اخبار مميزةليبيا

الشاعري: مكافحة الفساد لن تنجح دون تعاون شامل بين الرقابة والقضاء

دعا المحلل السياسي، معتصم فرج الشاعري، مصرف ليبيا المركزي وهيئة الرقابة على المصارف إلى اتخاذ إجراءات صارمة بحق المصارف التي وردت أسماؤها في التحقيقات الجارية حول قضايا الفساد، بما يضمن وقف التجاوزات وضبط أداء القطاع المالي. مؤكداً أن تفشي الفساد في ليبيا يتجاوز مجرد تأثير الانقسام السياسي والمؤسسي المستمر منذ عام 2014، مشددًا على أن خطورته تكمن في تمدده داخل منظومة العمل المالي نفسها، ما يستدعي تحركًا عاجلًا وجادًا.

ورأى الشاعري، في تصريحات لقناة «الوسط»، رصدتها «الساعة 24»، أن هذا الانقسام كان عاملًا مساعدًا في تفاقم التجاوزات، لكنه ليس السبب الأساسي لها، مبينا أن بعض الجهات تحاول تعليق الأخطاء والتجاوزات الإدارية والمالية على شماعة الانقسام، سواء في القطاع المصرفي أو في قطاعات حكومية أخرى، إلا أن الفساد بات ممتدًا في المصارف والوزارات على حدّ سواء، بحسب الشاعري الذي قال إن مكتب النائب العام ومكتب التحقيقات يعكفان على عدد كبير من القضايا التي طالت مسؤولين ومصارف متعددة، بل ووصلت التحقيقات إلى وزراء حاليين وسابقين.

وأشار إلى أن الأجهزة الرقابية والمحاسبية – مثل ديوان المحاسبة وهيئة الرقابة الإدارية – تتحمل مسؤولية رئيسية في استكمال الملفات التي يجري التحقيق فيها، وإحالتها بشكل مكتمل إلى مكتب النائب العام، لافتًا إلى أن هناك ملفات فساد ما تزال عالقة داخل هذه الجهات دون استكمال إجراءاتها.

وبينّ الشاعري، أن النائب العام وضع يده على بداية الطريق، في معالجة هذا الملف، غير أنّ الفساد يمتد عبر حلقات معقدة قد تصل خارج الحدود الليبية، الأمر الذي يتطلب تعاونًا رقابيًا وقضائيًا شاملًا.

وأوضح أن الفساد داخل المنظومة المصرفية يختلف عن الفساد داخل المنظومة الإدارية، معتبرًا أن الربط بينهما بشكل مباشر غير دقيق، رغم احتمال وجود جزئيات بسيطة تتقاطع فيها بعض القضايا، لكنها – بحسب قوله – لا تشكل نمطًا عامًا. وأضاف أن بعض الملفات قد تتشابه بسبب عوامل اجتماعية أو قبلية أو ارتباطات شخصية، إلا أن هذه التشابهات ليست كافية لاعتبارها جزءًا من شبكة واحدة.

وأشار إلى أن الانقسام السياسي، قد يجعل بعض المناطق أكثر عرضة لانتشار الفساد من غيرها، لكنه شدد على أن ذلك لا يبرر تعميم الارتباط بين مختلف القضايا.

وعن البعد الخارجي لملفات الفساد، أكد الشاعري، أن بعض الجرائم تمتد إلى مصارف ودول خارج ليبيا، لافتًا إلى أن دولًا معينة تتعاون في تزويد ليبيا بالمعلومات بينما ترفض دول أخرى التعاون، وهو ما يثير – بحسب تعبيره – شبهات حول علاقاتها بشبكات الفساد. وقال: “عندما ترفض دولة التعاون في قضية فساد واضحة، فهذا يعني أنها مرتبطة بطريقة أو بأخرى بالمنظومة التي تسعى لحماية المتورطين”.

ورغم الصعوبات السياسية، اعتبر الشاعري، أن مكتب النائب العام يمتلك صلاحيات واسعة تمكّنه من ملاحقة الفاسدين سواء داخل البلاد أو خارجها، من خلال النشرات الحمراء وآليات التتبع الدولي والاتفاقيات الثنائية، لكنه أوضح أن هذه الإجراءات تتطلب خطوات سابقة وتعاونًا جادًا من الدول المعنية.

ولفت المحلل السياسي، إلى أن البيئة السياسية الحالية لا تساعد على الإطلاق، في مكافحة الفساد بسبب الانقسام المؤسسي، إلا أن جهود النائب العام – على حد وصفه – استطاعت كسر حدود هذا الواقع. مبيناً أن مكتب النائب العام لم يكتفِ بالتحقيق في قطاع المصارف، بل مدّ يده إلى كل الجهات الحكومية في الدولة الليبية، في محاولة لوقف نزيف الفساد الذي أثقل كاهل المواطن والاقتصاد.

وعلق الشاعري، حول مستقبل القطاع المصرفي في ليبيا، معتبرًا أن السيناريوهات السياسية والمؤسسية الأقرب للحدوث لن تصل إلى إعادة هيكلة شاملة كما يطرح بعض المتخصصين، بل ستتجه – وفق قوله – نحو حلول جزئية تفرضها موازين القوى داخل المشهد الليبي.

وتابع: المصرف المركزي وإدارة الرقابة على المصارف، يقع على عاتقهما دور محوري في مواجهة الفساد المنتشر داخل عدد من المؤسسات المصرفية، مؤكدًا أن هذه الجهات يجب أن تعمل بتنسيق مباشر مع الأجهزة الرقابية، وعلى رأسها هيئة الرقابة الإدارية وديوان المحاسبة ومكتب النائب العام.

وذكر الشاعري، أن المصرف المركزي، مطالب بإعداد خطة متكاملة بالشراكة مع هذه الجهات للحد من التجاوزات المتراكمة، لافتًا إلى أن أي إصلاح حقيقي في القطاع المصرفي يستلزم رؤية موحدة وإجراءات واضحة تضمن معالجة الخلل من جذوره.

وأوضح الشاعري، أن المسؤولية الأساسية في إعادة ترتيب البيت الداخلي للقطاع المصرفي تقع على المصرف المركزي نفسه، باعتباره الجهة التي تشرف على كل المصارف العاملة في ليبيا وتمنحها الإذن لمزاولة العمل. موضحا أن التعاون مع الأجهزة الرقابية لا يعني نقل الصلاحيات إليها، بل إشراكها في الصورة لضمان الشفافية، وتوفير البيانات، ولتكون عاملًا مساعدًا في اتخاذ إجراءات تنظيمية ورقابية سليمة، بما يمنع وقوع المصرف المركزي في الأخطاء أثناء تنفيذ خطط الإصلاح.

وختم الشاعري حديثه بالقول: إن المرحلة المقبلة تتطلب تنسيقًا فعليًا بين المؤسسات وليس مجرد بيانات أو تأكيدات، مؤكدًا أن غياب هذا التنسيق يهدد استمرار الفساد، بينما وجوده يشكل خطوة أولى نحو إصلاح القطاع المالي الذي يعد أحد أعمدة الاستقرار الاقتصادي في البلاد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى