بوديب: السيطرة الأمنية في طرابلس ليست حقيقية، بل استعراض إعلامي

أكد المحلل السياسي ناصر بوديب، أن النشاط الأمني الذي تشهده العاصمة طرابلس مؤخرًا يعدُّ خطوة إيجابية ومحل ترحيب، لكنه شدد على ضرورة ضمان استمرارية هذه الجهود وقياس فعاليتها عبر مؤشرات وأرقام دقيقة من وزارة الداخلية، لتحديد مدى نجاح الحملات الأمنية وجدواها على المدى الطويل.
وأوضح بوديب في حديث لقناة “ليبيا الأحرار”، رصدته «الساعة 24» أن ما يجري في طرابلس من تحركات أمنية، وإن كانت محدودة في بعض المناطق، يمثل تطورًا محمودًا، غير أنه تساءل عن مدى قدرة المنظومة الأمنية والعسكرية الحالية على الاستمرار دون إصلاح شامل.
وأشار إلى أن هذه المنظومة بحاجة ماسة إلى تحديث وإعادة هيكلة بما يتماشى مع التحديات الراهنة، مؤكدًا أن الاعتماد على الأساليب القديمة في مكافحة الجريمة والتهريب لم يعد مجديًا في ظل الانقسام السياسي الذي تعيشه البلاد.
وأضاف المحلل السياسي، أن الإصلاح الأمني والعسكري لا يمكن أن يتحقق بمعزل عن الإصلاح السياسي، مبيناً أن وجود مؤسسات دولة فاعلة ومستقرة هو الشرط الأساسي لبناء منظومة أمنية قوية. قائلاً: “الدولة التي لا تمتلك مؤسسات راسخة لا يمكن وصفها بالدولة، بل تمر بمراحل انتقالية هدفها معالجة الأزمات وليس بناء الاستقرار“.
وفي حديثه عن الملف العسكري، أشار بوديب إلى أن حكومة الوحدة المؤقتة أعلنت التزامها بإخراج التشكيلات المسلحة من طرابلس، غير أن الواقع الميداني لا يعكس تنفيذًا فعليًا لهذا القرار، مشيرًا إلى أن منع تجول السيارات المصفحة أو سيارات الدفع الرباعي لا يمثل حلاً جذريًا للمشكلة.
وبينّ بوديب أن الحالة الليبية تختلف عن تجارب دول أخرى تشهد تغييرات حكومية متكررة دون أن يتأثر أمنها الداخلي، مؤكداً أن الانقسام السياسي العميق في البلاد يعطل المؤسسات ويؤثر سلبًا على أداء الأجهزة الأمنية والعسكرية.
ورأى المحلل السياسي أن الاستقرار السياسي هو الأساس لأي استقرار اقتصادي أو اجتماعي، مستشهدًا بتأثير الانقسام الحكومي على قيمة الدينار والوضع الاقتصادي العام، قائلاً: “لو كانت هناك حكومة واحدة تدير المال العام في البلاد، لكان الوضع الاقتصادي مختلفًا تمامًا، وما ينعكس على الاقتصاد ينطبق كذلك على التعليم والأمن والمجتمع“.
وتابع: حكومة الدبيبة تركز في عملها على الواجهة السياسية والإعلامية المتمثلة في العاصمة طرابلس، ساعية إلى تقديم صورة بأن المدينة تنعم بالأمن والاستقرار وأن الدولة بسطت سيطرتها على المظاهر العسكرية، غير أن الواقع يخالف ذلك تماماً – بحسب قوله.
واعتبر بوديب أن حكومة الدبيبة التي ستُكمل خمس سنوات منذ تسلم مهامها بحلول مارس المقبل، تأخرت كثيرًا في مواجهة الجماعات والتشكيلات المسلحة التي تسيطر على مناطق في العاصمة، متسائلًا عن أسباب هذا التأخير، وهل يعود إلى توازنات سياسية أو عسكرية فرضت نفسها منذ بداية عمل الحكومة.
وأشار إلى أن بعض الكتائب المسلحة التي تنشط اليوم في طرابلس كانت تتلقى دعمًا مباشرًا من الدولة نفسها، وهو ما جعل مهمة ضبطها لاحقًا أكثر صعوبة، مضيفًا أن هناك مدنًا ومناطق لا تزال خارج سيطرة الحكومة، حتى أن أحد وزراء الداخلية السابقين أكد صراحة بأنه لا يستطيع دخول إحدى تلك المدن.
ولفت بوديب أن أطرافًا أخرى تنافس الدولة في بسط نفوذها والسيطرة على “المربعات الأمنية والعسكرية”، مؤكدًا أن حكومة الوحدة تختار أحيانًا المناطق الضعيفة لفرض سيطرتها عليها في محاولة لإظهار قوتها، في حين تبقى مناطق أخرى أقوى من متناولها.
