احميد: أوروبا مستنزفة مالياً وعسكرياً وحضورها السياسي يتراجع في أفريقيا

أكد المحلل السياسي إدريس احميد أن انعقاد القمة الإفريقية الأوروبية السابعة في العاصمة الأنغولية لواندا يأتي في لحظة فارقة تشهد خلالها القارة الإفريقية تحولات سياسية واقتصادية وأمنية عميقة، بينما تواجه أوروبا تحديات غير مسبوقة بفعل الحرب الروسية–الأوكرانية وتسارع التنافس الدولي. ويشير احميد إلى أن ست قمم سابقة لم تفِ بمعظم تعهّداتها، ما يجعل قمة لواندا اختبارًا حقيقيًا لإعادة ضبط العلاقات بين القارتين وبناء شراكة أكثر واقعية وتوازنًا.
ويرى احميد أنه رغم الحديث الأوروبي المستمر طوال ربع قرن عن “شراكة بين الندّين”، فإن الواقع ظلّ يميل لصالح أوروبا التي استفادت من إرث نفوذ تاريخي في إفريقيا. إلا أن المشهد الراهن تغيّر جذريًا؛ فالقارة لم تعد تعتمد على أوروبا وحدها، بعدما عززت الصين حضورها الاقتصادي عبر مشاريع البنية التحتية الكبرى، ووسّعت روسيا نفوذها السياسي والأمني، فيما تحاول الولايات المتحدة إعادة تموضعها ضمن سباقها الاستراتيجي مع الصين. هذه التحولات، بحسب احميد، منحت الدول الإفريقية قدرة أكبر على تنويع شراكاتها والتفاوض وفق مصالحها الوطنية، وهو ما يربك الحسابات الأوروبية التقليدية.
ويضيف احميد في مقال، أن أوروبا تواجه اليوم ضغوطًا واسعة نتيجة الحرب في أوكرانيا التي استنزفت الكثير من قدراتها المالية والعسكرية، وأضعفت موقعها داخل إفريقيا أمام التقدم المتزايد لموسكو وبكين. ويتجلى ذلك، كما يقول، في توجه عدد من الدول الإفريقية نحو روسيا والصين بوصفهما شريكين أقل تعقيدًا وأقل تدخلًا في الشؤون الداخلية. وفي الوقت الذي تواصل فيه أوروبا دعم أوكرانيا، تجد نفسها مضطرة لإعادة ترتيب حضورها السياسي والاقتصادي في القارة، خوفًا من خسارة نفوذ يجعل دورها مستقبلاً هامشيًا.
ويلفت احميد إلى أن القمة الحالية تكشف كذلك حجم التباين بين أوروبا والولايات المتحدة، خاصة بعد عودة إدارة ترامب التي لا تتعامل مع روسيا بالحدة الأوروبية نفسها، وتضع تركيزًا أكبر على مواجهة الصين. هذا التباين يضعف، برأيه، الموقف الغربي داخل إفريقيا ويجعل أوروبا تتحرك منفردة، بما يقلل من تأثيرها.
أما على جدول الأعمال، فيشير احميد إلى مجموعة ملفات ضاغطة، تأتي الهجرة في مقدمتها؛ إذ ترى إفريقيا أنها نتيجة مباشرة لفشل التنمية وغياب العدالة الاقتصادية في علاقتها مع أوروبا، إضافة إلى إرث طويل من استغلال الموارد. وفي ملف المناخ، تؤكد الدول الإفريقية – وفقًا له – أن مكافحة الفقر أولوية تتقدم على خفض الانبعاثات، وأن أي التزامات بيئية تحتاج إلى تمويل حقيقي لا إلى وعود متكررة. وتبرز أيضًا قضايا الأمن والصراعات والتحول الرقمي والتنمية الاقتصادية، وإن كانت ـ من منظور إفريقي ـ أقل إلحاحًا من الفقر والبطالة وتدهور الخدمات العامة.
ويرى احميد أن ما تعلنه أوروبا من نوايا لتقوية الشراكة لا يخفي حقيقة أن القمة تمثل محاولة واضحة لاستعادة حضورها ومنع توسع النفوذ الروسي والصيني. فالقارة السمراء باتت اليوم ساحة تنافس عالمي مفتوح، تسعى فيها القوى الدولية لتعزيز مواقعها في الأسواق والموارد والممرات الاستراتيجية. وأوروبا، كما يشدد، تدرك أن خسارة إفريقيا تعني خسارة جزء حاسم من مستقبلها الاقتصادي.
ويختتم إدريس احميد مقاله بالتأكيد على أن قمة لواندا ليست مجرد اجتماع سياسي، بل محطة مهمة في سباق دولي يتصاعد بوتيرة سريعة. فإفريقيا اليوم أكثر وعيًا بمصالحها وتمتلك خيارات متعددة، بينما أوروبا أكثر حاجة للمحافظة على دورها. ويبقى نجاح القمة، في نظره، مرهونًا بقدرة الطرفين على الانتقال من لغة الوعود إلى مشاريع ملموسة، وإلا فستُضاف القمة السابعة إلى سلسلة لقاءات لم تغيّر الكثير في واقع القارتين.









