بالكور: استمرار السحب من الاحتياطي سيقود لانهيار مفاجئ في سعر الدينار

قال الرئيس السابق للجنة المالية بمجلس النواب، وأستاذ التمويل والمصارف بجامعة الزاوية، الدكتور عبد المنعم بالكور، إن النتائج التي حققها مصرف ليبيا المركزي خلال العام الأول من تولّي المحافظ ناجي عيسى مهام مجلس الإدارة “غير مُرضية”، بالنظر لاستمرار الفجوة الكبيرة بين سعر الصرف الرسمي والسوق الموازية، إضافة إلى تذبذب الأسعار، رغم أن الهدف الأساسي للمصرف هو تحقيق الاستقرار المالي ودعم النمو الاقتصادي.
وأوضح بالكور في حديث لقناة “ليبيا الأحرار”، رصدته “الساعة 24″، أن المصرف المركزي نظّم في الأسبوع الماضي مؤتمراً لإنشاء شركة قابضة وصناديق استثمار، في محاولة لفتح مجالات أكبر لعمل المصارف التجارية والتأثير على عرض النقود. كما طرح فكرة شهادات المضاربة وفق الصيغة الإسلامية، التي تتيح للمواطنين إيداع أموال في المصارف لتستثمرها لدى المصرف المركزي، بعوائد قد تتراوح بين 6 و7% حسب طبيعة الاستثمارات.
لكن رغم هذه الخطوات، يرى بالكور أن الطريق لا يزال طويلاً، فالأزمة أكثر تعقيداً من مجرد إجراءات نقدية. واستدرك قائلاً إن سحب العملات أو طباعة أوراق نقدية جديدة لم ينعكس على أزمة السيولة التي ما زال المواطن يعاني منها، لأن المشكلة –كما قال– “ليست في كمية النقود المطبوعة”، فالمصرف ضخ نحو 30 مليار دينار، ولا تزال دفعات جديدة في الطريق، لكن الأزمة الحقيقية تكمن في غياب الثقة بين المواطن والنظام المصرفي.
وأوضح أن أي مبالغ تُضخ للمصارف ستختفي سريعاً طالما استمرت الفجوة بين السعر الرسمي والموازي، وحتى بين سعر بيع الدولار نقداً وسعر بيعه عبر “الصك”. وهذا التفاوت، وفق قوله، سيُبقي أزمة السيولة مستمرة.
وأشار بالكور إلى أن المصرف المركزي فعّل نظام نقاط البيع والبطاقات المصرفية، وأصبحت المدفوعات الإلكترونية جزءاً من حياة الناس، وهو تطور إيجابي، لكنه لا يلغي مشكلة السيولة التي تتطلب معالجة شاملة تشمل جميع مؤسسات الدولة.
ولفت إلى أن توحيد المصرف المركزي خطوة مهمة، لكن بقاء باقي المؤسسات منقسمة، ووجود حكومتين تنفقان بشكل منفصل، يجعل من الصعب تنسيق السياسات الاقتصادية. وقال إن أي قرارات تتعلق بالضرائب أو الرسوم الجمركية أو السياسة المالية تحتاج لتوافق بين الحكومتين، وهو ما لا يحدث حالياً.
ولفت بالكور بالتأكيد على أن الحل يتطلب وجود حكومة موحّدة تدير شؤون البلاد وتنسّق بين السياسات المالية والنقدية والتجارية، مؤكداً أن “السياسات الاقتصادية تشتغل مثل التروس… ولا يمكن لأي ترس أن يعمل وحده”.
وأكّد أن الاعتمادات المستندية تمثّل الأداة الأساسية لتمويل التجارة الخارجية في ليبيا، وهو ما يجعل تأثيرها مباشرًا على ميزان المدفوعات. وأوضح أن حجم الاعتمادات المطلوبة مرتبط بمصادر الدولة من العملة الصعبة، وفي مقدمتها – وربما حصريًا – عائدات النفط.
وأشار بالكور إلى أن التعامل بالعملة الصعبة أصبح محل تركيز دولي، خصوصًا فيما يتعلق بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. وكشف أن البنك الفيدرالي الأمريكي، بوصفه المصرف المراسل لمصرف ليبيا المركزي في تسوية المعاملات بالدولار، شدّد في الفترة الماضية على ضرورة تكليف شركات تدقيق دولية لمراجعة الاعتمادات المستندية الليبية.
وبيّن أن العيّنة التي دُققت شملت سبعة وتسعين اعتمادًا، تبيّن أن تسعة وثمانين منها تحتوي على خلل، أي بنسبة تجاوزت تسعين في المئة، ما يعكس حجم التشويه والفساد الذي شاب هذا الملف.
ولفت بالكور إلى أنه في عام 2020 كانت هناك محاولة – أطلقها في ذلك الوقت للتعاقد مع شركة دولية تُعنى بتتبّع الاعتمادات منذ فتحها، ومراجعة المستندات المرتبطة بها، وتتبع حركة البضائع من الميناء وحتى وصولها إلى وجهتها النهائية. لكن تلك الخطوة واجهت اعتراضات مفاجئة، حتى من شركات النقل وكبار التجار، الذين – كما قال – يخشى بعضهم فقدان الامتيازات التي يوفرها سوء استخدام الاعتمادات. ورغم أن مكتب النائب العام دعم هذه المبادرة، إلا أنها أُوقفت حينها.
