اخبار مميزةليبيا

بسيكري: التقارب المصري التركي يفتح مجالاً لتنسيق استراتيجي في البحر الأحمر 

قال مدير المركز الليبي للبحوث والتنمية، السنوسي بسيكري، إن تقييم معهد تشاتام هاوس للعلاقة بين تركيا ومصر بشأن ليبيا يستند إلى أسس صحيحة، معتبراً أن ليبيا تمثل محوراً مهماً في طبيعة العلاقة بين أنقرة والقاهرة، وأن التفاهم بين الطرفين بشأنها يمكن أن يشكل أساساً للتسوية السياسية والاستقرار.

وأوضح بسيكري، في تصريحات لقناة «NATV»، رصدتها “الساعة 24″، أن تركيا استطاعت خلال الفترة الماضية، ومن خلال علاقتها في شرق وغرب ليبيا، بناء شراكة حقيقية، وأنها تسعى حالياً إلى توحيد الطرفين، وهو توجه يؤيده الجانب المصري، رغم وجود اختلافات بين القاهرة وأنقرة بشأن شكل الدولة الليبية، وطبيعة السلطة فيها، وتعريف ودور الجيش.

وأشار إلى أن ليبيا بالنسبة إلى مصر تمثل مسألة أمن قومي بحكم الجوار الجغرافي، فضلاً عن وجود مصالح اقتصادية حيوية وحساسة وعلاقات اجتماعية وتاريخية، موضحاً أن عدد العمال المصريين في ليبيا قد يصل عند استقرار الأوضاع إلى نحو ثلاثة ملايين عامل، في حين يتجاوز عددهم حالياً مليون عامل رغم الظروف القائمة.

وفي المقابل، أوضح بسيكري أن صورة العلاقة بالنسبة إلى تركيا تختلف، خصوصاً خلال العقد الماضي، إذ إن المسافة الجغرافية بين البلدين لا تجعل ليبيا دولة ذات بعد مباشر أو جزءاً من نطاق التخطيط الاستراتيجي والأمن القومي التركي، إلا أن الذكاء التركي في إدارة الأزمة مع الخصوم في شرق المتوسط جعل من ليبيا ورقة استراتيجية لأنقرة، خصوصاً من خلال اتفاقية ترسيم الحدود والنفوذ البحري.

ورأى بسيكري أن هذه التطورات جعلت ليبيا ذات أهمية حيوية بالنسبة إلى الطرفين التركي والمصري، مشيراً إلى أن عامي 2019 و2020 شهدا صداماً واضحاً بين الطرفين، بما في ذلك الخط الأحمر الذي أعلنه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وتوقفت عنده التطورات آنذاك.

وأشار إلى أن تداعيات وتطورات إقليمية أخرى، من بينها ملف غزة والأحداث في السودان وغيرها من الملفات الحيوية، دفعت مصر وتركيا إلى الاقتراب من بعضهما، إلا أنه لم تظهر حتى الآن مؤشرات حقيقية على تفاهم بينهما بشأن الملف الليبي، باستثناء الخطوط العريضة المتعلقة باتفاقهما على ضرورة الحفاظ على وحدة ليبيا وعدم تقسيمها.

وفيما يتعلق بالحضور التركي في شرق ليبيا، قال بسيكري إن الموقف المصري لا يزال يتحفظ على تطبيع قوي وكبير للعلاقات بين أنقرة وبنغازي، مشيراً إلى أن الاختراق التركي في الشرق سمحت به ظروف خاصة داخل الحالة الليبية، في ظل وجود اختلافات بين أقطاب مؤثرة سياسياً وأمنياً في المنطقة.

وأوضح أن نائب القائد العام الفريق أول ركن صدام حفتر كان له دور في تسريع التقارب بين القيادة العسكرية المتنفذة في الشرق والجنوب وبين أنقرة.

وأشار بسيكري إلى أن لقاء وزير الخارجية التركي برئيس مجلس النواب الليبي يمثل مؤشراً على أن التقارب التركي مع الشرق لا يقتصر على الجانب العسكري، موضحاً أن اللقاءات بين الجانبين استمرت منذ نحو عامين، إلا أنها لم تؤدِ إلى تطور في مسألة حيوية تطالب بها أنقرة، وهي اعتماد مجلس النواب الليبي اتفاقية ترسيم الحدود البحرية.

وأكد أن مجلس النواب لم يعتمد الاتفاقية حتى الآن، كما لم تقرها القيادة العامة، معتبراً أن ذلك يعكس دور القاهرة وتأثيرها في طبيعة العلاقات والتفاعلات داخل هذا المناخ.

وفي السياق الإقليمي الأوسع، قال بسيكري إن المشهد الإقليمي يشهد تشكل «فسيفساء» تنسجم إلى حد كبير مع الرؤى المصرية والتركية، وكذلك مع مواقف دول أخرى مثل السعودية، خصوصاً في القرن الإفريقي، معتبراً أن هذا التقارب يعكس تشابكاً متزايداً في المصالح الاستراتيجية بين هذه الأطراف.

ورأى أن تركيا تتحرك مستخدمة مختلف أوراقها في المنطقة، بينما لا تزال مصر مترددة في الانتقال بعلاقتها مع أنقرة إلى خطوات أبعد، وهو ما أشارت إليه بعض الدراسات، معتبراً أن هذا التردد يمثل أحد أسباب تأخر التنسيق والانتقال بالعلاقة بين البلدين إلى مستوى استراتيجي.

وشدد بسيكري على أن تركيا تبدو مقبلة بقوة على تطوير علاقتها مع مصر، في حين لا تزال القاهرة تتردد في هذا المسار، معتبراً أن تحرر العقل الاستراتيجي المصري من حالة التوتر والقلق تجاه الدور التركي يمكن أن يتيح توظيف علاقات أنقرة مع إثيوبيا في معالجة الخلافات القائمة، والاستفادة منها كأداة للوساطة والتقريب بين الأطراف.

وفي ملف الطاقة، قال بسيكري إن التقارب بين القاهرة وأنقرة لم ينتقل حتى الآن إلى البعد الاستراتيجي الحيوي، مشيراً إلى أن الطرفين ما زالا في مرحلة البحث عن آليات لتفكيك الملفات التي تشكل مناطق نزاع بينهما.

وأوضح أن ملف ترسيم الحدود البحرية يرتبط بشكل مباشر بالبعد الاقتصادي، نظراً لما تتضمنه المنطقة من احتياطيات للنفط والغاز، لافتاً إلى أن مصر تعاني في هذا المجال، بينما تعد تركيا أيضاً دولة فقيرة في موارد الطاقة، وهو ما يجعل الموارد وممرات الطاقة عاملاً أساسياً في الصراعات الجيوسياسية بالمنطقة.

وأشار بسيكري إلى أن منطقة شرق المتوسط وشمال إفريقيا، بما فيها الجزائر، يمكن أن تشكل كتلة إقليمية تراعي مصالح دولها في مواجهة النفوذ التقليدي للقوى الكبرى، موضحاً أن التقارب المصري التركي لا يزال يبحث عن أرضية مشتركة في عدد من الملفات، دون أن يصل إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية.

وأكد أن ملف غاز ونفط شرق المتوسط، الذي يمثل بعداً حيوياً للطرفين، لم يُطرح بجدية حتى الآن، مشيراً إلى أن تركيا حاولت البحث عن ورقة لمناكفة التحالف الذي تشكل بين القاهرة وتل أبيب وقبرص واليونان ضمن المنتدى الاقتصادي لشرق المتوسط، من خلال توقيع اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع حكومة الوفاق الوطني.

وأضاف بسيكري أن القاهرة وأنقرة لا تزالان بعيدتين عن أرضية مشتركة تسمح حتى بمناقشة هذا الملف بصورة جدية، معتبراً أن عدم حسم الخلاف بينهما بشأنه يعني عدم إمكانية الحديث حالياً عن شراكة استراتيجية بين الطرفين.

ورأى أن المرحلة المقبلة قد تشهد تفاهمات وحلحلة لعدد من الملفات، وتعاوناً تدريجياً بشأن السودان وليبيا والصومال وغزة وغيرها من القضايا التي تهم الطرفين، إلا أن ملف شرق المتوسط، بحسب تقديره، يكتسب أهمية حيوية خاصة ولم يُفتح حتى الآن بصورة جدية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى