لكنها لا تكفي لمعالجة الأزمة بشكل شامل.

وأوضح أن ليبيا تمتلك قطاعات واعدة يمكن أن تشكل بديلاً حقيقياً للاعتماد المفرط على النفط، من بينها الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والزراعة والصناعة، داعياً إلى إطلاق مشاريع تنموية واسعة النطاق في مختلف المناطق، وخاصة في مناطق شرق وجنوب البلاد، على غرار مشاريع الإعمار الجارية حالياً.

وكشف معيوف عن العمل مع مجموعة من المختصين لإعداد مشروع قانون استثمار بهدف تعزيز جاذبية ليبيا للاستثمارات الأجنبية من خلال توفير ضمانات قانونية وحوافز ضريبية وجمركية مناسبة.

وأكد أن الاستثمار الأجنبي يمثل أداة رئيسية لدفع عجلة التنمية الاقتصادية وتوفير فرص العمل، مشدداً على أهمية إزالة العراقيل الإدارية والبيروقراطية أمام المستثمرين.

كما لفت إلى أن مشاريع تجارة العبور والمناطق الحرة تمثل فرصة استراتيجية لتنويع مصادر الدخل الوطني والخروج تدريجياً من الاقتصاد الريعي، مشيراً إلى أهمية تفعيل المناطق الحرة في جليانة والمريسة وطبرق والكفرة باعتبارها مراكز اقتصادية قادرة على استقطاب الاستثمارات وتحفيز النشاط التجاري.

وأكد أن نجاح الإصلاحات الاقتصادية والتنموية مرهون بإقرار تشريعات عصرية وتحقيق استقرار سياسي ومؤسسي، معتبراً أن الأشهر المقبلة ستكون حاسمة في رسم ملامح المشهد السياسي ومستقبل التنمية الاقتصادية في البلاد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى