إدريس أحميد: طائرات مسيّرة بيد المسلحين تعكس الانفلات الأمني بغرب ليبيا

قال الصحفي والباحث السياسي إدريس أحميد إن استخدام التشكيلات المسلحة للطائرات المسيّرة خلال الاشتباكات التي شهدتها مدينتا الزاوية وصرمان يكشف عن مستوى خطير من الانفلات الأمني وانتشار السلاح خارج سلطة الدولة، مشدداً على ضرورة توضيح حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة ما إذا كانت هذه الطائرات قد استُخدمت بتكليف رسمي لتنفيذ مهام محددة، أم أنها كانت بحوزة التشكيلات المسلحة، معتبراً أن امتلاك هذه المجموعات لهذا النوع من الأسلحة يؤكد اتساع نفوذها وخطورة الوضع الأمني في المنطقة الغربية.
وأوضح أحميد، في لقائه مع قناة تلفزيون المسار، رصدته صحيفة الساعة 24، أن ما شهدته المنطقة الغربية يأتي في إطار حالة الانفلات الأمني التي تعاني منها مدن عدة، نتيجة انتشار التشكيلات المسلحة واقتتالها داخل المدن وسيطرتها على مؤسسات ومنشآت حيوية، دون مراعاة لحرمة المدنيين أو الحفاظ على مؤسسات الدولة.
وأشار إلى أن استخدام الطائرات المسيّرة في هذه الأحداث يطرح تساؤلات مهمة حول الجهة التي تقف وراء تشغيلها، موضحاً أن على حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة أن توضح للرأي العام ما إذا كانت هذه الطائرات تتبعها وما إذا كان استخدامها قد تم ضمن مهمة رسمية تتعلق بالتصوير أو الرصد، أم أنها مملوكة للتشكيلات المسلحة.
وأكد أن وجود طائرات مسيّرة وأسلحة خارج الإطار الشرعي للدولة لدى مجموعات مسلحة يمثل تطوراً بالغ الخطورة، خاصة أن هذه التشكيلات، بحسب تقديره، تفتقد إلى العقيدة والخبرة العسكرية اللازمة للتعامل مع هذا النوع من الأسلحة، الأمر الذي يزيد من تعقيد المشهد الأمني ويرفع من مستوى المخاطر التي تهدد المدنيين ومؤسسات الدولة.
وشدد أحميد على أن استمرار الاشتباكات وحالة الفوضى الأمنية يفاقمان الأزمة الأمنية في ليبيا، مؤكداً أن الأولوية يجب أن تكون لمعالجة الملف الأمني، وضرورة بناء مؤسسة عسكرية موحدة وقادرة على فرض سيطرة الدولة على المنطقة الغربية وعلى التشكيلات المسلحة المنتشرة فيها.
ولفت إلى أن هناك قرارات دولية عديدة تناولت مسألة انتشار السلاح والتشكيلات المسلحة وضرورة إخضاعها لسلطة الدولة، إلا أن هذه القرارات لم تنعكس حتى الآن على أرض الواقع، في ظل استمرار انتشار السلاح والانفلات الأمني، وهو ما يترتب عليه، وفق رؤيته، تداعيات خطيرة على الدولة والاقتصاد والحياة اليومية للمواطنين.
وأضاف أن ما جرى في الزاوية وصرمان أدى إلى تعطيل حياة السكان وأثار مخاوف واسعة، معرباً عن أمله في أن تكون هذه الاشتباكات نهاية لسلسلة المواجهات المتكررة، والتي قال إنها تسيء إلى صورة الدولة الليبية، خصوصاً في تعاملها مع الدول الأخرى، في ظل مشهد تظهر فيه تشكيلات مسلحة تمتلك السلاح وتستخدمه في الاقتتال داخل العاصمة والمناطق المحيطة بها.
وفي سياق متصل، رأى أحميد أن الأحداث الأخيرة كشفت بوضوح تعدد الجهات المسلحة وغياب التنسيق الأمني الفعلي في المنطقة الغربية، مشيراً إلى أن العملية التي شهدتها الزاوية خلال الأيام الماضية وضعت حكومة الدبيبة أمام مسؤولية مباشرة لتحديد موقفها وتوضيح مدى علمها بالعملية، وما إذا كانت قد أصدرت أوامر بتنفيذها في إطار مساعي نزع سلاح التشكيلات المسلحة.
وأكد أن المرحلة الراهنة تحتاج إلى الانتقال من مجرد الحديث عن المبادرات إلى البحث الجدي عن حلول قابلة للتنفيذ، متسائلاً عن إمكانية التوصل إلى تفاهمات في ظل وجود تشكيلات مسلحة تسيطر على جانب كبير من المشهد السياسي والاقتصادي منذ نحو 15 عاماً.
وأشار إلى أن المساعي الحالية لتوحيد المؤسسات العسكرية، بما في ذلك الدور الذي تقوم به القيادة العامة للجيش التي تسيطر على مساحة واسعة من الأراضي الليبية وتمتلك عقيدة عسكرية ورؤى وهياكل وقيادات وقواعد عسكرية، يجب أن تكون جزءاً من مسار أوسع لتوحيد المؤسسة العسكرية في البلاد.
وأضاف أن هذا المسار يتطلب التركيز على مسألة السلاح الموجود خارج سلطة الدولة، وتنفيذ القرارات الدولية المتعلقة بجمع السلاح وإنهاء مظاهر التسلح غير المنضبط، مؤكداً ضرورة وضع آلية واضحة أمام أفراد التشكيلات المسلحة، بحيث يتمكن من يرغب منهم في الانضمام إلى الشرطة أو القوات المسلحة من الالتحاق بالمؤسسات النظامية وفق ضوابط محددة، بينما يُتاح لمن يريد العودة إلى الحياة المدنية أن يخرج من العمل المسلح بشكل كامل.
ورأى أحميد أن هناك خطوات مهمة يمكن استكمالها في هذا الإطار، خاصة ما تم الاتفاق عليه في مسارات توحيد المؤسسة العسكرية، واللقاءات والمناقشات والمناورات التي جرت خلال العام، مشدداً على ضرورة البناء على هذه الجهود والاستعداد للمناورات واللقاءات المقبلة باعتبارها جزءاً من محاولات توحيد المؤسسة العسكرية الليبية.
وانتقل أحميد إلى التحركات المصرية الرامية إلى توحيد المبادرات الدولية بشأن ليبيا، معتبراً أن مصر دولة جارة وكبيرة وذات تأثير إقليمي ودولي، وترى أن استقرار ليبيا يرتبط بصورة مباشرة بأمنها القومي.
وأوضح أن القاهرة منخرطة في الملف الليبي منذ سنوات، ولديها قنوات تواصل مع مختلف الأطراف الليبية، كما أنها تنظر إلى استقرار ليبيا وسيادتها باعتبارهما جزءاً من منظومة الأمن القومي العربي، مشيراً إلى أن مصر لديها رؤية تقوم على أن يكون الحل في ليبيا حلاً ليبياً، مع مراعاة المصالح الليبية ومصالح الدول الأخرى في إطار التعاون والعلاقات الدولية.
وأضاف أن لكل دولة مصالحها، وهذا أمر طبيعي في إطار العلاقات والسياسات الدولية، إلا أن أي تحرك إقليمي أو دولي تجاه ليبيا يجب أن يراعي مصالح الشعب الليبي وسيادة الدولة، وأن يدفع باتجاه إنهاء الانقسام وتوحيد المؤسسات.
وفي حديثه عن دول الجوار، أشار أحميد إلى التحركات والاتصالات التي جرت بين دول المنطقة، ومنها اللقاءات المتعلقة بمصر والجزائر وتونس، لكنه أعرب عن تساؤلاته بشأن الموقف الجزائري، معتبراً أنه لا يزال غير واضح بالشكل الكافي.
