القريتلي: التمسك بالبعثة الأممية مضيعة للوقت ولابد من فك الارتباط معها
أكد الناطق باسم حزب صوت الشعب، عبد السلام القريتلي، أن الشعب الليبي يمتلك القدرة على التأثير وصناعة التحول السياسي إذا ما توافرت الإرادة والتنظيم.
وأوضح القريتلي في حديث لقناة «ليبيا الحدث»، رصدته «الساعة 24»، أن أي دعوات للتظاهر أو العصيان المدني يجب أن تستند إلى أجندة موحدة وتنسيق شامل بين الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني والنقابات والكيانات المدنية والقبلية، وذلك لضمان خروج الاحتجاجات بشكل منظم وغير عشوائي.
وحذّر من أن التحرك غير المنسّق قد يفتح المجال لاختراقات من جهات “لا تريد الخير للشعب الليبي”، وقد يؤدي إلى تعطيل الحياة اليومية للمواطنين دون أن يمسّ الطبقة السياسية التي “تعيش في أبراج عالية”.
وأشار القريتلي إلى ضرورة وجود حماية أمنية منظمة لأي حراك شعبي، حفاظاً على السلمية، ومنع انزلاقه إلى أعمال عنف أو تخريب، مؤكداً أن التظاهر السلمي حق مشروع، ولا أحد يمكنه رفضه إذا جاء ضمن ضوابط واضحة.
وتوقف القريتلي عند مفهوم العصيان المدني، مبيناً أن شريحة واسعة من الليبيين لا تملك معرفة دقيقة بمعناه وآلياته. ودعا إلى إقامة ندوات وحملات توعية عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي لتعريف المواطنين بشروط العصيان المدني وأساليبه السلمية، تجنباً لحدوث الفوضى أو سوء الفهم.
كما انتقد القريتلي الطبقة السياسية الحالية، معتبراً أن كثيراً من المسؤولين ينظرون إلى مناصبهم على أنها “مصادر للامتيازات لا وظائف خدمية للشعب والوطن”، وهو ما أدى – بحسب تعبيره – إلى إطالة الأزمة والصراع على المناصب بدلاً من التركيز على الحلول. مشيراً إلى أن المواطن الليبي اليوم يعاني الفقر وضيق العيش ونقص الخدمات الأساسية، مما يجعل استمرار الانسداد السياسي أمراً خطيراً قد يدفع نحو انفجار شعبي غير محسوب العواقب.
وشدد الناطق باسم حزب صوت الشعب على أن المرحلة التي تمر بها ليبيا “خطيرة للغاية”، وأن الحل يجب أن يكون “ليبياً – ليبياً” عبر حوار حقيقي بعيداً عن التدخلات الخارجية، مؤكداً أن استمرار تجاهل معاناة المواطن يهدّد بحدوث اضطرابات واسعة لا تُحمد عقباها.
ولفت أن المستقبل قد يكون أفضل إذا توحدت الجهود وتم تعزيز الوعي السياسي، داعياً جميع القوى الوطنية إلى تحمل مسؤولياتها والعمل بجدية للخروج بالبلاد من أزمتها المستمرة. وبين أن ليبيا تمتلك فرصة حقيقية للتغيير إذا اتحد الليبيون على كلمة واحدة مفادها أن “الوطن فوق الجميع”، مشدداً على أن الإرادة الشعبية قادرة على صناعة المستقبل وتغيير مسار الأحداث.
وقال القريتلي إن البعثة الأممية في ليبيا تحولت – بحسب تعبيره – من دورها المفترض كجهة داعمة لحل الأزمة، إلى طرف يدير الأزمة ويستفيد من الانقسام السياسي والأمني الداخلي، رغم معرفتها بجذور المشكلات الممتدة منذ 14 عاماً. وأضاف أن هذا الوضع أسهم في إطالة الأزمة وفتح المجال أمام السياسيين لتحقيق مكاسب شخصية على حساب الشعب.
وأشار القريتلي إلى أن عدداً من السياسيين تحوّلوا، بفضل بقائهم الطويل في مواقعهم، إلى رجال أعمال، مستفيدين من المناصب، دون تقديم أي خدمة حقيقية لليبيين. وانتقد أداء مجلس النواب ومجلس الدولة، مؤكداً أنهما لم يقدّما شيئاً يذكر للشعب، وكذلك البعثة الأممية التي لم تُحدِث أي تغيير إيجابي.
وأعاد القريتلي التأكيد على أن الحل يكمن في حوار “ليبي– ليبي” حقيقي بعيد عن التدخلات الخارجية، موضحاً أن عدداً من الأحزاب والائتلافات – ومنها حزب صوت الشعب – طالبت مراراً بفك الارتباط مع البعثة الأممية بعد أن أصبحت، بحسب رأيه، جزءاً من المشكلة وليست جزءاً من الحل.
وكشف القريتلي عن رسالة تلقتها الأحزاب في 28 أكتوبر 2020 من البعثة الأممية، تطلب فيها ترشيح ممثل عن كل حزب للمشاركة في “الحوار المهيكل”، مع احتفاظ البعثة بحق رفض أي شخصية، وهو ما اعتبره هيمنة كاملة على مسار الحوار، ومحاولة لإطالة الأزمة، ما دفع عدّة أطراف لرفض المشاركة.
وشدد القريتلي على أن أي مسار حقيقي للتغيير يجب أن يبدأ من الاستفتاء على الدستور وتحديد هوية الدولة، مشيراً إلى أن هيئة الاستفتاء أنجزت منظومتها منذ أكثر من عام، لكن المشروع تم تجميده “لأنه يتعارض مع مصالح أطراف معينة”.
وأوضح أن تفعيل الاستفتاء ومن ثم الذهاب إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية وفق دستور واضح هو الطريق الوحيد للخروج من “عنق الزجاجة”، مؤكداً أن استمرار الوضع الحالي سيُبقي ليبيا في حلقة مفرغة. واعتبر أن أي طرف يعتمد على البعثة الأممية لحل الأزمة فهو واهم. لافتاً إلى أن الحل يبدأ من الليبيين أنفسهم، ومن توافق وطني حقيقي يضع مصلحة البلاد فوق كل اعتبار”.
وأعرب القريتلي أن البعثة الأممية في ليبيا لم تنجح خلال أربعة عشر عامًا في تقديم حلول حقيقية للأزمة الليبية، مشيرًا إلى أن الشعب بات غير مقتنع بجدوى استمرار هذا المسار الدولي.
وتابع: توصيات اللجنة الاستشارية التي قُدمت لاحقًا في جلسة مجلس الأمن بتاريخ 21 أغسطس، لم تنفذ، مبيناً أن هذه المقترحات تشمل تشكيل حكومة توافقية لمدة تتراوح بين 18 و20 شهرًا، إلى جانب الحديث عن ملف الدستور، غير أن البعثة الأممية – بحسب قوله – تجاهلت هذه المخرجات ودخلت في مسار “الحوار المهيكل”، الذي اعتبره غير ملزم وغير معبّر عن إرادة الليبيين.
وتطرق القريتلي إلى آثار الصراعات العسكرية، خصوصًا في طرابلس، مشيرًا إلى أن بعض الأطراف السياسية تغادر إلى تونس عند وقوع المواجهات، بينما يتحمل الليبيون وحدهم الخسائر من أبناء وبيوت وموارد. وأضاف أن هذا الواقع يؤكد عجز الأمم المتحدة عن حماية مصالح الليبيين أو تحقيق تقدم في مسار السلام.
وأوضح إن فشل المسار الأممي بات “أمرًا محسومًا”، وأن فك الارتباط به أصبح مطلبًا شعبيًا واسعًا، معتبراً أن التمسك بالبعثة الأممية لم يعد سوى “مضيعة للوقت”، مضيفًا: “أي طرف ما زال يعوّل على البعثة الأممية فهو، مع كامل الاحترام، بعيد عن واقع المواطن الليبي.”
ودعا القريتلي إلى ضرورة إشراك الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني والقبائل وجميع شرائح المجتمع في تنظيم أي حراك، مؤكداً أن الحوار الليبي– الليبي داخل ليبيا هو الخيار الوحيد لتجاوز الأزمة. مبيّناً أن آلية اختيار ممثلي الحوار يجب أن تتم عبر ترشيحات من الأحزاب والمجتمع المدني والقبائل والقوات المسلحة لضمان مشاركة كل الأطياف.
وأشار إلى أهمية عقد “طاولة مستديرة”، تجمع الليبيين كافة، مؤكداً أن الشعب الليبي متجانس، وأن ما مرّت به البلاد “لا يصل إلى جزء بسيط مما شهدته رواندا”، ما يجعل الحل ممكناً إذا توفرت الإرادة الوطنية وتجنّبت الأطراف خطاب الكراهية.
وتابع القريتلي موضحاً أن الأزمة الاقتصادية الخانقة التي وصفها بالمرحلة الأخطر وصلت إلى حد أن “ثلث الشعب الليبي تحت خط الفقر”، لافتاً إلى أن الكثير من الأسر لم تعد قادرة على توفير قوت يومها، وهو ما يتطلب تحركاً عاجلاً نحو حل سياسي شامل.
وشدد القريتلي على استحالة إجراء انتخابات في ظل الوضع الأمني والسياسي الراهن، قائلاً إن “الانتخابات لا يمكن أن تُجرى بهذه الكيفية، فالأطراف المتصارعة لن ترضى بالنتائج، والتجارب السابقة للمفوضية العليا للانتخابات خير دليل على ذلك”. وأضاف أن غياب الدستور هو السبب الرئيسي في تعثر العملية السياسية، مستشهداً بتمديد الحكومات المتعاقبة وفترات بقاء أعضاء البرلمان لمدة 14 عاماً دون سند دستوري ينظّم ذلك.
وأوضح أن العملية الانتخابية لن تكون ممكنة ولا ناجحة ما لم تُبنَ على قاعدة أساسية متفق عليها، تتمثل في “هوية الدولة والدستور”.
وأضاف: لا يمكن بناء أي مشروع دون أساس، والأساس في الدول هو الدستور أو ما يقوم مقامه، المهم مخرجاته التي تنظّم صلاحيات الرئيس، والبرلمان، والوزارات، واسم الدولة وشكلها. كاشفاً عن وجود تحركات لحوار ليبي شامل ستظهر نتائجها قريباً، مشيراً إلى أن المؤتمر المنتظر سينعقد داخل ليبيا وبمشاركة ممثلين من مختلف المدن الليبية. وأكد أن الحوار سيرتكز على وضع هوية الدولة والدستور كمدخل أساسي لأي مسار إصلاحي.
وبيّن أن المرحلة القادمة ستكون أفضل بفضل التنسيق بين القوى السياسية والنخب الوطنية، مؤكداً ثقته بأن ليبيا “ولّادة” وستقدّم شخصيات قادرة على إنقاذ البلاد وقيادتها نحو برّ الأمان.
وأردف: أن الليبيين باتوا أكثر إدراكًا لأهمية اختيار ممثليهم، ولم يعودوا مستعدين لانتخاب شخص غير مؤهل أو غير وطني أو غير قادر على تحمل المسؤولية. وأضاف أن الحوار المباشر مع المواطنين يؤكد وجود وعي متزايد برفض تكرار أخطاء التجارب السابقة.
ورأى أن أي عملية انتخابية مقبلة يجب أن تُبنى على أساس دستوري متين، معتبرًا أن معالجة الإطار الدستوري هو خطوة ضرورية قبل الذهاب إلى صناديق الاقتراع. معرباً عن ثقته في أن مخرجات أي استفتاء أو انتخابات قادمة ستكون أفضل بكثير من نتائج المنظومات السياسية الحالية، بما فيها البرلمان ومجلس الدولة.
وختم القريتلي بأن الشعب الليبي، رغم المعاناة، استفاد من التجربة وامتلك اليوم قدراً أعلى من الوعي السياسي يمنعه من تكرار أخطاء الماضي، مؤكداً أن المستقبل قد يحمل فرصاً أفضل إذا ما صيغت العملية السياسية على أسس صحيحة.









