الراجحي: على الدبيبة إعفاء الطرابلسي بعد فشل خططه الأمنية وتفاقم الفوضى

أكد المحلل السياسي عبد السلام الراجحي، في تعليقه على حادثة مقتل خنساء المجاهد في طرابلس، أنّ ليبيا تواجه نموذجين من المجرمين؛ الأول هو المجرم العادي المعروف في كل دول العالم، من سويسرا والدنمارك وصولاً إلى الأردن والمغرب، كالقاتل وتاجر المخدرات ومجرم الحرابة والسطو المسلح. ورغم خطورته، فإن هذا النوع – بحسب الراجحي – يمكن تتبّعه والقبض عليه والحد من أثره.
غير أن الأخطر، كما أوضح، هو المجرم الذي يرتكب جرائمه مرتدياً زيّ الأجهزة الأمنية أو العسكرية، في إشارة إلى غرب ليبيا، مستفيداً من موقعه وسلطته. وأشار إلى أن هذا النمط بات يشكل التهديد الأعمق، وهو ما تكشفه الأرقام الرسمية بوضوح.
ولفت الراجحي في حديث لقناة “ليبيا الأحرار”، ورصدته “الساعة 24” إلى أنّ البلاد، ومع اقتراب نهاية نوفمبر، شهدت خلال 22 يوماً فقط صدور بيانات رسمية عن مكتب النائب العام تؤكد القبض على متهمين في سبع جرائم قتل. ومن بين هذه الجرائم – وبالأرقام – لم تُسجّل سوى جريمة واحدة ارتكبها شخص مدني لا يتبع أي جهاز أمني، فيما جاءت ست جرائم أخرى (بنسبة 86%) على أيدي عناصر يرتدون الزي العسكري أو الشرطي، غرب ليبيا.
أشار إلى أن ميزانية وزارة الداخلية التابعة لحكومة الدبيبة، خلال عشرة أشهر فقط بلغت ملياراً و651 مليون دينار من البابين الثاني والثالث “باستثناء الرواتب”، وهي – كما قال – أعلى من ميزانيات وزارات الدفاع والصحة والتعليم مجتمعة للبابين نفسيهما. وبرغم ذلك، فإن مستويات الانضباط والأداء الأمني – حسب تعبيره – لا تعكس حجم هذا الإنفاق الضخم.
ولفت الراجحي إلى أن معالجة الانفلات الأمني تتطلب مساءلة حقيقية للقيادات قبل الأفراد، مؤكداً أن استمرار الجرائم المرتكبة من داخل الأجهزة الأمنية والعسكرية هو مؤشر خطير على غياب الإصلاح الجذري لهذه المؤسسة.
وأضاف الراجحي أن جوهر المشكلة يبدأ من تحديد المسؤول الحقيقي عن أي جريمة، مشيراً إلى أن كثيراً من القضايا التي جرى الإعلان عنها لم تكن لتقع لولا الإخفاقات داخل الأجهزة المكلفة بالضبط والرقابة والمتابعة.
وأوضح أن التقارير القضائية خلال شهر نوفمبر وحده كشفت تورط عناصر من المخابرات والشرطة القضائية والبحث الجنائي والشرطة العسكرية وحتى شرطة الآداب، وهو ما يعكس ـ بحسب وصفه ـ خللًا شاملاً دون استثناء لأي جهاز.
وأشار إلى أن قادة الأجهزة الأمنية يتحملون مسؤولية مضاعفة، متسائلاً: “كيف يُترك عناصر متورطون في جرائم قتل وتعذيب دون متابعة أو تقييم دوري؟ وكيف تُمنح لهم سيارات وسلاح وصلاحيات كاملة ثم يُطلقون دون رقابة على الناس؟”.
وتابع الراجحي موضحًا أن بعض الجرائم صنِّفت في البداية كقضايا جنائية قبل أن يتبين لاحقاً أنها جرائم سياسية، مستشهداً بمحاولة اغتيال عبد المجيد مليقطة، التي تبيّن لاحقاً أنّ منفذيها أفراد من جهاز المخابرات العامة يقودهم نجل رئيس الجهاز، متسائلاً عن أسباب غياب المساءلة للرئيس المباشر أو الجهات الأعلى سلطة.
وانتقد الراجحي غياب دور المجلس الرئاسي باعتباره القائد الأعلى للجيش، وفق قوله، موضحاً أن أعضاءه منشغلون عن مسؤولياتهم الأساسية، في الوقت الذي تتزايد فيه الجرائم التي يرتكبها منتسبون للمؤسسة الأمنية في الشرق والغرب والجنوب، والتي بلغت ـ وفق تقديره ـ 86% من إجمالي جرائم شهر نوفمبر.
وجّه الراجحي رسالة مباشرة إلى رئيس حكومة الوحدة المؤقتة عبد الحميد الدبيبة، داعياً إياه إلى اتخاذ قرار حاسم بإعفاء وزير الداخلية عماد الطرابلسي، الذي قال إنه أخفق ـ رغم توفر الإمكانيات ـ في وقف التدهور الأمني بعد ثلاث سنوات و16 يومًا من توليه المنصب، مشيراً إلى فشل ست عمليات أمنية كبرى أطلقها الوزير دون نتائج ملموسة.
وأضاف أن استمرار الطرابلسي في منصبه بات عبئاً على استقرار العاصمة، مقترحاً نقله إلى موقع آخر، مثل منصب نائب رئيس الوزراء، وتعيين وزير داخلية قادر على فرض النظام وإعادة الانضباط داخل الأجهزة.
كما حذّر الراجحي من أن الوضع في غرب طرابلس أشبه بـ”برميل بارود”، نتيجة تجاوزات عناصر تتبع وزارة الداخلية يرتدون زيّها ويحملون سلاحها ويستفزون المواطنين، خصوصاً الشباب في مناطق السراج وحي الأندلس. وشدد على أن تجاهل هذه الانتهاكات سيقود إلى انفجار أمني، لن تفيد معه أي تبريرات لاحقة عن مؤامرات أو أطراف خارجية. داعياً إلى إيقاف العناصر المتجاوزة وإعادتهم إلى معسكراتهم، ومنعهم من الاحتكاك بالمدنيين، مؤكداً أن استمرار تركهم دون ضبط يفاقم حالة الانفلات ويهدد السلم المجتمعي.
من جهة ثانية اعتبر الراجحي أن الانهيار الأمني في ليبيا ليس مجرد خلل داخلي، بل هو نتاج معقد لتدخلات المجتمع الدولي وأخطاء البعثات التي أشرفت على عمليات الحوار السياسي منذ الثورة.
وبينّ أن كثيراً من الذين أصبحوا وزراء أو مسؤولين في الحكومة الحالية وصلوا إلى مناصبهم بفضل نفوذهم أو جرائمهم السابقة، مثل التهريب أو القتل أو التعذيب، وليس بسبب كفاءتهم في خدمة المواطنين.
وأكد الراجحي أن تكرار منح المناصب للأشخاص المجرمين، وتوفير الحماية لهم عبر شبكات وأحكام قضائية متساهلة، يؤدي إلى تعزيز ثقافة الإفلات من العقاب، ويخلق بيئة يُنظر فيها للانتهاكات على أنها مقبولة إذا صاحبتها أعمال “خيرية” جزئية، ما يزيد من التحديات الأمنية ويضعف سلطة الدولة ويهدد الاستقرار في كافة أنحاء ليبيا.
وقدم الراجحي حلولاً اعتبرها بحسب وجهة نظره كافية للإصلاح، تتمثل في أن التشكيلات المسلحة التي أصبحت منضوية تحت السلطات الرسمية يمكن إصلاحها من الداخل، من خلال رفع كفاءتها وتعزيز ضوابط الرقابة والسلطة داخل هذه التشكيلات.
وتابع: تطبيق سياسة العقاب والمحاسبة على المخالفين أمر ضروري لضمان الانضباط، موضحًا أن أي وزير أو مسؤول يفشل في أداء مهامه يجب أن يتحمل مسؤولية ذلك، وليس المجتمع أو المواطن.
ولفت الراجحي إلى أن الأزمة الأمنية في غرب طرابلس تعكس تقصيرًا في إدارة عناصر وزارة الداخلية، وخصوصًا أولئك الذين يرتكبون انتهاكات يومية بحق المواطنين سواء بالكلام أو السلوكيات. وقال إن الحل يبدأ بضغط القيادة السياسية على وزير الداخلية، لضمان التزامه بالإصلاحات وتنفيذ توجيهات الحكومة العليا.
وأوضح الراجحي أن عماد الطرابلسي، وزير الداخلية، يمتثل لتوجيهات رئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة، لكنه مع ذلك لا يستطيع بمفرده حل كل المشكلات في غرب طرابلس، حيث تحتاج القضية إلى تدخل مباشر من القيادة العليا، بما في ذلك تعيين نائب مسؤول عن متابعة الوزارة على الأرض. ولفت إلى أن تزايد الاستفزازات من بعض العناصر يجعل من غرب طرابلس منطقة شديدة الانفجار إذا لم تُتخذ إجراءات عاجلة لتقويم سلوك الموظفين وإصلاح المنظومة الأمنية.









