اخبار مميزةليبيا

المرغني: توحيد مؤسسات الدولة أساس حل أزمة الهجرة

قال وزير العدل الليبي الأسبق، صلاح المرغني، إن ملف الهجرة في ليبيا بات قضية سياسية وأمنية وإنسانية معقدة، ولا يمكن اختزاله في الجدل حول ما يُعرف بـ«توطين المهاجرين»، مشدداً على أن معالجة الأزمة تتطلب توحيد مؤسسات الدولة الليبية وإعادة النظر في السياسات الأوروبية المتبعة تجاه الهجرة.

وأوضح المرغني، في حديث لقناة “العربية – الحدث”، رصدته صحيفة “الساعة 24″، أن طبيعة الهجرة إلى ليبيا تغيرت بصورة كبيرة منذ عام 2011، نتيجة الانقسام السياسي والصراعات المسلحة التي شهدتها البلاد، ولا سيما منذ عام 2014، مشيراً إلى أن ليبيا كانت قبل ذلك تستقبل أعداداً من المواطنين الأفارقة للعمل والدراسة وغيرها من الأغراض.

وأضاف أن الانقسام والحروب الداخلية أديا إلى تهميش ملف الهجرة، بل وصل الأمر في بعض المراحل إلى تجنيد مهاجرين في النزاعات المسلحة، ما أسهم في تحويل الملف إلى قضية تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية والسياسية والإنسانية.

وأشار المرغني، إلى أن حجم الأزمة تضاعف مع الزيادة الكبيرة في أعداد المهاجرين الموجودين في ليبيا، موضحاً أن تقديرات المنظمة الدولية للهجرة تشير إلى وجود نحو 980 ألف مهاجر جرى التعرف عليهم أو تسجيلهم، مع احتمال أن يكون العدد الفعلي أكبر، فيما تسجل المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين نحو 112 ألف لاجئ، يشكل السودانيون نحو 83 % منهم، في ظل تداعيات الحرب المستمرة في السودان.

كما أكد أن تزايد أعداد المهاجرين ترافق مع تقارير عن انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان، موضحاً أن هذه الانتهاكات لا تطال المهاجرين وحدهم، لكنها تثير مخاوف خاصة بسبب أوضاع المهاجرين في مراكز الاحتجاز والسجون.

وانتقد المرغني، السياسات الأوروبية تجاه الهجرة، معتبراً أن صعود التيارات اليمينية وتشددها في هذا الملف انعكس على دول جنوب المتوسط، محذراً من تحويل ليبيا إلى ما وصفه بـ«غرفة حراسة لحساب أوروبا».

وقال إن أوروبا اختارت، في تعامُلها مع أزمة الهجرة، ما وصفه بـ«الحل الأرخص»، عبر محاولة منع المهاجرين من الوصول إلى أراضيها بدلاً من معالجة الأسباب السياسية والاقتصادية والأمنية التي تدفعهم إلى مغادرة بلدانهم.

وأضاف أن معالجة الأزمة لا ينبغي أن تقتصر على دول العبور، وفي مقدمتها ليبيا، بل يجب أن تمتد إلى دول المصدر، معتبراً أن التعامل الأوروبي مع ليبيا جعل منها عملياً منطقة عازلة بين الدول الإفريقية التي ينطلق منها المهاجرون والدول الأوروبية التي يقصدونها.

واعتبر المرغني، أن مذكرة التفاهم الموقعة بين ليبيا وإيطاليا شكلت نقطة تحول في إدارة ملف الهجرة، مشيراً إلى أن عدداً من الحقوقيين حاولوا الطعن عليها أمام القضاء، إلا أن تلك الطعون لم تؤدِّي إلى إبطالها، في ضوء اعتماد المحاكم على ما يعرف قانونياً بنظرية «أعمال السيادة».

وقال إن السياسة الإيطالية أسهمت، بحسب تقديره، في نقل الحدود الأوروبية عملياً إلى شمال ليبيا، الأمر الذي أدى إلى تكدس أعداد كبيرة من المهاجرين داخل الأراضي الليبية.

وأشار إلى أن دراسات وتقارير بحثية أظهرت، وفق قراءته، ارتفاع أعداد المهاجرين الموجودين في ليبيا وتراجع أعداد المغادرين منها بعد توقيع مذكرة التفاهم، معتبراً أن ذلك أدى إلى زيادة مخاطر انتهاكات حقوق الإنسان.

ودعا الجهات الليبية المعنية إلى وقف مذكرة التفاهم مع إيطاليا وبدء مفاوضات جديدة مع روما والاتحاد الأوروبي، بما يسمح بإعادة توجيه الدعم المخصص لملف الهجرة نحو مشاريع اقتصادية وتنموية في الدول الإفريقية، باعتبار أن معالجة أسباب الهجرة تبدأ من مناطق المصدر.

وأكد المرغني، أن معالجة أزمة الهجرة واللجوء في ليبيا لن تكون فعالة في ظل الانقسام السياسي والمؤسسي، مشدداً على أن قدرة البلاد على إدارة ملفاتها السيادية تتطلب توحيد مؤسسات الدولة ووجود حكومة واحدة ورؤية وطنية موحدة.

وقال إن أي حل للأزمة الليبية يجب أن يكون «من ليبيا ونابعاً منها»، داعياً إلى جمع الفرقاء وتوحيد المؤسسات، مع ضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة وعدم انتظار اكتمال مسار التوافق السياسي، مضيفاً أن استمرار الانقسام ووجود مجموعات مسلحة وسجون خارج سيطرة الدولة يضعف قدرة المؤسسات الليبية، بما فيها القضاء، على التعامل بصورة كاملة مع ملف الانتهاكات.

وانتقد المرغني، ما وصفه بمخالفات قانونية مرتبطة بملف البحث والإنقاذ في البحر المتوسط، مشيراً إلى أن ليبيا أُنشئت لديها منطقة للبحث والإنقاذ، فيما تلقت قوات خفر السواحل الليبية، إلى جانب مجموعات مسلحة، دعماً ومعدات من إيطاليا والاتحاد الأوروبي.

وتساءل عن الأساس القانوني لملاحقة المهاجرين في البحر وإعادتهم إلى ليبيا، معتبراً أن تجاوز الشخص المياه الإقليمية الليبية يثير تساؤلات قانونية بشأن ملاحقته وإعادته لمجرد اعتباره موجوداً في ليبيا بصورة غير قانونية.

كما أشار إلى القيود التي واجهتها منظمات دولية وإنسانية تعمل في مجال إنقاذ المهاجرين في البحر المتوسط، مستشهداً بتقارير صادرة عن منظمات حقوقية دولية والأمم المتحدة.

وأكد المرغني رفضه لأي ممارسات عنصرية أو اعتداءات تستهدف المهاجرين، مشدداً على أن حماية حقوقهم مسؤولية وطنية قبل أن تكون قضية دولية، موضحاً أن ارتكاب بعض الأفراد جرائم لا يبرر التعامل مع جميع المهاجرين باعتبارهم مجرمين، مؤكداً أن الاعتداء عليهم أو انتهاك حقوقهم أمر مرفوض.

وفيما يتعلق بالقضاء الليبي، قال المرغني، إن المؤسسات القضائية تعمل في
ظروف شديدة الصعوبة، بسبب الانقسام السياسي وانتشار السلاح ووجود مجموعات مسلحة وسجون خارج سيطرة الدولة.

وأشار إلى أن ملف الانتهاكات بحق المهاجرين وصل إلى المحكمة الجنائية الدولية، في وقت تعامل فيه القضاء الليبي مع عدد من القضايا المرتبطة بالملف، وإن لم يكن ذلك، بحسب وصفه، بالشكل الكامل والمرضي، وشدد على أن تحقيق العدالة بصورة كاملة سيظل مرتبطاً باستقرار الدولة وعودة مؤسساتها إلى العمل بصورة موحدة وفعالة.

وفيما يتعلق بالاتهامات الموجهة إلى بعثة الأمم المتحدة والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بشأن دعم ما وصفه محتجون بـ«توطين» المهاجرين في ليبيا، قال المرغني، إن المفوضية نفت رسمياً علاقتها بهذا الأمر، موضحاً أن المفوضية تتعامل مع اللاجئين وفق قواعد محددة مرتبطة بوضعهم القانوني، مشدداً على ضرورة التمييز بين اللاجئين والمهاجرين.

وأكد أن العدد الأكبر من الوافدين إلى ليبيا هم من المهاجرين وليسوا من اللاجئين، داعياً إلى التركيز على جذور الأزمة وأسبابها بدلاً من التعامل مع نتائجها فقط.

كما انتقد ما وصفه بضعف الشفافية في تعامل بعثة الأمم المتحدة والجهات الدولية مع الرأي العام الليبي، معتبراً أن عدم اطلاع المواطنين بصورة كافية على طبيعة المفاوضات والاتفاقات يفتح المجال أمام الشائعات والمعلومات المضللة.

ودعا الأمم المتحدة والجهات الأوروبية إلى التواصل بصورة مباشرة وواضحة مع الليبيين، مؤكداً حق المواطنين في التعبير والاحتجاج ما دام ذلك لا يتضمن انتهاكاً لحقوق الآخرين.

ودعا المرغني، الدول الأوروبية والمجتمع الدولي إلى معالجة مصادر الهجرة
بدلاً من الاكتفاء بمنع المهاجرين من الوصول إلى أوروبا، مشيراً إلى أن الحرب في السودان تمثل مثالاً واضحاً على العلاقة بين الصراعات وموجات النزوح والهجرة.

وقال إن إنهاء الحرب في السودان من شأنه الحد من موجات جديدة من النزوح، مشدداً على أن معالجة أزمة الهجرة يجب أن تبدأ من أسبابها.

وأكد المرغني أن الحل المستدام لأزمة الهجرة لا يكمن في ملاحقة المهاجرين أو اعتراضهم في البحر، وإنما في معالجة الأزمات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تدفعهم إلى مغادرة بلدانهم، بالتوازي مع احترام حقوقهم وفق قواعد القانون الدولي.

واختتم المرغني، بالتوضيح أن ليبيا لن تتمكن من إدارة ملف الهجرة بصورة فعالة أو حماية مصالحها في مواجهة الضغوط الخارجية ما لم تستعد وحدة مؤسساتها وقدرتها على اتخاذ قرار وطني موحد بشأن القضايا السيادية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى