اخبار مميزةليبيا

عثامنة: المبادرة الأمريكية تمثل أفضل فرصة متاحة لكسر الجمود السياسي

أكد الباحث في الدراسات الاستراتيجية، عبد الله عثامنة، أن المبادرة الأمريكية المطروحة لمعالجة الأزمة الليبية فرضت نفسها بقوة على المشهد السياسي المحلي والإقليمي والدولي حتى قبل الإعلان الكامل عن تفاصيلها، معتبراً أن حجم التفاعل معها يعكس قناعة متزايدة بضرورة البحث عن مقاربة جديدة تنهي حالة الانسداد السياسي التي تعيشها البلاد منذ سنوات طويلة.

وأوضح عثامنة، خلال لقاء مع قناة “ليبيا الأحرار”، رصدته “الساعة 24″، أن تقييم المبادرات السياسية يجب أن يستند إلى طبيعة الجهات الراعية لها وصفاتها الرسمية أكثر من ارتباطه بالأشخاص، مشيراً إلى أن مسعد بولس يتحرك بصفته مستشاراً للرئيس الأمريكي ومكلفاً بمهمة رسمية من الإدارة الأمريكية، وهو ما يمنح تحركاته بعداً سياسياً ودبلوماسياً يتجاوز الاعتبارات الشخصية.

وبيّن أن الخطوط العامة المتداولة للمبادرة ترتكز على مجموعة من الملفات الأساسية، في مقدمتها توحيد المؤسسة العسكرية، وتشكيل سلطة تنفيذية موحدة تضم مجلساً رئاسياً وحكومة واحدة، ومعالجة ملف التشكيلات المسلحة وجمع السلاح، إلى جانب إنهاء المراحل الانتقالية الممتدة، واستكمال المسار الدستوري وصولاً إلى إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية تمهد لاستقرار دائم في البلاد.

وأشار عثامنة، إلى أن ليبيا تمر بمرحلة حرجة تستوجب التعامل بجدية مع أي مبادرة يمكن أن تسهم في وقف حالة الاستنزاف المستمرة، لافتاً إلى أن المؤشرات الاقتصادية تعكس حجم الأعباء التي تحملتها الدولة خلال السنوات الماضية نتيجة الانقسام والصراع السياسي، سواء من خلال الإنفاق التراكمي المرتفع أو الخسائر الاقتصادية المتواصلة أو تراجع مستوى الخدمات الأساسية المرتبطة بالكهرباء والمياه والدواء والغذاء، وهو ما يجعل البحث عن حلول عملية أمراً ملحاً لا يحتمل مزيداً من التأجيل.

وأضاف أن المبادرة الأمريكية تأتي ضمن سلسلة طويلة من المبادرات التي شهدتها ليبيا خلال السنوات الماضية، إلا أنها تتميز بحجم الحراك السياسي والدبلوماسي المصاحب لها، فضلاً عن المؤشرات التي توحي بوجود توافقات إقليمية ودولية أوسع حول ضرورة إنهاء حالة الجمود السياسي والوصول إلى تسوية قابلة للتنفيذ.

وفي رده على التحفظات المتعلقة بدعم المبادرة قبل الكشف عن جميع تفاصيلها، أوضح عثامنة، أن التجربة الليبية عرفت اتفاقات سياسية مفصلة احتوت عشرات المواد والبنود، لكنها لم تحقق النتائج المرجوة على أرض الواقع، معتبراً أن الأزمة لا ترتبط دائماً بنقص النصوص أو الوثائق، وإنما تكمن في غياب الإرادة السياسية وآليات التنفيذ الفاعلة القادرة على تحويل الاتفاقات إلى واقع عملي.

