الفيتوري: ليبيا غنية بالموارد لكنها عاجزة عن خلق وظائف كافية لشبابها

أكد أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي، عطية الفيتوري، أن البطالة تمثل المشكلة الاقتصادية والاجتماعية الأبرز في ليبيا، محذراً من أن معدلات البطالة المعلنة قد لا تعكس حجمها الحقيقي، في ظل غياب منظومة فعالة لمكاتب العمل وقواعد بيانات دقيقة للباحثين عن وظائف والخريجين.
وقال الفيتوري، في حديث لقناة «ليبيا الحدث»، رصدته صحيفة “الساعة 24″، إن معالجة البطالة لا يمكن أن تتم عبر استمرار الدولة في توظيف المواطنين، وإنما تتطلب الانتقال تدريجياً من اقتصاد يعتمد على توزيع عائدات النفط في صورة مرتبات إلى اقتصاد منتج يقوم على الاستثمار والصناعة وتنمية القطاع الخاص وخلق فرص عمل مستدامة.
وأوضح الفيتوري أن البطالة في ليبيا ظاهرة تراكمية، إذ تضيف كل دفعة جديدة من خريجي الجامعات والمعاهد أعداداً جديدة إلى الباحثين عن العمل، بينما لا يمتلك الاقتصاد قدرة كافية على استيعابهم.
وأشار إلى أن المشكلة تشمل تخصصات مختلفة، من الهندسة والطب وطب الأسنان إلى الاقتصاد والعلوم والآداب وغيرها، لافتاً إلى أن عدداً من الخريجين ينتهي بهم الأمر إلى العمل في مجالات لا تمت إلى تخصصاتهم بصلة.
وضرب مثالاً بشاب يحمل شهادة في الاقتصاد اضطر إلى العمل في محطة وقود بعد فقدانه وظيفته في إحدى الشركات، معتبراً أن مثل هذه الحالات تعكس الفجوة بين مخرجات النظام التعليمي واحتياجات سوق العمل.
وفي المقابل، رفض الفيتوري تحميل الشباب مسؤولية الإحجام عن العمل في القطاع الخاص، مؤكداً أن المشكلة الأساسية تكمن في محدودية حجم هذا القطاع وقلة الوظائف التي يوفرها.
وقال إن الخريج الذي لا يجد وظيفة في القطاع العام لن يرفض بالضرورة العمل لدى شركة خاصة إذا كانت هناك فرصة حقيقية توفر له دخلاً مناسباً، موضحاً أن العامل يبحث بطبيعته عن الفرصة الأفضل، سواء كانت في القطاع العام أو الخاص.
وانتقد الفيتوري طريقة قياس البطالة في ليبيا، قائلاً إن البلاد لا تمتلك، بحسب رأيه، منظومة متكاملة وفعالة لمكاتب العمل يمكن من خلالها حصر الباحثين عن وظائف ومتابعة أوضاعهم بصورة دورية.
وأوضح أن مكتب العمل يفترض أن يكون الجهة التي يسجل فيها الباحث عن وظيفة بياناته ومؤهلاته وخبراته، ثم يعود بصورة دورية لتحديث وضعه، فيما يستطيع أصحاب الأعمال الرجوع إلى هذه المكاتب للبحث عن العمالة التي يحتاجون إليها.
وأشار إلى أن ليبيا كانت تمتلك في السابق مكاتب للعمل، معتبراً أن إعادة تفعيل هذا النظام وتطويره يمكن أن يساعد الدولة على معرفة العدد الحقيقي للباحثين عن العمل وقياس اتجاهات البطالة بصورة أكثر دقة.
وأكد أن تسجيل الباحث عن العمل مرة واحدة ثم عدم متابعة وضعه لا يكفي لقياس البطالة، داعياً إلى اعتماد نظام يلزم الباحثين بتحديث بياناتهم بصورة دورية.
وبناءً على ذلك، رأى أن الحديث عن معدلات محددة للبطالة، مثل 6 أو 18 في المئة، يحتاج إلى قدر أكبر من الحذر، لأن غياب البيانات الدقيقة عن حجم قوة العمل والباحثين عن وظائف يجعل الوصول إلى رقم حقيقي أمراً صعباً.
ورجح أن تكون معدلات البطالة في ليبيا أعلى من الأرقام المتداولة، خصوصاً مع تخرج عشرات الآلاف من الشباب سنوياً وعدم قدرة الدولة على استيعاب هذه الأعداد.
وفي ما يتعلق بتضخم أعداد العاملين في القطاع العام، أشار الفيتوري إلى أن عدد العاملين بالدولة يقدر بنحو 2.4 مليون موظف، وفق الأرقام التي جرى تداولها خلال النقاش، معتبراً أن جزءاً من هذا العدد لا يؤدي عملاً فعلياً.
وأرجع تضخم الجهاز العام إلى تراكمات تاريخية بدأت منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي، عندما اتجهت الدولة إلى تأميم معظم الأنشطة الاقتصادية وإخراج القطاع الخاص من مجالات واسعة، خصوصاً التجارة والنقل والصناعة.
وأوضح أن ليبيا كانت تمتلك خلال الستينيات وحتى بداية السبعينيات قطاعاً خاصاً نشطاً شمل التجارة والمصانع والنقل وعدداً
من الصناعات التحويلية، قبل أن تؤدي سياسات التأميم إلى انتقال ملكية كثير من هذه الأنشطة إلى الدولة وتحويل العاملين فيها إلى موظفين في المؤسسات والشركات العامة.
وتزامن ذلك، بحسب الفيتوري، مع الارتفاع الكبير في إيرادات النفط خلال الستينيات والسبعينيات، ما أتاح للدولة موارد مالية كبيرة وظفت جزءاً منها في استيعاب أعداد متزايدة من المواطنين، في وقت تراجع فيه القطاع الخاص ولم يعد قادراً على توفير فرص كافية للداخلين الجدد إلى سوق العمل.
وأضاف أن سيطرة الدولة على قطاع النفط، باعتباره المصدر الرئيسي للإيرادات، كرست طبيعة الاقتصاد الريعي، وجعلت الدولة تستخدم جانباً من العائدات النفطية في تمويل المرتبات وتوسيع الجهاز الإداري.
وأكد الفيتوري أن المشكلة لا تتمثل فقط في ارتفاع عدد موظفي الدولة، وإنما أيضاً في وجود ما وصفه بـ«البطالة المقنّعة»، حيث يعمل عدد كبير من الأشخاص في مؤسسات حكومية من دون حاجة اقتصادية فعلية إلى هذا الحجم من العمالة.
وأشار إلى أن فاتورة المرتبات تستحوذ على نسبة كبيرة من الإنفاق العام، موضحاً أن جزءاً من الوظائف الحكومية أصبح عملياً وسيلة لإعادة توزيع عائدات النفط، أكثر من كونه توظيفاً مرتبطاً بالحاجة إلى الإنتاج أو تقديم الخدمات.
وقال إن بعض المؤسسات الحكومية قد لا تتوافر فيها حتى المساحات أو المهام الكافية لاستيعاب جميع العاملين، وهو ما يعكس، بحسب رأيه، عمق مشكلة تضخم الجهاز الإداري وضعف الإنتاجية.
ومع ذلك، شدد على أن معالجة هذه المشكلة لا ينبغي أن تتم بصورة مفاجئة أو تؤدي إلى تراجع مستويات معيشة العاملين، وإنما عبر خطة طويلة الأجل لإعادة توزيع العمالة وتدريبها وتأهيلها ونقل جزء منها تدريجياً إلى القطاعات الإنتاجية.
واقترح كذلك ربط الأجور بالإنتاجية، بعد إجراء دراسات تحدد القطاعات القادرة على استيعاب الموظفين وإعادة تدريبهم بما يتناسب مع احتياجاتها.
وشدد الفيتوري على أن تنمية القطاع الخاص يجب أن تكون من أولويات الدولة، مؤكداً أن معالجة البطالة لا يمكن أن تتم من خلال التوسع المستمر في التوظيف الحكومي.
وأوضح أن القطاع الخاص الليبي ما زال محدوداً، وأن جزءاً كبيراً من النشاط الخاص يتركز في التجارة والأعمال الصغيرة، بينما لا تزال الأنشطة الصناعية والإنتاجية والاستثمارية الكبرى ضعيفة.
وفي هذا السياق، دعا الحكومة إلى العمل بالتنسيق مع غرف التجارة والصناعة والزراعة لتحديد المنتجات والأنشطة التي يمكن لليبيا إنتاجها محلياً، وتوجيه المستثمرين إليها من خلال حوافز تشمل القروض والتسهيلات الضريبية ودعم الكهرباء والنقل وغيرها من الأدوات.
وأكد أن دعم الدولة للقطاع الخاص ينبغي أن يتركز في مرحلة التأسيس والانطلاق، بحيث يساعد الشركات والمشروعات على بناء قدراتها، ثم يتيح لها العمل بصورة مستقلة في السوق.
كما دعا إلى الاستفادة من الدراسات والمشروعات التي يطرحها مركز البحوث الصناعية، والعمل على تسويقها للمستثمرين وتحويل الأفكار والمشروعات البحثية إلى أنشطة إنتاجية حقيقية.
ورأى الفيتوري أن الحكومة قادرة، بحكم ما تمتلكه من موارد مالية، على إطلاق مشروعات استراتيجية في قطاعات الإنتاج والصناعة، على أن يكون الهدف تقليل الاعتماد على الواردات وخلق فرص عمل.
وتساءل عن أسباب استمرار تصدير النفط الخام واستيراد نسبة كبيرة من المنتجات النفطية، في حين يمكن زيادة قدرة ليبيا على التكرير والتصنيع محلياً.
كما دعا إلى التوسع في الصناعات القائمة على المواد الخام المتوافرة محلياً، مستشهداً باليوريا وغيرها من المنتجات التي يمكن أن تشكل مدخلات لصناعات أخرى، بما يؤدي إلى بناء سلاسل إنتاجية متكاملة بدلاً من تصدير المواد الأولية واستيراد المنتجات النهائية.
وأكد أن زيادة القيمة المضافة محلياً ستخلق وظائف في تخصصات متعددة، تشمل المهندسين والمحاسبين والفنيين والإداريين وغيرهم، فضلاً عن تقليل فاتورة الاستيراد.
واقترح الفيتوري نموذجاً تتدخل فيه الدولة في البداية لإنشاء مشروعات استراتيجية، ثم تطرح حصصاً منها أمام القطاع الخاص والمواطنين بعد وصولها إلى مرحلة الاستقرار وتحقيق الأرباح.
وأوضح أن الدولة يمكن أن تساهم بجزء من رأس مال المشروع، ثم تطرح بقية الأسهم للاكتتاب أو البيع، على أن تتخارج تدريجياً عندما يصبح المشروع قادراً على العمل بصورة مستقلة.
وبحسب الفيتوري، يسمح هذا النموذج للدولة باستخدام مواردها المالية في تأسيس مشروعات إنتاجية جديدة بدلاً من استنزافها في توسيع الجهاز الإداري، وفي الوقت نفسه يتيح للقطاع الخاص امتلاك وإدارة المشروعات وتوسيع قاعدة الملكية.
وفي ظل استمرار تدفق الخريجين إلى سوق العمل، أكد الفيتوري أن الدولة غير قادرة على استيعاب جميع الداخلين الجدد إلى القطاع العام، خصوصاً مع ارتفاع أعداد الخريجين وتراجع قيمة الدينار وارتفاع الأجور.
ودعا إلى توسيع القطاع الخاص وتحفيز الاستثمار في القطاعات القادرة على خلق فرص عمل، ومنها الصناعات التحويلية والنقل والمواصلات والكهرباء والخدمات والأنشطة الاقتصادية المختلفة.
وأشار إلى أن المؤسسات الاقتصادية تحتاج إلى خريجين من تخصصات متعددة، وليس إلى تخصص واحد فقط، ما يجعل تنشيط القطاع الخاص ضرورة لاستيعاب مخرجات الجامعات.
وبالنسبة إلى الخريجين الجدد، رأى أن التوجه ينبغي أن يكون بصورة أكبر نحو القطاع الخاص، خصوصاً أن بعض مؤسسات القطاع الخاص أصبحت قادرة على تقديم أجور تنافسية، لا سيما لأصحاب الشهادات والتخصصات المطلوبة.
وشدد على أن معالجة اختلالات سوق العمل ليست مسألة يمكن حلها خلال عام أو عامين، بل تحتاج إلى خطة متوسطة وطويلة الأجل تشمل إصلاح القطاع العام، وتنمية القطاع الخاص، وتوجيه الاستثمارات نحو الإنتاج والصناعة، وربط التعليم باحتياجات سوق العمل.
وفي رسالته إلى الخريجين والباحثين عن العمل، دعا الفيتوري الشباب إلى التفكير في إنشاء أعمال ومشروعات خاصة، لكنه حذر في الوقت نفسه من الاكتفاء بالشعارات التي تطالب الشباب بتكوين مجموعات وإطلاق مشروعات من دون توفير التمويل والدعم اللازمين.
وأكد أن تأسيس المشروعات ليس أمراً سهلاً، وأن الخريجين الذين لا يمتلكون رأس مال أو مصادر تمويل يحتاجون إلى مؤسسات قادرة على مساعدتهم، مشيراً إلى أهمية حاضنات الأعمال في الجامعات والمؤسسات المتخصصة.
وأوضح أن حاضنات الأعمال يمكن أن توفر الدعم الفني والإداري، وتساعد أصحاب الأفكار والمشروعات الناشئة على تطوير مشاريعهم وتحويلها إلى أنشطة قابلة للاستمرار.
وأشار إلى تجربة سابقة تمثلت في صندوق الإقراض لغرض التشغيل، الذي كان يستقبل مشروعات المواطنين الليبيين الراغبين في الحصول على تمويل لإقامة مشروعاتهم.
وأضاف أن الصندوق كان يمتلك موارد مالية، إلى جانب ترتيبات تمويلية مع عدد من المصارف، وتمكن خلال فترة من العمل من تمويل مشروعات قبل أن يتوقف نشاطه بعد عام 2011.
ودعا إلى إعادة تفعيل الصندوق ووضع برنامج واضح لعمله، باعتباره إحدى الأدوات التي يمكن أن تساعد خريجي الجامعات والشباب الباحثين عن العمل على الانتقال من البحث عن وظيفة إلى تأسيس مشروعات وأنشطة اقتصادية خاصة.
وأشار الفيتوري إلى أن تجربة ليبيا تختلف عن مصر وتونس، لأن الاقتصاد الليبي يعتمد بصورة مباشرة وغير مباشرة على قطاع النفط وإيرادات الدولة النفطية، في حين تمتلك دول أخرى اقتصادات أكثر تنوعاً تشمل قطاعات صناعية وزراعية وخدمية وتصديرية.
وقال إن ليبيا لم تنجح حتى الآن في بناء اقتصاد متنوع قادر على خلق فرص عمل خارج القطاع العام والقطاع النفطي، في وقت سبقت فيه دول أخرى ليبيا في تطوير القطاع الخاص وتنويع النشاط الاقتصادي.
كما أرجع جانباً من صعوبة الوضع الاقتصادي إلى عدم الاستقرار السياسي والمؤسسي، مشيراً إلى أن تعدد الحكومات والانقسام السياسي يعرقلان وضع وتنفيذ سياسات اقتصادية طويلة الأجل.
وأكد أن معالجة البطالة تحتاج إلى دولة مستقرة وحكومة موحدة قادرة على وضع استراتيجية واضحة وتنفيذها، إلى جانب دور فاعل للسلطة التشريعية في متابعة الحكومة وحثها على معالجة الملف.
وطالب الحكومة والسلطة التشريعية بوضع ملف البطالة على رأس الأولويات الاقتصادية، وتكليف مختصين بإعداد دراسة شاملة تحدد حجم المشكلة وأسبابها والحلول الممكنة لها.
وخلص الفيتوري إلى أن المطلوب ليس مجرد تشخيص مشكلة البطالة أو تبادل الأرقام بشأنها، وإنما وضع خطوات عملية تحدد كيفية توفير فرص العمل لليبيين، وتقليص الاعتماد على الوظائف الحكومية، وتوجيه الشباب والخريجين نحو قطاعات منتجة.
وشدد على أن أي إصلاح في هذا الملف يحتاج إلى وقت وخطة تدريجية، بهدف إقناع المواطنين والمستثمرين، وزيادة الاستثمارات وتحريك المدخرات، خصوصاً أن الاقتصاد الليبي يعاني من ضعف كبير في هذا الجانب.
وأكد أن إعادة تشغيل أدوات التمويل، بالتوازي مع تطوير حاضنات الأعمال وتنشيط القطاع الخاص، يمكن أن تشكل جزءاً من الحل لمشكلة البطالة، شرط أن تأتي ضمن استراتيجية وطنية متكاملة للتشغيل وتنويع الاقتصاد.
وختم الفيتوري بالتأكيد على أن معالجة البطالة في ليبيا تتطلب الانتقال من مرحلة تشخيص المشكلة وتبادل الأرقام إلى مرحلة التنفيذ، من خلال تنويع الاقتصاد، وتقوية القطاع الخاص، وإعادة تأهيل العمالة، وتحسين أدوات قياس سوق العمل، وتوفير التمويل للشباب والخريجين، وصولاً إلى اقتصاد أكثر إنتاجية وأقل اعتماداً على توزيع عائدات النفط في شكل مرتبات.