وأكد أن الجزائر دولة ترتبط بليبيا بحدود طويلة تقارب 1200 كيلومتر، وبالتالي يفترض أن يكون لها دور واضح في دعم الاستقرار، وأن تتفاعل مع الأطراف والمؤسسات الليبية التي تساهم في حماية الدولة وتأمين الحدود، مشدداً على ضرورة أن توضح الجزائر رؤيتها وموقفها تجاه الأزمة الليبية.
وحول ما إذا كانت القاهرة وحدها تمتلك أدوات الضغط الكافية لدفع الأطراف الليبية نحو الانتخابات وتوحيد مؤسسات الدولة، أوضح أحميد أن مصر تتمتع بتأثير مهم، لكنها ليست الدولة الوحيدة القادرة على التأثير في الملف الليبي.
وأشار إلى أن القاهرة تمتلك علاقات وتواصلاً مع مختلف الأطراف، كما يمكنها التواصل مع الولايات المتحدة والاستماع إلى مواقف الدول العربية الأخرى، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، لافتاً إلى أن دور مصر مهم ويتحرك في أكثر من اتجاه.
وشدد في الوقت نفسه على أن الإرادة الليبية تظل العامل الأهم في إنجاح أي مسار، موضحاً أن التحركات الخارجية، مهما كان حجم تأثيرها، لا يمكن أن تحل محل الإرادة الليبية الداخلية، خصوصاً في بلد يعاني من الانقسام السياسي والأمني وغياب رؤية سياسية موحدة، إلى جانب اتساع المساحات التي تفتقد السيطرة الأمنية الفعلية.
وأكد أن المشهد الليبي شديد التعقيد، ولذلك فإن التعامل معه يتطلب تفكيك عناصر الأزمة وفهم حدود قدرة كل دولة، سواء مصر أو الولايات المتحدة أو غيرهما، على التأثير في الوضع الداخلي الليبي.
ورأى أن استمرار مصر في لعب دورها في الأزمة الليبية أمر مهم، متوقعاً حدوث تغييرات كبيرة خلال المرحلة المقبلة، خاصة في ظل التطورات المرتبطة بإعادة ترتيب المشهد الإقليمي والدولي.
وفي هذا السياق، أشار إلى التطورات المتعلقة بالاتفاقيات والتفاهمات التي تجمع السعودية وتركيا وباكستان، معتبراً أن مصر ستكون بطبيعة الحال طرفاً مهماً في هذا المشهد، كما أن السعودية تتمتع بتأثير مهم في المنطقة، وهو ما قد يفتح المجال أمام رؤية عربية وإسلامية أكثر تنسيقاً تجاه الملف الليبي.
وبشأن الموقف التونسي، وصف أحميد موقف تونس بأنه واضح في دعم استقرار ليبيا، مشيراً إلى أن تونس بحكم الجوار والعلاقات التاريخية والمصالح المشتركة مع ليبيا تتأثر بصورة مباشرة بما يجري داخل الأراضي الليبية، لكنه لفت في الوقت نفسه إلى أن تونس تواجه أزمتها الداخلية الخاصة، وهو ما ينعكس على قدرتها على التحرك في الملفات الإقليمية.
وختم أحميد بالتأكيد على أن معالجة الأزمة الليبية تتطلب الجمع بين المسار الأمني والسياسي، مع إعطاء الأولوية لتوحيد المؤسسات العسكرية والأمنية وإنهاء انتشار السلاح خارج سلطة الدولة، بالتوازي مع دعم المسار السياسي والانتخابي، مشدداً على أن استمرار الانقسام والتشكيلات المسلحة سيبقي ليبيا عرضة للتوترات المتكررة، ويجعل أي مبادرات سياسية أو دولية عرضة للتعثر ما لم تستند إلى واقع أمني ومؤسساتي موحد.









