البوري: ليبيا بحاجة إلى التعلم من تجربة كوريا

قال الخبير المصرفي والمالي نعمان البوري إن أبرز ما خرج به من مشاركته في منتدى التعاون الكوري الليبي لم يكن الإعجاب بما وصلت إليه كوريا اليوم، بقدر ما كان السؤال حول كيفية تمكن دولة كانت قبل نحو سبعين عاماً من بين أفقر دول العالم، وخرجت مدمرة من حرب استمرت ثلاث سنوات، من التحول إلى قوة صناعية وتكنولوجية وتصديرية عالمية.
وأوضح البوري أن كوريا الجنوبية، بعد الحرب الكورية، كانت تعاني الفقر والدمار وشح الموارد، وكان دخل الفرد فيها في حدود 67 دولاراً، بينما أصبحت اليوم تمتلك اقتصاداً متقدماً وصناعات عالمية في مجالات السيارات والسفن والإلكترونيات وأشباه الموصلات والتكنولوجيا والابتكار.
وأشار إلى أن أكثر ما لفت انتباهه خلال المنتدى كان حديث إحدى المتحدثات الكوريات عن وجود رؤية وخطط خمسية، موضحاً أن الحكومات تغيرت، والخطط تمت مراجعتها وتطويرها، لكن الاتجاه العام لم يتغير.
وقال البوري إن هذه النقطة ربما تختصر جانباً مهماً من قصة النجاح الكورية، موضحاً أن كوريا لم تبدأ ببناء المصانع العملاقة، وإنما بدأت ببناء الإنسان الذي سيبني تلك المصانع.
وأضاف أن كوريا منذ خمسينيات القرن الماضي وضعت التعليم وتنمية رأس المال البشري في قلب مشروعها التنموي، فبدأت بالتعليم الأساسي ومكافحة الأمية، ثم توسعت في التعليم الثانوي والفني والمهني، وبعد ذلك في التعليم الجامعي والتكنولوجي، بحيث ارتبطت كل مرحلة بما يحتاجه الاقتصاد في المرحلة التالية.
وأوضح أن التعليم في التجربة الكورية لم يكن قطاعاً منفصلاً عن الاقتصاد، بل كان جزءاً من الخطة الاقتصادية نفسها، فعندما احتاج الاقتصاد إلى العمالة للصناعات البسيطة جرى إعدادها، وعندما انتقلت الدولة إلى الصناعات الثقيلة توسع التعليم الفني والمهني، وعندما أصبح الهدف هو التكنولوجيا والابتكار تطورت الجامعات والبحث العلمي والمهارات المتقدمة.
وقال: «كوريا لم تنتظر أن تجد الكفاءات التي تحتاجها لتنفيذ خطتها، بل صنعت تلك الكفاءات».
وأكد البوري أن هذه رسالة مهمة لليبيا، مشيراً إلى أنه لا يمكن الحديث عن تنويع الاقتصاد أو الصناعة أو التكنولوجيا أو الاقتصاد الرقمي، بينما يسير النظام التعليمي في اتجاه، والخطط الاقتصادية في اتجاه آخر.
وأضاف أن هناك درساً آخر لا يقل أهمية يتعلق بطريقة استخدام المال، موضحاً أن كوريا نفسها كانت متلقية للمساعدات الخارجية في مراحلها الأولى، وأن القضية لم تكن فقط حجم الأموال والمساعدات التي حصلت عليها، وإنما كيفية توجيهها لخدمة رؤية واضحة وتحويل الموارد المحدودة إلى تعليم وبنية تحتية وقدرات بشرية ومصانع وصادرات، ثم إلى تكنولوجيا وابتكار.
وقال البوري إن الفارق يكمن بين الإنفاق والتنمية، موضحاً أن الدولة يمكن أن تنفق مليارات الدولارات دون أن تحقق تقدماً حقيقياً، بينما تستطيع دولة أخرى بموارد أقل أن توجه كل دولار نحو هدف محدد ضمن مشروع وطني طويل الأجل.
وأضاف: «المال وحده لا يصنع التنمية، طريقة استخدام المال هي التي تصنعها».
وأشار إلى أن المقارنة مع ليبيا تطرح أسئلة مهمة، موضحاً أن ليبيا لم تكن دولة فقيرة تبحث عن مساعدات لبدء مشروعها التنموي، بل تمتلك النفط والغاز والموقع الاستراتيجي والمساحة الواسعة والموارد المالية، فضلاً عن عدد سكان محدود مقارنة بحجم مواردها.
وتابع: «السؤال ليس كم أنفقت ليبيا، بل ماذا بنينا بما أنفقناه؟ كم من الإنفاق العام تحول إلى رأس مال بشري؟ وكم تحول إلى بنية تحتية منتجة؟ وكم خلق صناعة قادرة على التصدير؟ وكم بنى شركات تستطيع المنافسة خارج ليبيا؟ وكم استثمرناه في تعليم جيل يستطيع أن يقود اقتصاداً لا يعتمد بالكامل على النفط؟».
وقال البوري إن التجربة الكورية تؤكد أن المشكلة ليست دائماً في حجم الموارد، وإنما في وجود رؤية تحدد أين تذهب هذه الموارد، مشيراً إلى أن كوريا بدأت أول خطة خمسية للتنمية الاقتصادية عام 1962، وتوالت الخطط بعد ذلك، وتغيرت الحكومات والظروف والأولويات، وتم تعديل السياسات، لكن المشروع التنموي لم يكن يبدأ من الصفر مع كل تغيير.
وأوضح أن ما تحتاجه ليبيا هو رؤية وطنية طويلة الأجل، يمكن أن تكون تحت عنوان «ليبيا 2050»، تحدد الاقتصاد الذي تريد الدولة بناءه، والقطاعات التي يمكنها المنافسة فيها، ونوع التعليم الذي يحتاجه هذا الاقتصاد، والمهارات المطلوب بناؤها، ودور القطاع الخاص، وما يمكن لليبيا تصديره إلى العالم إلى جانب النفط.
وأضاف أن هذه الرؤية يجب أن تُترجم إلى خطط خمسية بأهداف وأرقام ومؤشرات أداء واضحة، بحيث تستمر الرؤية مع تغير الحكومات والوزراء، ويتم تعديل الخطط وفق الظروف دون هدم المشروع الوطني وإعادة البدء من الصفر.
وختم البوري بالقول إن الدرس من كوريا ليس تقليد التجربة الكورية، وإنما فهم المبادئ التي ساعدتها على تحقيق هذا التحول، وفي مقدمتها بناء الإنسان، وتحديد الأهداف، وتوجيه الموارد نحوها، والاستمرار في تنفيذها رغم تغير الحكومات.
وتابع: «كوريا قبل سبعين عاماً لم تكن تملك النفط الذي نملكه، لكنها كانت تملك شيئاً ربما يكون أكثر قيمة من النفط: رؤية وإنساناً تم إعداده لتحقيقها».
وأضاف: «ولهذا ربما لا ينبغي أن نسأل: كم تملك ليبيا من الثروة؟ بل ماذا فعلنا بهذه الثروة، وأي إنسان نبني اليوم ليبني ليبيا الغد؟».









