السنوسي: غياب التنسيق المالي والنقدي يهدد الاقتصاد الليبي

قال المحاضر بكلية الاقتصاد بجامعة مصراتة، محمد السنوسي، إن استئناف مصرف ليبيا المركزي نشر بيانات الإيرادات والإنفاق الشهرية بعد توقف دام ستة أشهر يمثل استجابة للضغوط التي مارسها كثير من المتخصصين المطالبين بإتاحة هذه البيانات، معتبراً أن نشرها يتيح معرفة حقيقة الوضع الاقتصادي للدولة بعيداً عن التكهنات والشائعات والمعلومات غير الموثوقة.
وأوضح السنوسي في تصريحات تلفزيونية، رصدته صحيفة “الساعة 24″، أن تعزيز الشفافية يتطلب التساؤل أولاً عن أسباب توقف نشر بيان الإيرادات والإنفاق، مشيراً إلى أن تاريخ اليوم هو العاشر من أغسطس، وبالتالي إذا كانت البيانات متوفرة، فمن المفترض نشر بيانات شهر يوليو، على أن يتم عند حلول سبتمبر نشر بيان إيرادات وإنفاق شهر أغسطس، بدلاً من تأجيل النشر إلى سبتمبر والعودة إلى بيانات شهر يوليو.
وأكد أن بيان الإيرادات والإنفاق يمثل أداة أساسية لمعرفة حقيقة الوضع الاقتصادي، موضحاً أنه في غياب هذه البيانات لم يكن ممكناً الحكم على مدى صحة ما يقوله مصرف ليبيا المركزي، أو معرفة ما إذا كان قادراً فعلاً على مواجهة الطلب، أو تقليص الفجوة بين سعر الصرف الرسمي وسعر السوق الموازية.
وأضاف أن الأخبار والبيانات التي كان المصرف المركزي ينشرها، والتي لم تكن في بعض الأحيان تصدر عبر صفحته الرسمية وإنما عبر صفحات أخرى في صورة تسريبات، لا يمكن الاعتماد عليها، لأن المصرف لا يتحمل مسؤولية تلك التسريبات، بينما يتيح نشر بيان الإيرادات والإنفاق معرفة الوضع الاقتصادي وتحميل المسؤولية عن المشكلات الاقتصادية للجهات المعنية.
وأشار إلى أنه عند عدم الالتزام باتفاق الإنفاق الموقع، فإن المسؤولية تقع على الحكومات، معتبراً أن إخفاء البيان ثم الإعلان عن نشره بدءاً من شهر يوليو لتعزيز الشفافية يُعتبر ضحكاً على الناس.
وأكد السنوسي أن الضغوط على سعر الصرف ليست مشكلة مصرف ليبيا المركزي وحده، وإنما ترتبط أيضاً بالمؤسسات الأخرى التي تنفق من دون حسيب أو رقيب، إلى جانب الفساد، موضحاً أن المصرف المركزي يمثل جهاز الإطفاء الذي تقع على عاتقه حماية الاقتصاد الليبي والعملة الوطنية والاحتياطيات.
وأعرب عن عدم تأييده لاستقالة محافظ مصرف ليبيا المركزي، مؤكداً أنه كان يتمنى أن يواجه المحافظ المشكلة ويتوقف عن المهادنة، مشيراً إلى أن إدارة المصرف خلال السنتين الماضيتين اتسمت، في رأيه، بالمهادنة مع الحكومات ومحاولة إصلاح الأوضاع بطريقة سلمية، بينما تعرض المصرف، بحسب تعبيره، للخداع أكثر من مرة.
وأوضح أن من بين هذه الحالات الضريبة التي فرضها مجلس النواب ثم تنصل منها، وكذلك تعديل سعر الصرف، حيث كان المحافظ يريد الوصول إلى رقم أعلى، قبل إقناعه بفرض ضريبة تصاعدية، ثم جرى تعديل سعر الصرف إلى 6.30 دينار للدولار من دون فرض تلك الضريبة التصاعدية.
وأضاف أن المصرف المركزي تعرض أيضاً للخداع من خلال توقيع اتفاق لم تلتزم به الأطراف، معتبراً أنه كان يفترض بالمصرف، بدلاً من المهادنة، مواجهة المشكلة من خلال تعديل سعر الصرف، قائلاً إنه كان ينبغي حماية الاحتياطيات من الحرائق التي تشعلها الحكومات، وأنه في ظل استمرار هذا الوضع لم يكن أمام المصرف خيار آخر سوى تعديل سعر الصرف للحفاظ على احتياطياته.
وشدد السنوسي على أنه عندما تقتنع الحكومات بأن الوضع الاقتصادي يسير نحو الأسوأ، وتعمل على ترشيد الإنفاق والتوقف عن الفساد، وتحويل إيرادات النفط كاملة إلى مصرف ليبيا المركزي، سيكون بإمكان المصرف تقوية الدينار الليبي، مؤكداً أن استقالة المحافظ تعيد البلاد إلى «المربع الأول»، مع مجيء محافظ جديد قد يحتاج إلى وقت لفهم تفاصيل ما حدث خلال المرحلة السابقة.
ولفت إلى أن المسؤولية لا تقع على المحافظ وحده، وإنما تشمل نائب المحافظ ومجلس إدارة المصرف المركزي، موضحاً أن القانون يفترض أن يعقد مجلس الإدارة اجتماعاً واحداً على الأقل كل شهر، متسائلاً عن عدد الاجتماعات التي عقدها المجلس خلال السنتين الماضيتين، ومشيراً إلى أنه لم يرَ، في ظل الوضع الاقتصادي السيئ، اجتماعات أو قرارات صادرة عن مجلس إدارة مصرف ليبيا المركزي.
وحذر السنوسي من أن استمرار غياب التنسيق بين السياسة المالية والسياسة النقدية سيقود إلى سيناريوهات اقتصادية سيئة، مؤكداً أن هذا التقييم لا يستند إلى التشاؤم أو التفاؤل، وإنما إلى الأرقام والواقع الاقتصادي.
وأوضح أن عرض النقود يتجاوز 200 مليار دينار، في حين تريد الحكومات إنفاق 200 مليار دينار سنوياً، بالتزامن مع مطالبات متكررة بزيادة المرتبات وغيرها من أوجه الإنفاق، محذراً من أن السيناريو المتوقع قد يشبه ما شهدته دول مجاورة، مستشهداً بمصر، حيث كان الدولار في عام 2013 يعادل نحو 7 جنيهات مصرية، بينما يبلغ اليوم نحو 50 جنيهاً، وكذلك تركيا، حيث ارتفع سعر الدولار من نحو 8 ليرات إلى 47 ليرة.
وأكد السنوسي أنه لا يوجد سقف لانهيار العملة إذا لم تتوقف الحكومات عن الفساد ولم تعمل على ترشيد الإنفاق، معرباً عن أمله في ألا يتحقق هذا السيناريو، ومحذراً من أنه في حال انهارت الاحتياطيات الليبية واستمر إهدار إيرادات النفط، فقد تتجه ليبيا سريعاً نحو التحول إلى دولة تبحث عن الاقتراض والمساعدات.