كما لفت إلى أن انخراط دول إقليمية مؤثرة مثل مصر والسعودية وتركيا في المشاورات المرتبطة بالمبادرة يعكس وجود توجه لجمع مختلف الأطراف ذات التأثير في الملف الليبي ضمن رؤية مشتركة، مؤكداً أن هذا الحراك قد يساهم في توفير بيئة أكثر ملاءمة للوصول إلى تسوية سياسية شاملة.

ورأى عثامنة، أن ليبيا تحتاج أولاً إلى استعادة الدولة ومؤسساتها الفاعلة قبل الانتقال إلى معالجة الملفات التنموية والاقتصادية بصورة أوسع، موضحاً أن استمرار الانقسام السياسي أضعف مؤسسات الدولة وأعاق تنفيذ العديد من المشروعات والخطط التنموية والخدمية.

وفي هذا السياق، اعتبر عثامنة، أن حالة الاستقرار الأمني التي شهدتها مناطق في شرق وجنوب البلاد ساعدت على تنفيذ عدد من المشاريع التنموية والخدمية والبنية التحتية خلال السنوات الأخيرة، معتبراً أن هذه التجربة تؤكد أهمية وجود مؤسسات أمنية وعسكرية مستقرة قادرة على توفير البيئة المناسبة للإعمار والتنمية.

وشدد على أن الحل السياسي لا ينبغي أن يُختزل في أشخاص أو أسماء بعينها، لأن الأزمة الليبية أكبر من أن ترتبط بأفراد، موضحاً أن الهدف الحقيقي يجب أن يتمثل في بناء إطار سياسي قادر على توحيد المؤسسات وإنهاء الانقسام وإعادة تفعيل أجهزة الدولة بما ينعكس إيجاباً على حياة المواطنين.

ورأى عثامنة، أن بعض المناطق ما تزال تواجه تحديات أمنية ومؤسسية معقدة، الأمر الذي يجعل تحقيق الاستقرار السياسي والأمني شرطاً أساسياً لمعالجة الملفات الاقتصادية والاجتماعية والخدمية المختلفة، مؤكداً أن استمرار الخلافات الحالية يعرقل أي جهود حقيقية للنهوض بأوضاع البلاد.

وأشار إلى أن التجارب السياسية السابقة، بما فيها اتفاق الصخيرات والمسارات اللاحقة التي رعتها الأمم المتحدة، لم تتمكن من تحقيق أهدافها رغم الجهود الكبيرة التي بُذلت خلالها، معتبراً أن المرحلة الحالية تتطلب التركيز على تنفيذ الحلول بدلاً من الاكتفاء بإنتاج مبادرات جديدة دون نتائج ملموسة.

وأكد أن المبادرة الأمريكية تمثل خطوة أولى نحو بناء توافق سياسي أوسع يقود إلى تشكيل سلطة تنفيذية موحدة وتوحيد مؤسسات الدولة، معرباً عن أمله في أن تفضي هذه الجهود إلى إجراء انتخابات مباشرة تمنح الليبيين مؤسسات شرعية قادرة على إدارة البلاد وإنهاء حالة الانقسام.

وفي سياق متصل، استحضر عثامنة، قرار مجلس الأمن رقم 2819 الصادر في أبريل 2026 والقاضي بتمديد ولاية بعثة الأمم المتحدة وفريق الخبراء الدوليين، معتبراً أن القرار يعكس استمرار الاهتمام الدولي بالملف الليبي ويمهد لمرحلة جديدة من المتابعة الأممية للأزمة.

وأضاف أن الإحاطات والتقييمات الدولية الأخيرة أظهرت وجود ملاحظات على أداء الأجسام السياسية القائمة، في ظل استمرار تعثر العملية السياسية رغم جاهزية القوانين الانتخابية واستمرار المطالب بإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، مشيراً إلى أن المجتمع الدولي بات أكثر ميلاً للبحث عن مسار عملي وقابل للتنفيذ ينهي حالة الجمود الراهنة.

كما أوضح عثامنة، أن هناك تقارباً بين المبادرة الأمريكية وجهود الأمم المتحدة، بما في ذلك مخرجات الحوار المهيكل، مع وجود بعض الاختلافات المتعلقة بآليات إدارة المرحلة المقبلة، مؤكداً أن الاتجاه العام للمجتمع الدولي أصبح يركز على إيجاد مسار واقعي ينهي الانقسام ويعيد توحيد مؤسسات الدولة.

ولفت إلى أن عدداً من التقييمات الدولية تنظر إلى القيادة العامة للقوات المسلحة باعتبارها من الأطراف التي أبدت استعداداً للتعامل مع الطروحات الجديدة الهادفة إلى إنهاء الانقسام السياسي والمؤسسي، مشيراً إلى أن المبادرة الأمريكية أخذت بعين الاعتبار موازين القوى القائمة على الأرض.

وأكد أن المبادرة حظيت خلال الفترة الأخيرة بدعم دولي وإقليمي متزايد، موضحاً أن عدداً من الدول المؤثرة في مجلس الأمن، إضافة إلى أطراف إقليمية فاعلة مثل مصر والسعودية وتركيا، أبدت مواقف داعمة للتحرك الأمريكي، وهو ما يعزز فرص نجاحه مقارنة بالعديد من المبادرات السابقة.

وفي تعليقه على الاجتماع الذي استضافته القاهرة وضم وزراء خارجية مصر والسعودية وتركيا إلى جانب كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، اعتبر عثامنة، أن هذا اللقاء يعكس انتقال المبادرة من مرحلة الطرح السياسي إلى مرحلة بناء الغطاء الإقليمي والدولي اللازم لإنجاحها.

وأشار إلى أن مسعد بولس عمل على هذا الملف لفترة طويلة قبل الإعلان عن المبادرة، وهو ما أتاح بناء شبكة واسعة من التفاهمات مع الأطراف الليبية والإقليمية والدولية، مضيفاً أن هذا التنسيق المسبق ساعد في تهيئة أرضية أكثر ملاءمة لطرح مبادرة قابلة للتطبيق.

وفي حديثه عن الانتقادات الموجهة للمبادرة، أوضح عثامنة، أنه لا توجد مؤشرات رسمية تؤكد أن المبادرة صُممت لخدمة شخصيات بعينها أو لإيصال أسماء محددة إلى السلطة، مشيراً إلى أن الطروحات المعلنة تتحدث عن تشكيل سلطة تنفيذية موحدة دون تحديد أشخاص أو توزيع مسبق للمناصب.

وأضاف أن الجدل الدائر حول بعض الشخصيات السياسية أو العسكرية لا ينبغي أن يحجب جوهر المبادرة، المتمثل في البحث عن سلطة تنفيذية موحدة قادرة على إدارة مؤسسات الدولة ومواردها بصورة أكثر فاعلية بما يخدم مصالح المواطنين.

وشدد كذلك على أن الدور الخارجي يجب أن يبقى عاملاً مساعداً وداعماً للجهود الليبية لا بديلاً عنها، مؤكداً أن القرار النهائي يجب أن يظل بيد الليبيين أنفسهم، مع الاستفادة من الدعم الذي يمكن أن تقدمه الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والشركاء الإقليميون والدوليون.

واختتم عثامنة، حديثه بالتأكيد على أن المبادرة الأمريكية ليست حلاً مثالياً أو وصفة سحرية لإنهاء الأزمة الليبية، لكنها تمثل أفضل فرصة سياسية متاحة حالياً لكسر حالة الجمود والانقسام، داعياً إلى التعامل معها باعتبارها نافذة للحل يمكن البناء عليها، مع التركيز على تقديم البدائل العملية القابلة للتنفيذ، بما يفضي إلى توحيد المؤسسات وتحريك عجلة الاقتصاد وتحسين أوضاع المواطنين وإنهاء المراحل الانتقالية الممتدة منذ سنوات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى