شوايل: الهوية الليبية مخترقة.. وتزوير الرقم الوطني يهدد أمن الدولة

حذّر وزير الداخلية الأسبق عاشور شوايل من خطورة ما وصفه باختراق منظومة الهوية الوطنية في ليبيا، محذرًا من تداعيات تزوير الأرقام الوطنية وجوازات السفر والقيود العائلية، وما قد يترتب على ذلك من تأثيرات أمنية وسياسية واجتماعية، وصولًا إلى التأثير المحتمل في الانتخابات المقبلة.
وقال شوايل، في مداخلة على تلفزيون “المسار”، رصدتها صحيفة الساعة 24، إن ملف التجنيس ومنح الأرقام الوطنية والجوازات للأجانب بصورة غير قانونية يمثل قضية تمس الأمن القومي والهوية الوطنية، مشددًا على ضرورة فتح تحقيقات واسعة وشفافة لكشف ملابسات عمليات التزوير وتحديد المسؤولين عنها ومحاسبتهم وفق القانون.
وأشار إلى أن ليبيا أصبحت، بحسب تقديره، عرضة لما وصفه بـ«الاختراق» من أكثر من جانب، سواء من خلال ملف التوطين والتجنيس غير المنظم، أو وجود المرتزقة والأجانب، مؤكدًا أن خطورة القضية لا تقتصر على الجانب الديموغرافي، بل تمتد إلى مؤسسات الدولة والأمن والاقتصاد والعملية السياسية.
وأوضح شوايل أن المشكلة تبدأ من إمكانية دخول أشخاص إلى منظومة الدولة والحصول على رقم وطني أو جواز سفر بطرق غير قانونية، معتبرًا أن وصول شخص غير مستحق إلى الجنسية أو الرقم الوطني يمكن أن يتيح له الاستفادة من الخدمات والمزايا المخصصة للمواطنين، فضلًا عن إمكانية وصوله إلى مواقع حساسة داخل مؤسسات الدولة.
وأكد أن التحقق من الهوية الوطنية يجب أن يستند إلى السجلات والوثائق التاريخية الموثقة، مشيرًا إلى السجلات والتعدادات القديمة التي يمكن الاستناد إليها للتحقق من الأصول والأنساب والقيود العائلية.
ولفت إلى أن سجلات التعدادات القديمة، ومنها تعداد عام 1954، تمثل، بحسب رأيه، مرجعًا مهمًا في التحقق من الهوية، إلى جانب سجلات أقدم تعود إلى أربعينيات القرن الماضي، مؤكدًا أن المشكلة لا تكمن في الوثائق الأصلية بقدر ما تكمن في عمليات العبث التي حدثت لاحقًا داخل منظومات السجل المدني والجنسية والوثائق الرسمية.
وشدد شوايل على أن قضية التزوير لا ينبغي أن تتحول إلى اتهام جماعي للعاملين في مصلحة الأحوال المدنية أو السجل المدني، مؤكدًا أن هناك موظفين ومسؤولين يعملون بصورة نزيهة، إلا أن وجود عدد محدود من المتورطين في عمليات التزوير يمكن أن يؤدي إلى اضطراب واسع في منظومة الهوية الوطنية.
وقال إن أي موظف أو شخص يثبت تورطه في منح أجنبي رقمًا وطنيًا أو تزوير الجنسية أو الوثائق الرسمية يجب أن يتحمل المسؤولية القانونية، معتبرًا أن القضية تتطلب تحقيقًا قضائيًا وفنيًا دقيقًا، يبدأ من الوثيقة المزورة وينتهي بتحديد جميع حلقات الشبكة التي تقف وراء إصدارها.
واستذكر شوايل فترة توليه وزارة الداخلية، قائلًا إنه اتخذ، عند توليه المنصب، قرارًا بإيقاف لجنة منح الجنسية، بسبب الظروف التي كانت تمر بها البلاد والفوضى التي كانت تعاني منها مؤسسات الدولة.
وأوضح أن قرار إيقاف اللجنة جاء بهدف الحد من العبث بملف الجنسية، مؤكدًا أن ملف التجنيس يجب ألا يخضع للفوضى أو المصالح الشخصية، وأن أي عملية تجنيس يجب أن تتم وفق القانون وتحت رقابة مؤسسات الدولة المختصة.
وأشار إلى أن التشريعات الليبية، بما فيها القواعد التي أرساها دستور المملكة الليبية والقوانين المنظمة للجنسية، وضعت ضوابط لمسألة اكتساب الجنسية، إلا أن المراحل اللاحقة شهدت، بحسب وصفه، تجاوزات وعمليات عبث انعكست آثارها على منظومة الهوية حتى اليوم.
كما أشار إلى ملفات سابقة، من بينها ما يتعلق بما عرف بـ«الجنسية العربية» و«أبناء الصحراء الشرقية»، معتبرًا أن معالجة تلك الملفات في مراحل سابقة لم تمنع، بحسب تقديره، من حدوث حالات اندماج أو تغلغل داخل المجتمع ومؤسسات الدولة بصورة تحتاج إلى مراجعة وتدقيق.
وحذر شوايل من أن خطورة الأرقام الوطنية والوثائق المزورة تتجاوز حصول أصحابها على الخدمات المدنية، موضحًا أن بعض المستفيدين من الوثائق المزورة يمكن أن يدخلوا في منظومات المرتبات والضمان الاجتماعي، أو يحصلوا على مزايا مخصصة للمواطنين.
وأضاف أن الأخطر، وفق تقديره، هو احتمال وصول بعض حاملي الوثائق غير القانونية إلى مؤسسات أمنية وعسكرية أو مؤسسات وشركات ذات طبيعة سيادية، مؤكدًا أن التحقق من الهوية والانتماء القانوني يجب أن يكون أكثر صرامة عندما يتعلق الأمر بالمؤسسات الحساسة.
وفي هذا السياق، دعا إلى مراجعة شاملة للبيانات الوطنية ومطابقة الأرقام الوطنية مع سجلات الأسرة والوثائق التاريخية، مع ضرورة إحالة كل حالة يثبت تزويرها إلى القضاء، وسحب الرقم الوطني والجنسية والوثائق المترتبة عليه وفق الإجراءات القانونية.
ودعا شوايل النيابة العامة إلى مواصلة التحقيقات المتعلقة بتزوير الوثائق والأرقام الوطنية والجوازات، معتبرًا أن ضبط أي جواز سفر مزور يمكن أن يشكل نقطة بداية لكشف الشبكة التي تقف وراء تزويره.
وقال إن التحقيق يجب ألا يتوقف عند الشخص الذي يحمل الوثيقة المزورة، بل ينبغي أن يمتد إلى معرفة كيفية إصدارها، والجهة التي قامت بتزويرها، والأشخاص الذين سهّلوا حصول صاحبها عليها، وصولًا إلى كشف كامل سلسلة التزوير.
وأكد أن هذا النوع من التحقيقات يتطلب تعاونًا بين النيابة العامة والجهات الفنية المختصة وموظفي السجل المدني والأجهزة الأمنية، مع نشر نتائج التحقيقات بصورة واضحة وشفافة للرأي العام، بما يطمئن المواطنين إلى أن الدولة تتعامل بجدية مع القضية.
وحذّر شوايل من التداعيات المحتملة لتزوير الأرقام الوطنية على الانتخابات المقبلة، موضحًا أن تسجيل الناخبين وممارسة الحق الانتخابي يرتبطان بالرقم الوطني، الأمر الذي يجعل سلامة قاعدة البيانات الوطنية شرطًا أساسيًا لضمان نزاهة العملية الانتخابية.
وأشار إلى تصريحات سابقة لمسؤولين في مصلحة الأحوال المدنية تحدثت عن اكتشاف أعداد كبيرة من الأرقام الوطنية المزورة، مؤكدًا أن التحقق من صحة هذه الأرقام ومقارنتها بسجلات الدولة يجب أن يكون أولوية قبل أي استحقاق انتخابي.
وأضاف أن اكتشاف أعداد كبيرة من الأرقام غير الصحيحة، إذا ثبتت صحتها، يمكن أن يفرض تحديًا مباشرًا أمام العملية الانتخابية، سواء فيما يتعلق بسجلات الناخبين أو بحقوق الترشح والانتخاب، داعيًا إلى معالجة الملف قبل الوصول إلى موعد الانتخابات.
وشدد على ضرورة أن تعلن الجهات المختصة للرأي العام نتائج أعمالها، بما في ذلك عدد الأرقام التي ثبت تزويرها، وطبيعة المخالفات، والإجراءات المتخذة بحق المتورطين، مع التأكيد على أن التحقق يجب أن يتم وفق معايير قانونية وفنية بعيدًا عن الاتهامات العامة.
وفيما يتعلق بالعمالة الأجنبية، أكد شوايل أن ليبيا تحتاج بالفعل إلى العمالة الوافدة، لكنه شدد على ضرورة تنظيم دخولها وإقامتها وفق إجراءات قانونية واضحة.
واقترح أن تتم عمليات استقدام العمالة من خلال اتفاقيات وإجراءات رسمية تتضمن التحقق من الهوية، وإصدار التأشيرات وجوازات السفر المعتمدة، والفحوص الطبية والأمنية، مع إشراك الجهات المختصة في مراجعة خلفيات القادمين.
وأكد أن الهدف، بحسب تعبيره، ليس منع الأجانب من دخول ليبيا أو العمل فيها، وإنما وضع نظام يضمن معرفة هوية كل شخص يدخل البلاد، ومجال عمله، ومدة إقامته، والجهة التي يعمل لديها، ومنع استغلال حالة الفوضى للحصول على وثائق أو امتيازات لا يستحقها.
كما حذر من احتمال استغلال بعض الأجانب للوثائق الليبية في أعمال غير قانونية أو أمنية، داعيًا إلى تشديد إجراءات التدقيق، خصوصًا بالنسبة إلى من يسعى إلى الوصول إلى المؤسسات العسكرية والأمنية أو القطاعات الاقتصادية والسيادية.
وفي ختام مداخلته، أكد شوايل أن معالجة ملف الهوية الوطنية لا تحتمل التأجيل، داعيًا إلى إجراء مراجعة شاملة لمنظومة الجنسية والأرقام الوطنية والسجل المدني وجوازات السفر، وربط قواعد البيانات المختلفة ببعضها للتحقق من سلامة المعلومات.
وشدد على أن أي شخص يثبت حصوله على رقم وطني أو جنسية أو جواز سفر بطرق غير قانونية يجب أن يخضع للقانون، وأن يتم اتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع استخدام الوثائق المزورة في المنافذ أو الانتخابات أو مؤسسات الدولة.
وقال إن حماية الهوية الوطنية مسؤولية تاريخية تقع على عاتق مؤسسات الدولة، محذرًا من أن استمرار التزوير والفوضى في هذا الملف قد يترك آثارًا يصعب تداركها مستقبلًا، مؤكدًا أن معالجة القضية يجب أن تقوم على التحقيق والتدقيق والقانون، لا على الاتهام الجماعي أو الاستهداف.









