بوزعكوك: الميليشيات بطرابلس تبتز الدولة وسط هدر حكومي للأموال

أكد المهتم بالشأن الاقتصادي خالد بوزعكوك أنّ الأزمة الاقتصادية التي تعيشها البلاد اليوم ليست وليدة اللحظة، بل هي نتيجة تراكمات طويلة امتدت لسنوات في ظل اقتصاد هشّ يعتمد بشكل شبه كامل على النفط ويفتقر إلى التنويع، رغم توصيات المؤسسات الدولية والخبراء بضرورة الانفتاح والإصلاح.
وأوضح بوزعكوك في حديثه لقناة ليبيا الحدث، أن المسؤولية في تفاقم الأزمة مشتركة ولا تقتصر على مصرف ليبيا المركزي، لافتاً إلى أنّ القطاع الاقتصادي يعاني من مشاكل متشابكة مرتبطة بالسياسات المالية والرقابية والسياسية، إضافة إلى قرارات غير مستقرة وضعف واضح في أجهزة الرقابة.
وبين بوزعكوك أنّ تراكم المشكلات الاقتصادية أدى إلى تدهور قيمة الدينار الليبي، ما انعكس بصورة مباشرة على حياة المواطنين، منتقداً تضارب قرارات المصرف المركزي وضعف الرقابة والانقسام السياسي الذي أفسح المجال للميليشيات وأصحاب النفوذ لاستغلال المال العام، مؤكداً أن الإجراءات الأخيرة للمصرف المركزي في مجال التتبع، وتعزيز الرقابة مهمة لكنها غير كافية لردع التجاوزات.
وشدد بوزعكوك على أنّ معالجة الأزمة الاقتصادية تتطلب قبل كل شيء شخصية قيادية قوية تمتلك أدوات الدولة وتفرض قوة القانون، موضحاً أن أي مجتمع يفتقر إلى الردع سيشهد بالضرورة اعتداءات متزايدة على المال العام، معتبراً أن القوانين موجودة، لكن ما ينقص هو تنفيذها وتطبيقها بحزم.
ورأى المهتم بالشأن الاقتصادي، أن أزمة السيولة أصبحت مزمنة ويصعب تجاوزها في المدى القريب رغم كل الحلول المطروحة، لافتاً إلى أنّ المواطن بات الضحية الأولى لهذه الاختلالات.
وتابع: ليبيا تشهد حالياً قدراً من الاستقرار النسبي ووحدة القرار، إضافة إلى دعم واضح لملفات الإعمار، وهو ما ظهر في الجولة الأخيرة للقيادات المعنية بالمشروعات، مشددا على أن هذه الإيجابيات لا تنفي وجود أزمة حقيقية في النقد.
وبينّ أن النقد هو أداة الإيفاء الأساسية بحسب القانون المالي للدولة، لكنه تحوّل اليوم إلى سلعة يتم تداولها والتضارب فيها كأي سلعة أخرى، كاشفاً أن نسبة ما يُعرف بـ “حرق الصكوك” بلغت نحو 21٪، وتابع أن الدينار فقد أكثر من 60٪ من قيمته الحقيقية، ما أدى إلى تضخم كبير أثّر على القدرة الشرائية للمواطن.
وأكد بوزعكوك أن وجود السيولة ما يزال ضرورياً خصوصاً في قطاع الإعمار والمقاولات الذي يعتمد على الكاش في العمالة وشراء المواد، مشيراً إلى أن انتشار شركات ومكاتب الصرافة يعمّق الأزمة بدلاً من الحد منها.
وحذّر من الاعتماد المفرط على خدمات الدفع الإلكتروني، مؤكداً أن المصرف المركزي يروّج لها بوصفها “الحل السحري” لمعالجة ملف السيولة رغم أن الواقع التقني والاقتصادي في البلاد لا يسمح باعتمادها كبديل كامل عن النقد، معتبرا أن ليبيا ما تزال “دولة ناشئة” في التكنولوجيا، سواء في تطبيقات الذكاء الاصطناعي أو منظومات الدفع، وأن البنية التحتية للاتصالات متوسطة وضعيفة وتعاني أعطالاً متكررة، موضحا إنه تكبّد شخصياً خلال شهر واحد نحو 190 ديناراً كعمولات خصمت من عمليات الدفع الإلكتروني، كما شدد على ضرورة دعم المنظومة مرحلياً بدلاً من تحميل المواطن كلفة ضعفها.
وانتقد تصريحات المصرف المركزي التي تقلل من أهمية توفر السيولة بحجة ارتفاع نسبة الدفع الإلكتروني، مشيراً إلى أن أصحاب المتاجر الصغيرة والمتوسطة تتراكم لديهم مبيعات رقمية دون قدرة على السحب الفوري، ما يدفعهم لرفع الأسعار لتعويض الخسائر، وهو عبء يتحمله المواطن.
وأردف: أن التضخم امتصّ بالكامل زيادات الرواتب التي أعلنت عنها حكومة الدبيبة، قائلاً إن المواطن “لم يشعر بأي زيادة فعلية” بسبب ارتفاع أسعار السلع والخدمات.
ونوه بوزعكوك إلى أن ملف التضخم يمس المواطن بشكل مباشر، مشيراً إلى تجلّيه بوضوح في ارتفاع أسعار المواد الغذائية والخدمات الأساسية مثل المدارس والعيادات والمواصلات، وعلّل ذلك بالاعتماد الكبير للسوق على الدولار في التقييم والتسعير، موضحا أن وجود عدة أسعار للدينار، تشمل سعر الكاش وسعر الصك وسعر التحويل، أدى إلى دخول البلاد في نفق مظلم وأسهم في اضطراب السوق وارتفاع تكاليف المعيشة بشكل ملموس.
وكشف بوزعكوك أن جذور الأزمة تمتد إلى خلل بنيوي عميق في المنظومة المصرفية والاقتصادية، لافتا إلى ممارسات ابتزاز وفساد مارستها مجموعات مسلحة داخل طرابلس لسنوات، وبين أن محافظ المصرف المركزي ناجي عيسى صرّح بعد توليه منصبه بأن المصرف اضطر لدفع أتاوات بملايين الدنانير لتأمين مرور شحنات الأموال عبر مطار معيتيقة.
ورأى بوزعكوك أن سيطرة مجموعات مسلحة على المؤسسات السيادية سمحت بوضع شخصيات فاسدة في مواقع حساسة، معتبراً أن هذه الممارسات لم تُسجّل في الحكومة القائمة حالياً في بنغازي، كما شدد على أن شخصيات وشركات بعينها استحوذت على نحو 80٪ من قيمة الاعتمادات المستندية دون مقابل بضائع حقيقية، موضحاً أن كثيراً من الاعتمادات هُرّبت إلى الخارج أو وصلت عبر شحنات وهمية تحتوي حجارة أو حاويات فارغة أو سلع رديئة.
واتهم بوزعكوك مصرف ليبيا المركزي بالصمت والتغاضي، موضحا أنه كان يجدر به كشف الحقائق للناس، وأكد على ضرورة تعزيز الرقابة على المصارف وتشديد إجراءات التفتيش منذ بلد التصدير حتى الموانئ الليبية لضمان وقف التلاعب الذي أثقل كاهل المواطن والاقتصاد.
وذكر أن الخروج من الأزمة الراهنة مهمة صعبة لكنها ليست مستحيلة، مشيراً إلى أن مناطق سيطرة القيادة العامة تشهد مؤشرات حقيقية على انطلاق مشروع نهضوي واسع في الزراعة والصناعة، منها إنشاء مصانع الحديد والأسمنت وتطوير الطرق إضافة إلى توسيع المناطق الحرة وتفعيل تجارة العبور، إلى جانب توظيف أكثر من 12 ألف مهندس في شركات الإعمار، كما أشار إلى طفرة في القطاع الصحي عبر إنشاء ستة مستشفيات كبرى ستستوعب آلاف الأطباء والفنيين، موضحاً أن عدد العمالة الأجنبية في مشاريع الإعمار تجاوز ثلاثة ملايين عامل موزعين بين درنة وسرت وبنغازي ومرزق وطبرق ومناطق الجبل الأخضر.
وشدّد بوزعكوك على أهمية تنويع مصادر الدخل من خلال الاستفادة من إمكانات ميناء طبرق في مجالات الصيد البحري وصيانة السفن وتطوير العمق الجغرافي والاقتصادي للمدينة، كما انتقد ما وصفه بـ “الهدر المفرط” لحكومة الدبيبة، موضحاً أنها تمتلك نحو 160 سفارة وملحقية أغلبها يشغله أشخاص غير مهنيين تم تعيينهم بضغوط قبلية وميليشياوية، مؤكداً أن تكاليف هذه البعثات تجاوزت 13 مليار دولار، ودعا إلى ضرورة الحد من الإنفاق وترشيد المصروفات العامة.
وختم بوزعكوك حديثه بالتأكيد على أن الحل يكمن في قيادة موحدة وقوية قادرة على فرض هيبة الدولة وتطبيق القانون وتمكين ليبيا من استثمار مواردها وبناء اقتصاد متنوع وواعد.