وأضاف أن مصرف ليبيا المركزي يحاول اليوم إعادة إحياء الفكرة، بغضّ النظر عن الجهة التي ستشرف عليها، سواء كانت وزارة المالية، أو وزارة الاقتصاد ،أو مكتب النائب العام، أو محافظ المصرف. وأوضح أن المركزي أعلن استعداده لتحمّل التكاليف كاملة، والتي قد تصل إلى مئة مليون، مقابل حماية ما يقارب ثلاثة أرباع مليار من الأموال التي قد تُهدر عبر الاعتمادات المضروبة.
وأكّد بالكور أن هذه الشركات ستضبط مسار البضائع وكمياتها وأسعارها، مبيّنًا أنه في التجارب السابقة وُجدت بضائع تُستورد بالقيمة نفسها لكن بأسعار مختلفة بشكل كبير، بهدف التضليل والتهريب. أما أموال كثيرة فقد انتقلت إلى دول وسيطة وشركات خارج نطاق المستفيدين الحقيقيين.وأشار إلى أن نحو تسعين في المئة من قضايا تهريب المخدرات التي تُضبط في الموانئ تُقيّد ضد مجهول، لأن المستندات المرتبطة بها مزوّرة أو غير صحيحة، وهو ما يعكس حجم التشويه البنيوي في منظومة الاعتمادات.
وفيما يتعلق بالشق القانوني، قال بالكور إن المصرف المركزي يملك – من حيث المبدأ– صلاحية التعاقد مع شركات التتبع طالما أن الهدف هو حماية العملة الصعبة وحفظ المال العام، مؤكدًا أن شركات التدقيق الدولية التي تم تكليفها بالفعل ستراجع الاعتمادات وتكشف أي حركة مالية غير شرعية، سواء كانت لتمويل الإرهاب أو لغسل الأموال.
وأشار إلى أن التجربة العراقية تمثل نموذجًا ناجحًا، إذ لم يتمكن العراق من ضبط عملته ومنع تهريب الأموال إلا بعد الاستعانة بشركات تدقيق دولية، مؤكدًا أن الظروف الليبية مشابهة إلى حد كبير.
وبينّ بالكور بالقول إن المعلومات المتوفرة لديه تشير إلى أن تطبيق هذه المنظومة قريب جدًا، وربما يبدأ مطلع العام المقبل، مع احتمال مواجهة مقاومة من بعض الأطراف المستفيدة من الوضع القائم، لكنه شدّد على أن هناك إصرارًا حقيقيًا على المضي في هذه الإصلاحات، خاصة مع دعم مكتب النائب العام لهذه الخطوات.
وحذّر بالكور من التراجع المستمر في الاحتياطيات الأجنبية، مؤكداً أنها تمثل خط الدفاع الأول عن استقرار الدينار الليبي. وقال إن ليبيا استفادت في السنوات التي سبقت عام 2011 من ارتفاع أسعار النفط، ما مكّنها من تكوين احتياطي تجاوز 130 مليار دولار، وهو ما جعل الدينار يحافظ على قيمته رغم الأزمات المتلاحقة.
وأوضح بالكور أن الاحتياطي انخفض اليوم إلى نحو 70 مليار دولار نتيجة توقف تصدير النفط فترات متعددة، إضافة إلى ما وصفه بـ “الإنفاق الحكومي غير المدروس”، محذراً من أن استمرار السحب بمعدل 10 مليارات سنوياً قد يؤدي إلى نفاد الاحتياطي خلال سبع سنوات، وهو ما ينذر بـ “انهيار مفاجئ” في قيمة الدينار.
وأكد أن المحافظ أصبح أكثر حذراً في استخدام الاحتياطيات، لأنها يجب أن تُوظف فقط في مواجهة الأزمات العالمية أو الكوارث، لا في تمويل الإنفاق الاستهلاكي للحكومات.
وفيما يتعلق بالتضخم، شدد بالكور على أن السياسات النقدية في ليبيا “شبه معطلة”، إذ لا تُفعّل أدوات مثل سعر الفائدة وعمليات السوق المفتوحة وشهادات المضاربة، رغم تأثيرها المباشر على عرض النقود وضبط الأسعار.
ودعا إلى تفعيل قانون ضريبة الدخل رقم 18 لسنة 2023 الذي يمكن أن يوفر للدولة نحو 5 مليارات دينار، إضافة إلى مراجعة سياسة الدعم التي تستهلك موارد ضخمة من العملة الصعبة، خصوصاً في قطاعي الكهرباء والوقود.
كما انتقد ما وصفه بـ “غياب التعرفة الجمركية الفعالة”، مؤكداً أن ليبيا تستنزف احتياطاتها من النقد الأجنبي في استيراد سلع كمالية دون فرض رسوم حقيقية، في وقت تفرض فيها دول أخرى رسوماً قد تصل إلى 300% على السلع ذاتها. وأشار إلى أن هذا الخلل ساهم أيضاً في ازدياد عمليات التهريب نحو دول الجوار.
وختم بالكور بالتأكيد على ضرورة تبنّي نظام ضرائب تصاعدية يحقق العدالة الاجتماعية، مؤكداً أن إصلاح الاقتصاد يتطلب توازناً بين سياسات الدعم والضرائب والإنفاق العام.









