اخبار مميزةليبيا

المسماري: أميركا قادرة على دعم الاتفاقات الليبية على أرض الواقع

أكد أستاذ القانون الخاص، راقي المسماري، أن الزيارات المتزامنة لرئيس جهاز المخابرات التركي إلى بنغازي ورئيس جهاز المخابرات المصري إلى طرابلس تحمل دلالات سياسية مهمة، وتعكس وجود ترتيبات جارية للانتقال إلى مرحلة سياسية جديدة في ليبيا، في ظل حالة الانسداد السياسي التي تشهدها البلاد.
وأوضح المسماري، خلال مداخلة على تلفزيون “المسار” رصدتها “الساعة 24″، أنه لم يعد هناك مجال للشك في وجود حراك سياسي يهدف إلى إحداث انتقال سياسي جديد، مشيراً إلى تعدد المبادرات المطروحة على الساحة الليبية، إلا أن المبادرة الأمريكية تبقى، بحسب تقديره، الأكثر زخماً وتأثيراً.
وأضاف أن المبادرة الأمريكية انطلقت من النقطة التي عجزت عندها البعثة الأممية عن تحقيق تقدم ملموس، والمتمثلة في ملف توحيد السلطة التنفيذية، معتبراً أن واشنطن بدأت خلال الفترة الماضية في الدفع بهذا المسار بصورة أكثر فاعلية.
وأشار إلى أن بعض المبادرات الأخرى التي طُرحت مؤخراً، بما فيها مبادرة الرئاسات الثلاث، قد تكون جاءت في إطار محاولة عرقلة المبادرة الأمريكية أو الإبقاء على الوضع القائم واستمرار الأجسام السياسية الحالية في السلطة، لافتاً إلى أن هذه الأجسام لم تنجح خلال السنوات الماضية في بناء توافقات حقيقية أو خلق مساحة للحوار المشترك.
وفيما يتعلق بالتحركات الدبلوماسية الأخيرة، أوضح المسماري أن الزيارات المتبادلة لرئيسي المخابرات التركية والمصرية، إلى جانب الاجتماع الرباعي الذي ضم مصر وتركيا والسعودية والولايات المتحدة بمشاركة مستشار الرئيس الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تعكس وجود ترتيبات سياسية جادة للانتقال إلى مرحلة جديدة قد تؤسس لاستقرار دائم في ليبيا.
ورأى أن التقارب المصري التركي يحمل أكثر من رسالة سياسية، من بينها توجيه رسالة إلى الأطراف التي قد تعرقل المبادرة الأمريكية، إضافة إلى السعي لترتيب الأوضاع داخل المنطقة الغربية، التي يرى أنها لم تصل بعد إلى درجة الجاهزية الكاملة للتعامل مع متطلبات المبادرة الأمريكية.
وأضاف أن الطرف الشرقي والجنوبي، ممثلاً في القيادة العامة، يبدو أكثر استعداداً للتعامل مع المبادرة وقبول مخرجاتها، بينما لا تزال المنطقة الغربية تشهد تباينات وصراعات داخلية تتطلب مزيداً من التوافق السياسي قبل الدخول في أي ترتيبات نهائية.
وأوضح أن القاهرة وأنقرة تسعيان إلى تقريب وجهات النظر داخل المنطقة الغربية وتهيئة الظروف المناسبة لتوحيد المواقف تجاه المبادرة المطروحة، بما يسمح بتنفيذها بصورة أكثر فاعلية.
كما أشار إلى وجود ملفات إقليمية حساسة مرتبطة بالمشهد الليبي، من بينها ملف ترسيم الحدود البحرية بين ليبيا وتركيا، والمواقف المصرية واليونانية المرتبطة بهذا الملف، مؤكداً أن هذه القضايا تحتاج إلى معالجة وتفاهمات مسبقة قبل الوصول إلى مرحلة تشكيل سلطة تنفيذية جديدة أو ما وصفه بـ”الترويكا الحاكمة” المكونة من مجلس رئاسي وحكومة تنفيذية جديدة.
وأكد المسماري أن الأطراف الإقليمية أصبحت جزءاً من المشهد الليبي، وبالتالي فإن أي تسوية سياسية شاملة تستدعي معالجة الملفات العالقة والاتفاقات السابقة، بما في ذلك مذكرات التفاهم الموقعة خلال السنوات الماضية.
وأضاف أن هذه المذكرات، من الناحية القانونية، لا تزال بحاجة إلى المصادقة والتصديق من السلطة التشريعية حتى تصبح ملزمة للدولة الليبية، موضحاً أن ما تم توقيعه حتى الآن يبقى ضمن إطار الاتفاقات التنفيذية التي لم تستكمل إجراءاتها القانونية النهائية.
وحول مسار المبادرة الأمريكية، أوضح المسماري أنها حققت بالفعل عدداً من الخطوات العملية، من بينها العمل على توحيد الإنفاق التنموي، وتشكيل طاولة حوار مصغرة تضم ممثلين عن مختلف الأطراف، إلى جانب مناقشة ملف المفوضية الوطنية العليا للانتخابات وآليات إعادة تشكيل مجلس إدارتها.
كما أشار إلى أن المبادرة فتحت المجال لمناقشة القوانين الانتخابية والخيارات المتعلقة بالاستحقاقات المقبلة، سواء من خلال إجراء الانتخابات البرلمانية أولاً أو الرئاسية أولاً أو اعتماد مسار متزامن، معتبراً أن هذا الانفتاح يعزز فرص نجاح العملية السياسية.
وأكد أن أحد أسباب نجاح المبادرة الأمريكية حتى الآن يتمثل في عدم الكشف عن تفاصيلها بشكل كامل، موضحاً أن معظم ما يتم تداوله بشأنها يأتي في إطار التسريبات والمعلومات غير الرسمية، وهو ما ساعد على تجنب الخلافات المبكرة التي عادة ما تنشأ عند طرح التفاصيل الدقيقة للمبادرات السياسية.
وأشار إلى أن المبادرة حققت تقدماً ملموساً في ملفات مهمة، من بينها توحيد الإنفاق العام، وتعزيز دور مصرف ليبيا المركزي، ودعم السياسات النقدية والهيكلية بالتعاون مع المؤسسات المالية الدولية، ما يجعلها، وفق تقديره، واحدة من أكثر المبادرات جدية في التعامل مع الأزمة الليبية خلال المرحلة الحالية.
ورأى المسماري أن الليبيين بمختلف مكوناتهم، سواء المواطنون أو مؤسسات الدولة العامة والخاصة، يتطلعون إلى وجود سلطة قوية قادرة على فرض القانون وتطبيقه على أرض الواقع، مشيراً إلى أن التحدي الحقيقي لا يكمن في غياب التشريعات، بل في وجود جهات قادرة على تنفيذ القوانين والأحكام القضائية في جميع أنحاء البلاد.
وأوضح أن ليبيا تمتلك منظومة قانونية تنظم مختلف القطاعات الخدمية والاقتصادية والمالية، إلا أن الحاجة الأساسية تتمثل في وجود مؤسسات تنفيذية قوية ورئاسة وحكومة قادرتين على فرض هيبة الدولة وتطبيق القانون، وهو ما يحتاجه المواطن الليبي كما يحتاجه المحيط الإقليمي والمجتمع الدولي.
وأضاف أن المجتمع الدولي يبحث بدوره عن شركاء يتمتعون بالقدرة على تنفيذ الالتزامات والاتفاقات على أرض الواقع، مؤكداً أن هذا العامل يمثل أحد أسباب الانفتاح التركي المتزايد على بنغازي خلال المرحلة الحالية.
ورأى أن الجانب التركي ينظر إلى المشروع الوطني الذي تمثله القيادة العامة باعتباره أحد المسارات التي يمكن أن تقود إلى قيام دولة ليبية مستقرة وآمنة، قادرة على بسط سلطتها وتوفير بيئة سياسية واقتصادية مستقرة.
وفي تعليقه على اللقاءات التي يجريها نائب القائد العام مع مسؤولين أمريكيين ومصريين وأتراك، اعتبر المسماري أن هذه التحركات تعكس تنامي ثقة المجتمع الدولي في الدور الذي تؤديه القيادة العامة، مشيراً إلى اللقاءات التي عُقدت في عدد من العواصم، بينها باريس وأثينا والقاهرة، باعتبارها مؤشرات على وجود تقدير دولي متزايد لهذا الدور.
وأضاف أن التجربة الأمنية التي شهدها شرق ليبيا وجنوبها خلال السنوات الماضية أسهمت في تعزيز هذه الثقة، موضحاً أن هذين الإقليمين كانا يعانيان من انتشار الجريمة المنظمة والجماعات الإرهابية والأنشطة العابرة للحدود، قبل أن تتمكن القوات المسلحة من فرض الأمن والاستقرار خلال فترة زمنية محدودة رغم التحديات الجغرافية واللوجستية الكبيرة.
وأشار إلى أن هذه التجربة أصبحت، من وجهة نظر العديد من الأطراف، نموذجاً يمكن البناء عليه في بقية المناطق الليبية، بما في ذلك المنطقة الغربية، موضحاً أن وجود مؤسسات أمنية وعسكرية قادرة على دعم السلطة التنفيذية يمثل عاملاً مهماً لإنجاح أي مشروع سياسي أو تنموي مستقبلي.
وفيما يتعلق بالمبادرة الأمريكية الرامية إلى دعم مسار السلام وتوحيد المؤسسات العسكرية والأمنية والتنفيذية، أكد المسماري أن الولايات المتحدة تمتلك أدوات تأثير وقدرات تنفيذية تجعلها قادرة على دعم تنفيذ الاتفاقات السياسية على أرض الواقع.

وأوضح أن التجارب السابقة أظهرت تبايناً في أدوار القوى الدولية والإقليمية داخل ليبيا، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة تتمتع بقدرات سياسية ودبلوماسية واسعة تمكنها من الدفع نحو تنفيذ التفاهمات وضمان استمراريتها.
وأضاف أن ليبيا تحتاج خلال المرحلة المقبلة إلى فترة انتقالية هادئة ومستقرة تتسم بالانفتاح الاقتصادي والسياسي، وتوفر الظروف الملائمة لإجراء انتخابات وإنهاء المراحل الانتقالية المتعاقبة التي شهدتها البلاد خلال السنوات الماضية.
وأشار إلى أن بعض الخطوات التي شهدها الملف الليبي مؤخراً، بما في ذلك المناورات العسكرية المشتركة والتنسيق بين وحدات من شرق وغرب البلاد، تعكس وجود تقدم في مسار بناء الثقة بين الأطراف الليبية، معتبراً أن الدعم الدولي، وخاصة الأمريكي، لعب دوراً مهماً في تهيئة الظروف لهذه التطورات.
واختتم المسماري حديثه بالتأكيد على أن الهدف النهائي يتمثل في الوصول إلى مرحلة مستقرة تقوم على مؤسسات موحدة وقادرة على إدارة الدولة بكفاءة، بما يمهد لإجراء استحقاقات انتخابية وإنهاء حالة الانقسام السياسي التي تعاني منها ليبيا منذ سنوات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى