الشحاتي: نقص الديزل عالمياً قد يعيد ترتيب العلاقات الدولية ويفتح فرصاً استثمارية أمام ليبيا

حذر الخبير في شؤون الطاقة محمد الشحاتي من أن محدودية المعروض من الديزل والمقطرات الوسطى في الأسواق العالمية قد تعيد تشكيل الحسابات الاقتصادية والسياسية للدول، في ظل التوترات الجيوسياسية واضطرابات الملاحة البحرية وتراجع تنافسية بعض مصافي التكرير، مشيراً إلى أن تداعيات الأزمة تتجاوز أسواق النفط إلى تكاليف النقل والزراعة والصناعة والتضخم.
وقال الشحاتي، في تدوينة بعنوان «كيف يعيد نقص المعروض من الديزل ترتيب العلاقات الدولية وأثر ذلك على ليبيا»، إن سوق الطاقة العالمية تشهد تحولاً يتجاوز توافر النفط الخام إلى القدرة على تحويله إلى المنتجات التي يحتاج إليها الاقتصاد، وفي مقدمتها الديزل، الذي يمثل مدخلاً أساسياً لتشغيل الشاحنات والآلات الزراعية والمعدات الصناعية، فضلاً عن استخدامه في توليد الكهرباء في عدد من الدول.
وأوضح أن التحولات الهيكلية في صناعة التكرير العالمية خلال العقدين الماضيين، بما شملته من توسع في استثمارات آسيا والشرق الأوسط وإغلاق بعض المصافي أو تقليص طاقاتها في أوروبا وغيرها من الاقتصادات الغربية، أسهمت في زيادة الضغوط على إمدادات المنتجات المكررة في بعض الأسواق.
وأضاف أن زيادة إنتاج النفط الخام لا تعني بالضرورة ارتفاع إنتاج الديزل بالنسبة نفسها، إذ يتوقف ذلك على خصائص الخام وتصميم المصافي وتوافر وحدات التحويل والمعالجة والقدرة التشغيلية المتاحة، ما قد يؤدي إلى استمرار نقص المنتجات المكررة حتى في ظل توافر كميات كافية من الخام.
وأشار الشحاتي إلى أن التوترات الجيوسياسية تزيد من حدة الاختلالات في سوق المنتجات النفطية، في ظل تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية على تجارة الطاقة، والمخاطر المرتبطة بالملاحة في مضيقي هرمز وباب المندب، وما قد يصاحبها من ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وإطالة مسارات النقل.
ولفت إلى أن تزامن اضطرابات الإمدادات مع محدودية الطاقة التكريرية الفائضة قد يجعل تعويض النقص أكثر صعوبة، ويحول القدرة على توفير شحنات إضافية من الديزل وتأمين وصولها إلى الأسواق المستهلكة إلى عامل استراتيجي يتجاوز الاعتبارات التجارية التقليدية.
واعتبر أن هذه التطورات قد تدفع الدول إلى إعادة ترتيب أولوياتها الاقتصادية والسياسية، خصوصاً عندما تتعارض أهداف السياسة الخارجية والعقوبات التجارية مع الحاجة إلى تأمين الوقود اللازم للنقل والإنتاج والزراعة.
وأوضح أن ارتفاع تكاليف الوقود ونقص المنتجات المكررة قد يفرضان ضغوطاً على السياسات الغربية تجاه أسواق الطاقة، بما قد يدفع إلى البحث عن بدائل للإمدادات أو تفاهمات تجارية أكثر مرونة مع الدول القادرة على توفير المنتجات المطلوبة.
لكنه أشار إلى أن هذه الضغوط لا تعني بالضرورة نشوء تحالفات سياسية جديدة أو التوصل تلقائياً إلى تسويات للنزاعات، إذ يمكن للدول اللجوء إلى المخزونات الاستراتيجية وتنويع الواردات وتقديم الدعم المؤقت، وإن كان ذلك قد يفرض أعباء مالية واقتصادية إضافية.
وفي ما يتعلق بليبيا، رأى الشحاتي أن التحولات في سوق المنتجات المكررة قد تتيح فرصة لإعادة النظر في موقع البلاد ضمن سلسلة القيمة النفطية، من خلال دراسة استقطاب استثمارات خاصة ودولية لإنشاء طاقة تكريرية حديثة تستهدف التصدير إلى الأسواق الخارجية، بدلاً من الاقتصار على تصدير النفط الخام واستيراد جزء من احتياجات المشتقات النفطية.
وأشار إلى أن الموقع الجغرافي لليبيا وقربها من الأسواق الأوروبية وإمكانية الوصول إلى موانئ البحر المتوسط قد يمنحانها مزايا تستحق الدراسة عند تقييم فرص تطوير مشروعات تكرير موجهة إلى التصدير.
وضرب مثالاً بالتجربة العُمانية في تطوير مصافٍ حديثة ذات توجه تصديري، موضحاً أن هذه التجربة تقدم نموذجاً يمكن الاستفادة من دروسه، من دون افتراض إمكانية نقله إلى ليبيا بصورة مباشرة، في ظل اختلاف الظروف الاستثمارية والتشغيلية بين البلدين.
وأضاف أن المشروعات المقترحة لا يشترط أن تعتمد حصراً على النفط الخام الليبي، إذ يمكن دراسة استيراد خامات ملائمة من مصادر متعددة أو الاستفادة من التدفقات التجارية في البحر المتوسط، بما يسمح بتطوير مركز تكرير قادر على خدمة الأسواق الأوروبية.
ومع ذلك، شدد الشحاتي على أن ارتفاع هوامش الديزل خلال فترات الندرة لا يكفي وحده لتبرير إنشاء مصافٍ جديدة، مؤكداً ضرورة إعداد دراسات جدوى متكاملة تشمل نوعية الخام ومصادره، ومزيج المنتجات المستهدف، وتكاليف الإنشاء والتشغيل والتمويل، وفرص التسويق بعقود طويلة الأجل، والقدرة على المنافسة خلال دورات السوق المختلفة.
وأكد الشحاتي أهمية أن يقوم هذا التوجه على استقطاب الاستثمارات الخاصة والدولية، بدلاً من تحميل الدولة أو المؤسسة الوطنية للنفط أعباء مالية ومخاطر استثمارية جديدة.
وأوضح أن دور الدولة ينبغي أن يتركز على توفير الاستقرار الأمني، ووضوح القواعد التعاقدية، وتطوير البنية التحتية اللازمة، وتهيئة بيئة استثمارية تدعم المنافسة واستمرارية الإنتاج والتصدير.
وخلص إلى أن نقص المعروض من الديزل يكشف عن تزايد الأهمية الاستراتيجية لصناعة التكرير في اقتصاد الطاقة العالمي، إذ لم يعد النفوذ مرتبطاً فقط بحجم الاحتياطيات النفطية أو القدرة على إنتاج الخام، بل أصبح يشمل أيضاً القدرة على تحويله إلى المنتجات المطلوبة وتوفيرها للأسواق في الوقت المناسب.
وبالنسبة إلى ليبيا، فإن الاستفادة من هذه التحولات، بحسب الشحاتي، تظل مشروطة بتوافر البيئة الأمنية والمؤسسية المناسبة وإثبات الجدوى الاقتصادية للمشروعات المقترحة، بما يتيح توسيع القيمة المضافة للقطاع النفطي واستقطاب استثمارات تصديرية من دون تحميل القطاع العام مخاطر لا تتناسب مع أولوياته.