وفي قراءته لأسباب هذا الواقع، قال بوديب إن الأزمة لا تقتصر على الحكومة الحالية، بل هي نتاج تراكمات الحكومات المتعاقبة منذ عام 2011، مشيرًا إلى أن المؤتمر الوطني العام والمجلس الرئاسي السابق شكّلا بدورهما تشكيلات مسلحة، في استمرار لذات النهج الذي يعمّق حالة الانقسام الأمني.
وأضاف أن حكومة الدبيبة جاءت في ظروف استثنائية عقب حرب 2019، وهي حرب ساهمت في تقوية بعض الأطراف المسلحة داخل وخارج طرابلس، ما جعل من الصعب على الحكومة الجديدة مواجهتها أو نزع سلاحها. ونتيجة لذلك، اضطرت الحكومة إلى البحث عن تحالفات جديدة تضمن بقاءها وحمايتها.
ورغم تفهمه لصعوبة الظرف، شدد بوديب على أن ذلك لا يُعفي الحكومة من مسؤولياتها، مشيرًا إلى أن عليها منذ عامها الأول أن ترفع شعار “لا وجود لقوات مسلحة خارج الدولة”، وكان عليها أن تعمل بجدية لترسيخ هذا المبدأ.
وأشار إلى أن إصلاح المؤسستين العسكرية والأمنية في ليبيا لن يتحقق دون استقرار سياسي دائم، مؤكدًا أنه، حتى لو جاءت حكومة جديدة بعد حكومة الوحدة، فإنها ستواجه التحديات نفسها، وستضطر بدورها إلى البحث عن حلفاء من نفس القوى المسلحة التي تعاملت معها الحكومات السابقة.
وذكر بو ديب أن حكومة الوحدة لم تسع لمعالجة الأسباب الجوهرية للأزمة، بل تظهر بمظهر المكافح للظواهر الإجرامية، عبر زياراتها إلى المدن البعيدة عن بؤر التوتر في طرابلس، في محاولة لتقديم صورة دعائية عن جهودها في مكافحة الجريمة، وكان ينبغي عليها العمل على معالجة حقيقية.
وفي تعليقه على عمليات التهريب – سواء للبشر أو الوقود أو المخدرات – أكد المحلل السياسي أن هذه الجرائم تنتشر من رأس جدير غربًا إلى طبرق شرقًا، مؤكدًا أن “الكل يُهرّب”، وأن بعض أطراف الدولة نفسها متورطة في هذه الشبكات. لافتاً إلى أن حجم واردات ليبيا من الوقود يعادل واردات المملكة المغربية، التي يفوق عدد سكانها 45 مليون نسمة وتمتلك بنية صناعية قوية، في حين أن ليبيا لا تملك سوى جزء يسير من تلك القدرات، ما يثير تساؤلات حول وجهة هذه الكميات الضخمة ومن يقف وراءها. وبخصوص تهريب البشر والهجرة غير الشرعية بينّ بوديب أن ليبيا تحاول أن تقدم نفسها كـ “شرطي وحارس” على الشواطئ الجنوبية لأوروبا، رغم ضعف الإمكانيات المتاحة لديها، متسائلًا عن طبيعة الدعم الذي تتلقاه البلاد من الاتحاد الأوروبي مقابل هذا الدور.
وشدد بوديب على أن الدولة مطالبة بإعلان الأرقام الدقيقة حول الهجرة غير الشرعية، وتوضيح أدوار الأجهزة الأمنية والضبطية في المدن الساحلية، بدلًا من الاكتفاء بالاستعراض العسكري واستخدام الطيران المسيّر. وتساءل: “لماذا يتم اللجوء إلى الطيران بينما توجد أجهزة على الأرض يفترض أن تقوم بهذا الدور؟“
وأشار إلى أن ظاهرة تهريب المهاجرين لا تقتصر على مدينة زوارة فحسب، بل تمتد إلى مناطق أخرى، داعيًا الحكومة إلى وضع استراتيجية شاملة لحماية الحدود الجنوبية ومكافحة التهريب بكافة أنواعه. كما لفت إلى أن الدعم الأوروبي، وخصوصًا الإيطالي، يُمنح لبعض الأجهزة الأمنية الليبية التي يُفترض أنها تحمي السواحل، قائلاً إن “الملايين تُدفع دون نتائج ملموسة على الأرض“.
وانتقد ناصر بوديب، استخدام الطيران المسيّر في ضرب “الجرافات” الخاصة بصيادي الأسماك، معتبرًا أن هذه الممارسات تضر بمصادر رزق المواطنين وتؤكد غياب رؤية واضحة لدى الحكومة.
واختتم مداخلته بالتأكيد على أن ليبيا يجب أن تعيد النظر في استراتيجيتها الأمنية والسياسية، وألا تكتفي بلعب دور “الشرطي الأوروبي”، بل عليها أن تعمل على الاستفادة من التعاون الدولي في مجال الهجرة الشرعية والتنمية المحلية، كما فعلت دول الجوار مثل الجزائر وتونس ومصر.









