بوزيد: العدالة الاجتماعية غائبة في التوظيف والمرتبات

قال الناطق باسم نقابة العاملين في المهن الطبية المساعدة سيف النصر بوزيد إن ما يحدث من فوضى في التعيينات والعقود المصنفة داخل وزارة الصحة، وفقاً للمعمول به، يمثل مشكلة كبيرة، مشيراً إلى أن آخر تحديثات الملاك الوظيفي للخدمات الصحية تكشف عن اختلالات متراكمة في توزيع الوظائف.
وأوضح بوزيد في تصريحات على شبكة “صفر الإخبارية”، أن الخدمات الصحية في البلاد تشمل المراكز الصحية ومراكز الرعاية الأولية في المدن، إلى جانب المجمعات والعيادات والمستشفيات الكبرى، لافتاً إلى أن الملاك الوظيفي كان متوقفاً منذ عام 2007، بينما كانت قرارات التعيين الفوضوية تتحول بشكل مستمر إلى الخدمات الصحية في المناطق.
وأشار إلى وجود مكتب إحالة في جميع الوزارات، برعاية وزارة الخدمة المدنية وبالتعاون مع عدد من الوزارات التي تعاني من التكدس الوظيفي، موضحاً أن المشكلة الأكبر في وزارة الصحة تتمثل في ارتفاع نسبة التخصصات غير الطبية إلى أكثر من 70% من إجمالي الوظائف الموجودة داخل القطاع الصحي.
وبيّن أن الإداريين والتسييريين يمثلون نحو 70% من العاملين في بعض المستشفيات والمراكز الصحية ومجمعات العيادات، في حين لا تتجاوز نسبة العاملين في المهن الطبية والطبية المساعدة 30%، إلى جانب الوظائف الخدمية والتسييرية الأخرى، معتبراً أن هذا الوضع يمثل كارثة كبيرة.
وأكد أن الإداريين والتسييريين لهم أهمية في المنظومة الصحية، لكن التكدس الحالي نتج، بحسب تقديره، عن تعيينات غير صحيحة وغير مدروسة، مشدداً على ضرورة أن يقوم الملاك الوظيفي على مبدأ العرض والطلب، بحيث يحدد احتياج كل مستشفى أو مرفق صحي من الأطباء وأطباء الأسنان والتمريض والمختبرات، إلى جانب العدد المطلوب من الإداريين والتسييريين.
ولفت بوزيد إلى أن القرارات الأخيرة، ولا سيما التي صدرت قبل تغيير وزير الصحة السابق، شهدت حالات من العشوائية، مشيراً إلى وجود أشخاص قُصّر ضمن قرارات التوظيف، وهو أمر اعتبره غير منطقي، خاصة في ظل وجود أرقام وطنية في قرارات تعيين تعود إلى عامي 2005 و2007.
وأوضح أن توجيه أشخاص إلى الخدمات الصحية أو المراكز الصحية دون أن يكونوا مؤهلين أو مستوفين الشروط المطلوبة يمثل خطأ كبيراً في الدولة، داعياً إلى مراعاة الوعي المجتمعي في هذا الملف، خصوصاً أن بعض الطلبة أو الأشخاص قد يظلون خارج الدراسة والعمل، ثم يحاولون لاحقاً البحث عن طرق لاستكمال أوراقهم أو الحصول على فرص عمل.
وأشار بوزيد إلى أن التكدس الوظيفي في وزارة الصحة وصل إلى مستويات وصفها بالغريبة والمرتفعة، موضحاً أن إجمالي العاملين في آخر القرارات بلغ نحو 90 ألفاً، من بينهم 70 ألفاً في الوظائف الإدارية والخدمية، فيما لا يحمل أكثر من 45% منهم مؤهلات، وفق الأرقام التي أشار إليها.
وأضاف أن التوثيق أو التدقيق في أوضاع العاملين داخل الوزارة، والذي جرى قبل نحو شهر، أظهر أن العاملين في المهن الطبية لا تتجاوز نسبتهم 29 إلى 31% فقط من إجمالي الأعداد الواردة في آخر القرارات، معتبراً أن هذه النسبة تمثل وضعاً غريباً يتطلب وقف التعيينات وتنظيمها.
وأكد بوزيد أن الوزارة تبذل حالياً جهوداً كبيرة لتنظيم أوضاع العمل، ومحاولة إحالة الأشخاص الذين لا علاقة لهم بالقطاع الصحي إلى مكتب الإحالة التابع لوزارة الخدمة المدنية، للنظر في أوضاعهم وإمكانية إعادة توزيعهم على جهات أخرى تحتاج إلى خدماتهم.
وفيما يتعلق بالحديث عن عزوف الليبيين عن بعض الوظائف، أوضح بوزيد أن هناك بالفعل بعض الأعمال التي لا يرغب بعض المواطنين في العمل بها، سواء في القطاع الصحي أو غيره، ومن بينها المناوبات الليلية، التي قال إنها تُسند في كثير من الأحيان إلى العمالة الأجنبية.
وأوضح أن المواطن الليبي عندما يرى العامل الأجنبي يتقاضى أجراً مقابل هذه الأعمال، يتساءل عن سبب عدم حصوله على الأجر ذاته، مؤكداً أن النقابة لا تعارض التوظيف في أي وزارة، وخاصة وزارة الصحة، وأن من حق الخريج أن تكون لديه فرصة للعمل داخل بلاده وأن يقدم خدمة يحصل مقابلها على أجر.
وأشار إلى أن المشكلة تتمثل في تجميد التوظيف العام، ولا سيما في ما يتعلق بالإفراجات الوظيفية، إلى جانب غياب العدالة الاجتماعية في التوظيف والمرتبات، معتبراً أن استمرار التكدس الوظيفي وعدم وجود عدالة في الأجور يمثلان مشكلة تحتاج إلى معالجة.
وأوضح بوزيد أن أعداد العاملين في القطاع الصحي، ولا سيما المهنيين الطبيين والطبيين المساعدين، لا تتجاوز، بحسب تقديره، 140 ألفاً، مؤكداً مسؤوليته عن هذا الرقم، ومشيراً إلى أنه حتى لو وصل العدد إلى 200 ألف، فإن الرقم لا يعد كبيراً بالنظر إلى اختلاف التخصصات واحتياجات القطاع.
وشدد على أن القضية لا تتعلق بالعدد فقط، بل بالتخصصات، موضحاً أن الحديث يتركز على المهن الطبية والطبية المساعدة، فيما لا توجد، بحسب قوله، إدارة قادرة على تقديم رقم دقيق لعدد الموظفين الموجودين فعلياً داخل وزارة الصحة.
وأكد أن ملف الوظائف العامة في ليبيا يحتاج بصورة عامة إلى إعادة حصر وتنظيم، مشيراً إلى استمرار العمل بالقانون رقم 12 لسنة 2010 بشأن علاقات العمل، رغم التعديلات المتكررة على القوانين، معتبراً أن التشريعات المنظمة للعمل تحتاج إلى معالجة أكثر استقراراً ووضوحاً.
وأشار بوزيد إلى أن عدد السكان في ليبيا يتراوح بين 7 و7.5 مليون نسمة، في حين يصل عدد العاملين إلى نحو 3.5 ملايين موظف أو أكثر، معتبراً أن هذا الوضع يشكل ضغطاً كبيراً على خزينة الدولة ويجعل تحقيق العدالة الاجتماعية في المرتبات وغيرها من الملفات أمراً صعباً.
ولفت إلى وجود هجرة وظيفية من مكان إلى آخر، مشيراً إلى أن بعض الجهات الرقابية التي يفترض ألا يتجاوز عدد العاملين فيها نحو 5 إلى 7 آلاف موظف، وصلت أعداد العاملين فيها، وفق تقديره، إلى مستويات تتراوح بين 20 و25 و30 ألفاً.
واعتبر بوزيد أن تضخم أعداد العاملين في المؤسسات المختلفة أدى إلى وضع غير منطقي، مشيراً إلى أن المواطن الليبي أصبح لديه في بعض الحالات أكثر من موظف أو جهة تتولى أدواراً متشابهة، من عسكري وشرطي وطبيب وموظف رقابي، وهو ما وصفه بأنه رقم خيالي عند النظر إلى حجم الوظائف العامة.
ودعا إلى تكاتف الوزارات، ولا سيما وزارة الخدمة المدنية ووزارة العمل، لمعالجة الأرقام المرتفعة في التوظيف وتنظيم سوق العمل، مؤكداً أن ما يحدث في بعض حالات التعيين يشمل، بحسب وصفه، وجود أشخاص يدخلون إلى الوزارات والهيئات من دون كفاءة.
وشدد بوزيد على ضرورة تحقيق الكفاءة والشفافية في التوظيف، معتبراً أن غيابهما يمثلان مشكلة أساسية في إدارة الوظائف العامة.
وفي سياق متصل، قال بوزيد إن الاعتقاد السائد لدى بعض المواطنين بأن الوظيفة العامة تضمن الحصول على مرتب ثابت ومستحقات التقاعد يمثل، في تقديره، نظرية خاطئة، موضحاً أن هذا التصور يظهر في مختلف القطاعات، بما فيها قطاع الصحة.
وأشار إلى أن بعض العاملين في القطاع الصحي يحققون دخلاً أعلى عند العمل في القطاع الخاص والمصحات والعيادات الخاصة مقارنة بالمرتب الذي يحصلون عليه من الدولة، ومع ذلك يفضلون الوظيفة العامة بسبب الاعتياد على اعتبارها الخيار الأفضل والأكثر ضماناً، مؤكداً أن هذه الظاهرة واضحة في مختلف القطاعات، بما فيها القطاعات التي تحقق للدولة إيرادات.
وفيما يتعلق بعمل الرجال والنساء في القطاع الصحي خلال المناوبات الليلية، أوضح بوزيد أن طبيعة المجتمع الليبي تفرض وجود العاملين من الرجال في الفترة الليلية داخل المؤسسات الصحية، مشيراً إلى أن النساء والزوجات والأخوات والأمهات قد يحتجن إلى الرعاية الصحية ليلاً، وبالتالي من الطبيعي أن تضم المناوبات الليلية رجالاً ونساءً في مختلف القطاعات الصحية.
ورأى أن الاستبيان المتعلق برغبة المواطنين في العمل بالوظيفة العامة يمثل حقاً للمواطن الليبي، شريطة أن يكون حاملاً للمؤهل والكفاءة ويستحق العمل في الدولة وتقديم ما يستطيع من خدمة، معتبراً أن هذا الحق لا خلاف عليه.
وأوضح في المقابل أن أغلب المشاركين في الاستبيان، بحسب تقديره، قد يكون دافعهم الأساسي الحصول على الضمان الاجتماعي والمرتب الحكومي، مشيراً إلى أن هذه الفكرة أصبحت متداولة في مختلف المحافل والتجمعات الاجتماعية، حيث يصر بعض المواطنين على ضرورة الحصول على وظيفة حكومية ومرتب من الدولة، حتى في الحالات التي يمكنهم فيها التوجه إلى العمل الحر أو القطاع الخاص في تخصصاتهم.
ولفت بوزيد إلى أن المواطن يستطيع فتح ملف لدى الضمان الاجتماعي والمساهمة فيه بنسب مرتفعة، تصل، بحسب ما ذكر، إلى 80 أو 90 في المئة، بما يضمن له الاستفادة منه عند بلوغ سن التقاعد، موضحاً أن هذا الأمر يرتبط أيضاً بضرورة فتح ملف للتقاعد والاستفادة من النظام بشكل منظم.
وأشار بوزيد إلى أن تأخر سن التقاعد الإجباري أسهم في زيادة التكدس الوظيفي، موضحاً أن الزيادات في المرتبات تؤدي كذلك إلى تفاقم المشكلة، لأن القانون الليبي لا يتيح احتساب الزيادة في نهاية الخدمة لأغراض التقاعد إلا بعد مرور ثلاث سنوات على الزيادة، حتى يتم احتساب قيمة التقاعد على أساس المرتب المعدل.
وأكد أن هذه الآلية أدت إلى تكدس أكبر في الوظائف، محذراً من أن استمرار الزيادات في المرتبات قد يفتح الباب أمام تضخم أكبر في أعداد الموظفين، متوقعاً أن يصل عدد العاملين إلى مليون و200 ألف خلال عام، ثم إلى ثلاثة ملايين في العام التالي، معتبراً أن ذلك يمثل «كارثة كبيرة».
وشدد بوزيد في ختام حديثه على ضرورة مراجعة قانون علاقات العمل، باعتبار أن معالجة التشوهات القائمة في التوظيف والمرتبات والتقاعد تتطلب مراجعة الإطار القانوني المنظم للعمل.









